منذ عام 2007 وحتى اللحظة الحالية أقامت إسرائيل حصارًا اقتصاديًّا خانقًا على قطاع غزة، والذي يعد شكلًا من أشكال الحرب على القطاع ومقاومته، رغم أنه -الحصار- لم ينجح في إنهاء حكم حركة المقاومة الإسلامية «حماس» على القطاع، أو إنهاء إطلاق الصواريخ من القطاع، والذي بات يهدد الكيان من شماله إلى جنوبه.
لكن على جانب آخر، يظل هذا الحصار الاقتصادي ناجحًا في إفقار القطاع وإنهاك حكمه بشكل مستمر، وجعْل الحياة صعبة جدًّا على أبناء الشعب الفلسطيني قاطني القطاع؛ بالإضافة إلى إبقاء حياته اليومية معتمدة بشكل كبير على حركة المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل، وأيضًا على دخول المساعدات الخارجية عن طريق الاحتلال أو بموافقته على الأقل.
تستخدم إسرائيل هذه الأدوات بوصفها عصا عقاب جماعي تارة، وهي تلوح بها بوصفها مكافأة لأهل القطاع إذا ما تمرَّدوا على حكم حماس في القطاع، أو ثمنًا للهدوء على حدودها الجانبية على الأقل.
Embed from Getty Images
وليس هذا السلوك غريبًا على القوى الاحتلالية والاستعمارية؛ فدائمًا ما كان الاقتصاد في قلب العلاقات الدولية وقت الاستعمار المباشر، أو في الوقت الحالي الذي يشهد هيمنة غربية دون أن تكون استعمارية مباشرة؛ ما عدا آخر حالة استعمارية تقليدية يمثلها الكيان الإسرائيلي في فلسطين.
في حالة الاستعمار المباشر التقليدي يكون هدف هذا الاستعمار اقتصاديًّا وسياسيًّا للسيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية، ومختلف مقدَّرات الدول المستَعمرة، ومن أجل الحفاظ على هذا الاستغلال للمستَعمرات؛ يجب الإبقاء على شعوبها متخلفة وممنوعة من تحقيق أي نوع من أنواع السيادة، والتي منها بالطبع الاقتصادية، والاستعمار بشكله الحديث أيضًا يحتاج لهذه الآلية نفسها، وإن تغير شكل الاستغلال.
في حالة إسرائيل الأمر مختلف؛ فالكيان لا يوجد دون احتلاله لفلسطين، ووجوده فيها معتمد على إخراج شعب من مكانه، وإحلاله بيهود العالم للبقاء، لا استغلال المكان وسكانه لمصلحة دولة موجودة أصلًا في خارج هذه الرقعة الجغرافية من العالم.
لكن الهدف الثاني للاستعمار ما زال مشتركًا بالنسبة للكيان، فهو يحتاج إلى سيطرة اقتصادية على من تبقى من سكان فلسطين داخلها، وطبعًا يحتاج إلى نفوذ اقتصادي على المنطقة كلها للتمكن من التحكم بهؤلاء السكان، وجعلهم «رعايا» مطيعين، وغير قادرين على الانتفاض ضد الاحتلال أو إفشال مخططاته.
ولأنه، لا تستطيع أي دولة في العالم أن تعيش في حالة حرب عسكرية مستمرة ودائمة، فهي تحتاج إلى هندسة المجتمعات التي تسيطر عليها بشكل يسمح لها بتحقيق أهدافها، فكيف حاولت إسرائيل هندسة المجتمع الفلسطيني؛ وخصوصًا من حيث الاقتصاد بحيث تستطيع التحكم ولو جزئيًّا بالشعب الفلسطيني؟ وكيف يمكن العمل من حيث الاقتصاد والمجتمع الفلسطيني على معاكسة تأثير السياسات الإسرائيلية؟
من النكبة إلى الانتفاضة الأولى.. مختصر تاريخي لاقتصاد المواجهة
عندما وقعت نكبة الشعب الفلسطيني، انفصلت الأراضي التي كانت طوال عمرها متكاملة معًا إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يسيطر عليه الكيان الإسرائيلي، وفيه كبرى المدن الفلسطينية مثل يافا وحيفا وجزء من القدس، بالإضافة إلى غالبية المنافذ البحرية، وقسمين ظلا تحت سيطرة عربية، لكن أحدهما ضُمَّ لاحقًا إلى الأردن وهو ما بات يعرف باسم الضفة الغربية لنهر الأردن، والآخر أصبح تحت سيطرة حكومة عموم فلسطين، التابعة للإدارة المصرية.
Embed from Getty Images
يقول الباحث في التاريخ الفلسطيني أ. عوني فارس، خلال حديثه إلى «ساسة بوست»، إن النكبة ومفاعيلها أطاحت الاقتصاد الفلسطيني، وفصلت الضفة الغربية عن قلب فلسطين ومراكزها التجارية، كما أن اقتصاد الضفة والقطاع أصبح منهكًا بتدفق اللاجئين إليهما.
ويضيف السيد عوني فارس أن أراضي فلسطين التي احتُلَّت عام 1948 احتوت على 10 مدن كبرى بالنسبة لفلسطين، وهي التي احتوت على أهم البنى الاقتصادية والاجتماعية، بينما لم تكن الضفة الغربية ومدنها إلا هامشية في ذلك الوقت، ومعتمدة على التكامل مع اقتصاد «مركز الاقتصاد الفلسطيني» في الأراضي المحتلة عام 1948.
حتى نابلس؛ والتي تعد أحد أهم مدن الضفة الغربية اليوم، لم تكن وقتها إلا مدينة طرفية، داخل منطقة طرفية «periphery within a periphery». تسببت النكبة بحالة انهيار في المجتمع الفلسطيني، ولم يتبق بحسب أ. فارس إلا مؤسسات ما قبل الدولة للتعامل مع الحالة الجديدة.
كما أن الشعب الفلسطيني واجه أزمة تمثيل لمكوناته؛ فمن وقعوا تحت الاحتلال الإسرائيلي أصبحوا عمليًّا ضمن اقتصاده، ومن كانوا في الضفة الغربية أصبحوا يتبعون الأردن، وأهل قطاع غزة وقعوا تحت الإدارة المصرية، ولم يبق للشعب الفلسطيني كيان يمثله بشكل مستقل، رغم وجود جهات كان يمكن لها القيام بهذا الدور قبل النكبة؛ مثل المفتي أمين الحسيني، وتنظيم الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني.
ومن هذه النقطة بدأ تفكك بنى المجتمع الفلسطيني الاقتصادية وتشظيها، واستكملت الظروف الأمر؛ بجعل الضفة الغربية طرفًا لاقتصاد مركزه عمَّان، وكذلك حصل في قطاع غزة الذي تديره مصر، ولم يكن هنالك مجال أصلًا لقيام اقتصاد مركزه الضفة الغربية؛ نظرًا إلى عدم وجود مقومات اقتصاد حقيقي ومركزي في الضفة الغربية؛ لكن الظروف صبت النار على الزيت.
لم يحصل شيء مهم خلال فترة العقدين قبل النكسة؛ والتي خسر فيها العرب السيطرة على كل من الضفة والقطاع، مع سيناء والجولان أيضًا، لتصبح أراضي فلسطين التاريخية كاملة تحت السيطرة الإسرائيلية.
إدماج اقتصاد الضفة والقطاع بالكيان الإسرائيلي
بخلاف أراضي فلسطين المحتلة عام 1948؛ كانت أراضي الضفة والقطاع معترفًا بها دوليًّا بوصفها أراضيَ محتلة من قبل الكيان، ولم يكن ممكنًا إخراج أهل الضفة الغربية والقطاع بالطريقة نفسها التي جرى بها إخراج الفلسطينيين في النكبة، فكان على الكيان إدارة أهالي الضفة والقطاع بشكل ما.
Embed from Getty Images
بصرف النظر عن تفاصيل انتقال إسرائيل من الإدارة العسكرية إلى الإدارة المدنية، وبعض تفاصيلها التي تبين أن إسرائيل لم تكن تمتلك خطة واضحة ومسبقة للتعامل مع المناطق المحتلة بعد عام 1967، لكن الصورة العامة التي شهدتها هذه المناطق منذ النكسة وحتى عشية الانتفاضة الأولى هو محاولة دمج هذه المناطق في الاقتصاد الإسرائيلي، وجعلها تابعة لاقتصاد الكيان.
وعليه، عمل الاحتلال على ثلاثة محاور:
إعادة بناء شبكات النقل والمواصلات والكهرباء والمياه؛ لتصبح متكاملة ومعتمدة على إسرائيل. فتح سوق العمل الإسرائيلية أمام الفلسطينيين؛ مع محاولة منع وجود سوق عمل فلسطينية داخلية ومستقلة، بحيث يجبر الاحتلال الفلسطينيين على ترك العمل في أرضهم، والتوجه نحو العمل بمقابل أكبر في السوق الإسرائيلية، لكن بمرتبات أقل مقارنة بالعامل الإسرائيلي. تكامل الأسواق؛ بحيث تشتري إسرائيل البضائع الفلسطينية، ويشتري الفلسطينيون البضائع الإسرائيلية، ولكن الاعتماد من جهة واحدة؛ فبينما تستطيع إسرائيل التخلي عن البضائع الفلسطينية وشراءها من مكان آخر، وإن بسعر أعلى مثلًا، لا يستطيع الفلسطينيون توفير بديل عن غالبية البضائع الإسرائيلية.يقول الباحث في الاقتصاد د. علي القادري في «نظرية الهجرة القسرية للعمالة» إن الاحتلال عمل على مصادرة الأرض، ومنع تطور القطاعات الاقتصادية، وخلق فائض في العمالة الفلسطينية ممن لا يملكون إلا قوة عملهم، ممهدًا بذلك للمرحلة التالية.
وأنتج الواقع الجديد في الأراضي المحتلة فرقًا هائلًا بين رواتب العاملين في مختلف الوظائف في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ والرواتب التي يقدمها الاقتصاد الإسرائيلي، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على الجهد البدني.
Embed from Getty Images
يقول د. أحمد العطاونة، مدير «مركز رؤية للتنمية السياسية»، في مقابلته مع «ساسة بوست»، إن أجور العاملين في الداخل الفلسطيني المحتل كانت أضعاف أجورهم في وظائف لا علاقة لها بالاحتلال؛ فقد يصل الأجر إلى أكثر من 50 دولارًا في اليوم الواحد؛ في واقع اقتصادي غير جيد في هذه المناطق.
فيما يذكر علي القادري في بحثه أن نسبة البطالة الحقيقية في الضفة الغربية كانت تصل إلى 50%، ولم يكن خيار العمل الحقيقي للفلسطينيين موجودًا خارج إسرائيل، كما أن الكيان بدوره كان محتاجًا لهذه العمالة الرخيصة – مقارنة بمعيشة المستوطنين في الكيان.
جدير بالذكر الاقتصاد الإسرائيلي نما بمعدل 10% بين عامي 1968 و1974، وكان نمو قطاع الإنشاءات جزءًا مهمًّا من ذلك، واحتاجت إسرائيل التي يمتلك مستوطنوها درجة عالية من التعليم ومهارات العمل، اللجوء لخزان بشري هائل من العمالة التي لا يراد لها التطور أصلًا في المناطق المحتلة، واستغلال قوة عملهم لمصلحة الاقتصاد الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه، ليصبح ذلك جزءًا من أدوات سيطرة الكيان على الفلسطينيين.
يقول د. أحمد العطاونة في حديثه معنا، إن الحافلات الإسرائيلية كانت تدخل يوميًّا كل قرية في الضفة الغربية والقطاع الغاز لحمل مواطنين فلسطينيين للعمل في الداخل، عدا عن المركبات الخاصة التي كانت تنقل هؤلاء العمال في مجالات الإنشاءات والزراعة وبيع التجزئة، وذلك قبل اتفاقية أوسلو.
وكي تستطيع إسرائيل ضمان استمرار هذه العملية؛ كان عليها أن تضمن عدم تطور اقتصاد الضفة الغربية والقطاع، حتى لا يكون هناك بديل عن التكامل مع الاقتصاد الإسرائيلي، فبربط حياة الفلسطينيين بالاحتلال يضمن الكيان الطاعة بشكل عام من قبل أهل فلسطين، ويضمن أنه يمتلك عصا ربما تكون أكثر فاعلية من القوى العارية في وجه أهل الأرض المحتلة.
على جانب آخر، كان الفلسطينيون معتمدين في أسواقهم بدرجة كبيرة على المنتجات الإسرائيلية؛ نعم كان هنالك شراء للمنتجات الفلسطينية أيضًا بحسب د. أحمد العطاونة، لكن كان اعتماد الفلسطينيين على المنتجات الإسرائيلية صعب الاستبدال أو مستحيلًا، بينما لم يكن الوضع كذلك بالنسبة للكيان وشرائه من فلسطين؛ رغم استفادته من ذلك.
Embed from Getty Images
أما الاعتماد الأساسي من قبل إسرائيل على فلسطين، فكان ينحصر في العمالة الفلسطينية، لكن بكل الأحوال كانت استفادة الفلسطينيين المادية من هذه العمالة أكبر بكثير من الاستفادة الإسرائيلية، وإن كان هؤلاء العمال ضروريين جدًّا في الاقتصاد الإسرائيلي.
رغم محاولة الحركة الوطنية لمقاومة هذا التكامل، كما يخبرنا الباحث عوني فارس، فإنَّ الفلسطينيين لم يعملوا داخل الكيان فقط؛ بل احتاجوا أيضًا للعمل داخل الإدارة المدنية الإسرائيلية لأراضيهم المحتلة، ووفقًا لد. أحمد العطاونة، أنتج الاحتلال طبقة من المتعاملين مع الاحتلال، والذين اغتنوا على حساب الشعب الفلسطيني، وبتمكين من الاحتلال نفسه، وكانوا قادرين على استخدام علاقاتهم داخل الكيان لقبض ثمن خدمات معينة للمواطنين.
عشية الانتفاضة الأولى كان يبدو أن هذه الخطة قد نجحت بشكل كبير جدًّا، فالأراضي الفلسطينية المحتلة لم تشهد عصيانًا مدنيًّا كبيرًا، أو مقاومة شعبية واسعة للاحتلال، وبدت الصورة أن الشعب المحتل قد دَجَّنه الاحتلال حتى بات لا يحتاج إلى استخدام العنف، المضر بالاستقرار والاقتصاد ضده، وبعد عام 1982 كان الاحتلال قد تخلص من خطر منظمة التحرير في الشمال أيضًا، لكن الأمور كلها تغيرت عام 1987؛ أو على الأقل ظهر أن الشعب الفلسطيني قادر على قلب المعادلة، حتى إن لم ينجح سياسيًّا في استثمار انتفاضته.
الشعب الفلسطيني يمسك بزمام المعركة
حُرم الفلسطينيون من تمثيل أنفسهم ضمن كيان واحد منذ النكبة وحتى عام 1967؛ والتي ظهرت بعدها منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الأخرى بوصفها ممثلًا للشعب الفلسطيني؛ رغم أن هذا «التمثيل الشرعي والوحيد» لم يؤكد إلا في قمة الرباط عام 1974، وبقي تمثيل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج محل نزاع مع الأردن على سبيل المثال.
لكن وحتى بعد أن استطاع الفلسطينيون حيازة كيان يمثلهم؛ لم يستطيعوا ممارسة هذا الحق على أرضهم، بل تركز النضال الفلسطيني في الخارج؛ في الأردن ولبنان بالدرجة الأولى، وقادت الفصائل الفلسطينية نضالًا مسلحًا ضد الكيان انطلاقًا من هذه البلدان، دون أن يكون للشعب الفلسطيني ...
مشاهدة اقتصاد المواجهة والصمود بين انتفاضات الفلسطينيين ومحاولات التجريف الإسرائيلية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ اقتصاد المواجهة والصمود بين انتفاضات الفلسطينيين ومحاولات التجريف الإسرائيلية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، اقتصاد المواجهة والصمود.. بين انتفاضات الفلسطينيين ومحاولات التجريف الإسرائيلية.
في الموقع ايضا :
- عدن.. تدشين مشروع "تمرة إفطار" برعاية الفريق أول ركن طارق صالح
- وكيل زراعة الشيوخ: التغيرات المناخية معركة وجود تتطلب الاستعداد للسيناريوهات الأخطر
- سيميوني يتربع على عرش المدربين الأعلى أجرا في العالم للعام الثامن تواليا
