قمة المناخ التي استضافتها العاصمة الأسكتلندية جلاسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 كان يفترض أن يشعر المواطنون حول العالم بنوع من الراحة، بعدما كانوا يأملون في قرارات تهدئ من روعهم تجاه ظاهرة الاحتباس الحراري، وما ينتج عنها من تغيرات مناخية وطقس متطرف لمسه الناس بالفعل في صيف 2021.
وعلى الرغم من أن القرارات لم تكن في المستوى المأمول في نظر ناشطي المناخ، فإن هناك شيئًا جعل بعض المتابعين يشعرون بالخوف والقلق، ليس تجاه المناخ، ولكن تجاه أهم القطاعات الاقتصادية، قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي، ونبع هذا القلق من المبادرة التي جرى إطلاقها رسميًا حينذاك باسم «الابتكار الزراعي من أجل المناخ»، التي ترعاها كبرى شركات التكنولوجيا في العالم.
المزارعون الهنود الذين خرجوا في مظاهرات كبيرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 بسبب خوفهم من هيمنة الشركات الكبرى على مجال الزراعة في البلاد، فما هذه المبادرة؟ ولماذا تمثل مبادرة لإنقاذ المناخ مشكلة لدى العاملين في القطاع الزراعي؟
الابتكار الزراعي.. من أجل المناخ حقًا؟
للحديث عن قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي الذي يساهم بحوالي ثلث الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري في قمة جلاسكو للمناخ «COP26»، أعلنت كل من الولايات المتحدة والإمارات رسميًا عن مبادرة «الابتكار الزراعي من أجل المناخ» أو AIM for Climate، جنبًا إلى جنب مع 31 دولة، و48 شريكًا حكوميًا.
Embed from Getty Images
الزراعة الذكية
ردود فعل إيجابية وسط من يرونها حلًا جيدًا يقلل من مساهمة القطاع الزراعي في الاحتباس الحراري، خصوصًا مع إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن أن الولايات المتحدة تعتزم ضخ مليار دولار من الاستثمار فيها على مدار خمس سنوات (2021-2025)، بجانب كما مساهمة الإمارات بمليار دولار أخرى، بالإضافة لمساهمات دول أخرى، ليصل مجموع ما جمعته المبادرة 4 مليارات دولار أمريكي.
كل هذه الأموال تهدف للاستثمار فيما يسمى «الزراعة الذكية مناخيًا» وابتكارات النظم الغذائية، والزراعة الذكية مناخيًا هي نهج يساعد على إعادة توجيه النظم الزراعية لمعالجة ثلاثة أهداف رئيسة: زيادة الإنتاجية، والدخل الزراعي، وتقليل أو إزالة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
حسب ما هو معلن، إلى التركيز على زيادة الاستثمار وتمكين المزيد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، من أجل رفع الطموح العالمي فيما يتعلق بالمناخ، ودعم العمل المرتبط بالمناخ في قطاع الزراعة في جميع البلدان.
ويعمل شركاء «AIM for Climate» على سد فجوة الاستثمار العالمية في مجال الزراعة الذكية مناخيًا وابتكار النظم الغذائية، ومن أبرز هؤلاء الشركاء، شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) مثل «أمازون»، و«مايكروسوفت». وشركات التكنولوجيا الزراعية (Ag Tech) مثل «Bayer»، و«Cargill»، و«John Deere».
هذا يعني أننا أمام مبادرة تسعى إلى اتخاذ إجراءات في القطاع الزراعي بهدف جعل الزراعة جزءًا من الحل فيما يخص معالجة أزمة المناخ، ومن بين هذه الإجراءات زيادة وتسريع الاستثمار في البحوث لتحقيق اختراقات علمية، وإنشاء هياكل مناسبة للتبادل بين الوزراء وكبار العلماء وأصحاب المصلحة الآخرين لخلق قدر أكبر من الإبداع المشترك، لكن إذا كانت المبادرة مفيدة لكوكب الأرض، فلماذا إذَا يظهر بعض المنتقدين لها؟
الوجه الآخر.. السيطرة باسم المناخ
عندما بحث هؤلاء المنتقدون في الوثائق الرئيسة الخاصة بهذه المبادرة، لاحظوا أن القائمين عليها ذكروا العلماء والوزراء وأصحاب المصلحة، لكنهم لم يذكروا «المزارعين» على الإطلاق، كما لو أن هذه المبادرة تتحدث عن مستقبل للقطاع الزراعي، والإنتاج الغذائي لا يحتاج إلى هذه الفئة، فهل هذا يعني أن المزارعين سيدفون الثمن، وسيكونون هم الخاسر الأكبر في مستقبل الزراعة؟
Embed from Getty Images
اعتراض المزارعون في الهند على الزراعة الذكية مناخيا
يبدو أن الإجابة هي نعم، فهذا ما استشعره بالفعل المزارعون الهنود منذ أن لاحظوا زيادة هيمنة الشركات الكبرى على القطاع الزراعي، فكانت مظاهراتهم ردًا على قوانين الإصلاح الزراعي التي سنتها حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والتي تضمنت إدخال «قوى السوق» بهدف المساعدة في إصلاح النظام الزراعي في البلاد، على حساب الحكومة التي سيقل دورها، بكلمات أبسط، ستسحب الحكومة يدها تدريجيًا من القطاع الزراعي لحساب الشركات والقطاع الخاص وقوى السوق.
سيجعلهم تحت رحمة الشركات الكبرى؛ لأن الحكومة كانت تدعم المزارعين عبر شراء محاصيلهم الزراعية بحد أدنى من الأسعار، وكان المزارعون يعانون اقتصاديًا في ظل الدعم الحكومي، وكان الأمر يصل إلى حد انتحار مزيد من المزارعين بسبب الوضع السيئ، فكيف سيكون الأمر عند رفع الدعم؟
ولأن هذه التظاهرات تمثل إزعاجًا للشركات الهندية الكبرى في مجال الزراعة والإنتاج الغذائي، فقد وصل الأمر إلى قيام بعض وسائل الإعلام التي تسيطر عليها تلك الشركات بتشويه المزارعين، ووصفهم بـ«البلطجية، والطفيليات، والإرهابيين، والانفصاليين، العازمين على عرقلة التنمية في الهند»، لكن في النهاية اضطر رئيس الوزراء لسحب القانون المثير للجدل. هنا، سيأتي السؤال المنطقي: ما علاقة كل هذا بمبادرة «الابتكار من أجل المناخ»؟
«أوبرة» القطاع الزراعي.. تحويل المزارع لـ«فري لانس»
حسنًا إن ما يخشاه المزارعون الهنود من تركهم في مواجهة القطاع الخاص هو تحديدًا ما يخشاه المنتقدون لمبادرة «الابتكار من أجل المناخ» فكيف هذا؟ كما ذكرنا، فإن المشاركين في هذه المبادرة قسمان: حكومات وشركات خاصة، والغرض منها هو عقد شراكة بين الطرفين.
Embed from Getty Images
ويعني مشاركة الحكومات في هذه المبادرة أن الدول التي تتبعها ستفتح الباب للشركات الكبرى للتحكم في القطاع الزراعي عبر اشتراط تكنولوجيات معينة يستخدمها المزارعون للحصول على محاصيلهم، بل حتى اشتراطهم زراعة الأراضي بمحاصيل معينة حتى يوافقوا على شرائها من المزارعين. أليس هذا ما كان يخشاه الهنود؟
«أوبرة» القطاع الزراعي تحت مسمى حماية المناخ، ويقصد بـ«الأوبرة» هنا تحويل نموذج العمل في القطاع الزراعي إلى نموذج عمل شركة «أوبر» الشهيرة لخدمات التوصيل ونقل الأفراد.
يفترض أن الهدف من «الأوبرة» في مجال الزراعة هو مساعدة المزارعين على توفير روابط بالسوق المفتوح، مما يؤدي في النهاية إلى بيع منتجاتهم بسعر أعلى، وتحليل بيانات السوق واحتياجاته بدقة، ومعرفة الشكل الأمثل للمنتج الذي يحتاجه السوق، لكن هذا النموذج يقدم خدمة رائعة للمشترين (شركات الإنتاج الزراعي الكبرى) أيضًا؛ لأنه يوفر لهم عروض متعددة من البائعين دون تحمل المخاطرة.
فعند مقارنة العاملين مع أوبر بسائقي الأجرة التقليديين، نلاحظ أن شركة أوبر تشترط على العاملين شروطًا معينة لسياراتهم وكيفية تقديم الخدمة، لكن دون أن تتحمل تكاليف صيانة، أو تأمينات صحية، أو غيرها، هذا بعكس شركات الأجرة التقليدية التي تمنح سائقيها هذه الامتيازات؛ لأنها شركات مالكة لسيارات الأجرة نفسها؛ وبالتالي يهمها عمل الصيانة للسيارات بانتظام.
تكاليف تشغيل أقل مقارنة بالأعمال التجارية التقليدية، الأمر نفسه ينطبق على النموذج الجديد الذي تسعى شركات التكنولوجيا القيام به في مجال الزراعة من خلال مبادرة الابتكار الزراعي من أجل المناخ، هذه الشركات لا تسعى لفكرة الاستحواذ على الأراضي أو الهيمنة على المزارعين أنفسهم، لكنها تسعى لفرض شروطها على المزارعين حول ماذا ينتجون وكيف ومتى ينتجوه؟
المهيمن على كامل عملية الإنتاج الزراعي بدءًا من اختيار المحصول مرورًا بطريقة الزراعة ونهايةً بآلية التسويق النهائية للمحصول، وهذه الشركات ليست مهتمة بامتلاك الأراضي لأن امتلاكها سيمثل عبئا إضافيًا عليها، هم فقط يريدون التحكم في عملية الإنتاج حتى يتمكنوا من الاستمرار في تحقيق أرباح طائلة.
المزارع يتحمل الخسائر
لنعطي مثالًا: لنفرض أن شركة تكنولوجية كبرى مثل «Bayer» اشترطت على المزارعين في دولة مثل المغرب (إحدى الدول المشاركة في المبادرة) استخدام تقنيات حديثة من تطوير الشركة تتعلق بعملية ري الأراضي وحرثها وحصادها عند زراعة القمح، كما اشترطت استخدام نوع معين الصوبات الزراعية بحجة أنها تقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، مع شرط واضح بألا تقل إنتاجية الفدان عن رقم معين من كيلوجرامات القمح.
Embed from Getty Images
الزراعة الذكية مناخيا
هذا يعني أنه كي يتمكن صاحب الأرض في النهاية من بيع محصوله وتصديره، سيكون ملزمًا باتباع هذه الاشتراطات، وبالتالي سيضطر إلى الاستغناء عن بعض المزارعين والاستبدال بهم آلات حديثة معينة للري والحرث والحصاد، إن كانت عنده القدرة المالية لذلك، لكن بسبب مشكلة ما وقعت نتيجة تغير بعض العوامل الجوية، لم تأت الأرض بما يفترض من إنتاجية الفدان المطلوبة.
الأمر هنا أشبه بنوعية التعاقدات بالقطعة بين شركات وأفراد، يمكن أن تتفق شركة مع مبرمج حر على إنشاء برنامج كمبيوتر ما تحتاجه الشركة، وتضع هذه الشركة شروطها القاسية من أجل قبول البرنامج في النهاية، فيضطر المبرمج الحر للاستعانة بخبراء ومساعدين وربما تقنيات جديدة لمساعدته على إتمام البرنامج كما ينبغي، ثم يفاجأ برفض الشركة له لوجود عيب أو خلل ما، فيتحمل المبرمج الحر كل الخسارة، هذا الأمر يمكن تفهمه في مثل هذه المجالات، لكن في قطاع الزراعة يكون الأمر أصعب وأشد.
فالقطاع الخاص (في ظل تراجع القطاع العام كما ذكرنا) لن يكون ملزمًا بشراء هذا المحصول من المزارع، وبالتالي سيتحمل هو فقط الخسائر دون أي خسارة على القطاع الخاص والشركات المشترية أو المصدرة، وهنا تظهر لنا خسارة مزدوجة تتعلق بكل من صاحب الأرض والعمالة الزراعية على حد سواء، وهو ما يمثل مشكلة وجودية لهؤلاء الناس الذي لا يتاح لهم توفير مصدر دخل آخر.
قائمة الشركاء شركة مثل «بيبسيكو»، والتي تنتج المشروبات الغازية ورقائق البطاطس والعصائر، فكل هذه المنتجات تحتاج إلى القطاع الزراعي وإنتاج الغذاء، وبالتالي من مصلحتها الدخول في المبادرة التي ستضمن لها الهيمنة على هذا القطاع وتوجيه المزارعين لزراعة ما تحتاجه دون أن تتحمل كلفة ملكية الأراضي وما شابه.
ليست المبادرة الوحيدة
قد يعتقد البعض أن ما ذكرناه سابقًا فيه نوع من نظرية المؤامرة المبالغ فيها. لكن ما لا يعلمه الكثيرون أن هذا التوجه للشركات الكبرى بدأ بالفعل بشكل مبادرات فردية إلى حد ما من قبل كبرى شركات التكنولوجيا الزراعية منذ سنوات، الفرق الوحيد أن مبادرة «الابتكار الزراعي من أجل المناخ» هي مبادرة تضم دولًا وشركاء عديدين؛ مما يجعلها أكبر مبادرة من نوعها.
Embed from Getty Images الزراعة الذكية مناخيا
مبادرة عام 2020 بشراكة مع منظمة «Precision Agriculture for Development» الأمريكية غير الربحية بهدف الوصول إلى 100 مليون مزارع في منطقة الكاريبي وأمريكا اللاتينية بحلول عام 2030، لتقديم خدمات التدريب لهم، لتعزيز الإنتاج المستدام والمربح ومنخفض انبعاثات الكربون.
هذه المبادرة تستند إلى «نموذج الشراكات بين القطاعين العام والخاص»، وتهدف كذلك إلى توفير الدعم الفني الشخصي وحماية المحاصيل والتضمين الرقمي وذلك عبر تنفيذ برنامج مساعدة تقنية عن بُعد عبر الهواتف المحمولة وتطبيقاتها، هذه المساعدة ستتضمن أساليب ثبت بالفعل أنها تأتي بنتائج ممتازة في أفريقيا وآسيا.
وسعت مبادرة «Bayer» إلى الوصول إلى صغار المزارعين الذين يمتلكون ممتلكات تصل إلى 10 هكتارات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل في ثلاث قارات، في محاولة لتعزيز الوصول إلى التدريب والتمويل والمعدات والأسواق. هذه الجملة الأخيرة مهمة وبها خلاصة كل شيء.
الزراعة إلى قطاع رقمي تشرف فيه الشركات الكبرى على عملية تدريب وتطوير صغار المزارعين على أساليب زراعية يفترض أنها تخدم البيئة والمناخ، لكنها أيضًا تخدم هذه الشركات عبر توجيه المزارعين حول ما يزرعونه وطريقة الزراعة التي تمنح شركات الإنتاج الزراعي الكبرى (الأسواق) أفضل أرباح دون تحمل أي خسائر.
مجتمع
...مشاهدة laquo أوبرة raquo الزراعة ماذا يعني تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى في
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أوبرة الزراعة ماذا يعني تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى في إنتاج الغذاء قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، «أوبرة» الزراعة.. ماذا يعني تدخل شركات التكنولوجيا الكبرى في إنتاج الغذاء؟.
في الموقع ايضا :
- عدن.. تدشين مشروع "تمرة إفطار" برعاية الفريق أول ركن طارق صالح
- وكيل زراعة الشيوخ: التغيرات المناخية معركة وجود تتطلب الاستعداد للسيناريوهات الأخطر
- سيميوني يتربع على عرش المدربين الأعلى أجرا في العالم للعام الثامن تواليا
