منذ وصول البحَّارة العثمانيين بقيادة كلٍّ من عروج وخير الدين الملقَّب بـ«بربروس» إلى سواحل الجزائر لنجدة الجزائريين من الغارات الإسبانية، ومن ثمَّ إلحاق الجزائر رسميًّا بالخلافة العثمانية سنة 1518، برزت إشكالية علاقة سُلطة الجزائر العثمانية بالمكوِّن المحلِّي، خصوصًا وأنَّ السلطات العثمانية تتميز بالانعزال عن سكان البلاد.
ويُرجع المؤرِّخون الفضل إلى العهد العثماني في تحرير السواحل الجزائرية من الغزو الإسباني بفضل «الجهاد البحري» الذي قاده الأخوان: عروج وخير الدين، ومن بعدهما باقي القادة العثمانيين، بالإضافة إلى توحيد المغرب الأوسط أو ما يعرف حاليًا باسم الجزائر، على أنقاض الممالك القديمة (الدولة الزيانية غربًا والحفصية شرقًا) وإعطاء البلاد حدودها الحالية إلى حدٍّ كبيرٍ.
وفي المقابل كانت إحدى السمات السلبيَّة في النظام السياسي الجزائري خلال الفترة العثمانية تتمثل في الصراع العسكري بين «ريَّاس البحر» أو القوَّات البحرية، و«اليولداش» أو الجنود البريُّون، وقد استمر هذا الصراع طوال القرون الثلاثة للوجود العثماني في الجزائر.
لوحة للفنَّان الجزائري محمد راسم (1896-1975) للأسطول البحري الجزائري في العهد العثماني
وتتكون فرقة الريَّاس من البحَّارة من مختلف الجنسيات سواء من الجزائريين أم الأتراك أم الأوروبيين الذين دخلوا في الإسلام وتنحصر مهتهم في «الجهاد البحري»، والسيطرة على حوض البحر المتوسِّط والإغارة على السفن الأوروبيَّة، بينما تتكون طائفة اليولداش من الجنود الأتراك الذين جاؤوا من تركيا، والذين تربُّوا على القتال والعسكرية منذ نعومة أظافرهم ولا تربطهم بالجزائر أيَّة صلة، وكان لهم نظام خاص يسمح لهم بارتكاب الجرائم ضدَّ السكَّان.
الوجود العثماني في الجزائر.. صراع السلطة بين البرِّ والبحر
يقسِّم المؤرِّخون العهد العثماني في الجزائر الذي دام منذ قدوم الأخوين عروج وخير الدين سنة 1514 إلى سقوط الدولة إثر دخول الاستعمار الفرنسي سنة 1830، إلى أربعة مراحل: الأولى، مرحلة البايلار بايات (1514-1518) أو أمراء البحر وتعُد أزهى عصور الحكم التركي إذ عرفت بسيطرة الجزائر خلالها على حوض البحر الأبيض المتوسط بفضل غزوات أمراء الحرب ومعاركهم التاريخية ضد القوى الأوروبية وإحباطهم لمحاولات غزو الجزائر وتحريرهم أغلب سواحل الجزائر من الاحتلال الإسباني، بالإضافة إلى ازدهار العمارة والتجارة والفنون بفضل هجرة الأندلسيين إلى الجزائر هربًا من محاكم التفتيش.
Embed from Getty Images
قصبة الجزائر العاصمة
المرحلة الثانية هي عصر الباشاوات (1587-1659) وهي الفترة التي بدأت تظهر فيها التناقضات والصراعات بين جيش القوات البرية أو «اليولداش»، وجنود البحرية، بسبب الغنائم الكبيرة التي كان يغنمها أمراء البحر، وهو ما أسال لُعاب اليولداش وطالبوا بنصيبهم من هذه الغنائم، وهو ما اضطرَّ السلطان العثماني إلى سنِّ سياسة تعيين «باشا» يختاره هو من إسطنبول وتدوم عهدته لثلاثة سنوات.
المرحلة الثالثة هي عصر الآغاوات (1659-1671) وقد شهدت هذه المرحلة استفحال الصراع بين أمراء البحر وجنود اليولداش الذين نفّذوا العديد من الانقلابات في السلطة وأزاحوا الباشا المعيَّن من طرف السلطان العثماني، وفرضوا نظامًا سياسيًّا جديدًا من خلال إدارة السلطة عبر «الديوان العالي» الذي يتكوَّن من قادة القوات البرية «اليولداش» وأمراء البحر بالإضافة إلى كبار موظَّفي الدولة ومفتي الجزائر.
وكان هذا النظام يهدف لإيجاد صيغة لتقاسم السلطة بين هذه العناصر العسكرية وإيقاف الاقتتال بينهم؛ على أن يعيَّن اليولداش الآغا الحاكم لمدّة سنتين، وبالتالي يكون لجيش البر اليد العليا في السلطة على البلاد.
ويصف المؤرّخون عهد الأغوات بوصفه الفترة التي نالت الجزائر استقلاليَّة كبيرة عن الباب العالي؛ إذ أصبح الحاكم يُعيَّن من داخل الجزائر وليس من إسطنبول كما كان قبلها، كما أن علاقة الآغوات توتَّرت مع السلطان العثماني، وحدثت قطيعة تامة بينهم، ولم يدم عصر الآغوات سوى حوالي 22 سنة، شهد فيه مقتل أغلب الأغوات الذين وصلوا إلى هرم السلطة على يد رفاق الأمس من «اليولداش».
مراحل العصر العثماني فتتمثَّل في مرحلة الدايات (1671-1830) والتي شهدت تطوُّرًا نسبيًّا في التنظيم السياسي للدولة، كما نالت الجزائر استقلاليتها الفعلية عن الدولة العثمانية، إذ أضحى الحاكم يُنتخب من طرف الديوان العالي ويتولَّى السلطان العثماني تنصيبه بصورة رمزية بفرمان من إسطنبول بوصفها مُباركة أو إقرارًا لشرعية الحاكم الجديد.
للسلطان العثماني بالتدخُّل في تنصيب داي جديد في 1711 فقام علي شاوش بطرد مبعوث السلطان وعيَّن نفسه دايًا للجزائر؛ تدليلًا على استقلالية البلاد عن الباب العالي العثماني.
وبالتالي يمكن النظر إلى ديناميكية السلطة خلال العهد العثماني بوصفها صراعًا مستمرًا على النفوذ بين أمراء الحرب، الأثرياء وذوي الحظوة والنفوذ بحكم غزواتهم البحرية، التي استطاعوا من خلالها إحكام قبضتهم على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع العشر وإجبار القوى الأوروبية على دفع ضرائب لضمان عدم التعرُّض لهم، وبين «اليولداش» أو الإنكشارية المتمركزين في العاصمة الجزائر المسيطرين على السلطة المركزيّة؛ وهو ما أدَّى بهم إلى التغوُّل والاستبداد والتحرُّش بالسكان وارتكاب ممارسات شنيعة ضدهم.
ووسط هذا الصراع السلطوي داخل النظام العثماني العسكري المُغلق، غاب العنصر المحلي الجزائري تمامًا عن السلطة، وانحصر دوره في مجرَّد الطاعة المتمثِّلة في دفع الضرائب دون أيِّ تمثيل أو مشاركة في السلطة.
ولم تكتف القيادة العثمانية بإقصاء الجزائريين وحدهم من المشاركة في سياسة البلاد، بل وجد العثمانيون المولودون من أم جزائرية، أو الكراغلة، أنفسهم خارج لعبة السلطة لمجرَّد أن أصولهم الجزائرية، وهو ما أدَّى إلى اندلاع ثورات من طرف الكراغلة احتجاجًا على هذا الإقصاء والظلم مثل ثورة سنة 1630.
«المجنون» علي خوجة.. آخر محاولة لـ«جزأرة» السلطة العثمانية
لم يخلُ التاريخ العثماني من محاولات سياسية لتحجيم سلطة الإنكشارية أو جيش البر «اليولداش» والانفكاك من سيطرتهم على السلطة المركزية في العاصمة الجزائر، وكانت أهم هذه المحاولات تلك التي قادها الداي علي خوجة أو «علي لوكو» (المجنون)، والتي كانت أهم محاولة للاستقواء بالعنصر المحلِّي من الجزائريين في وجه تسلُّط اليولداش وطغيانهم.
Embed from Getty Images
قصبة الجزائر
مذكراته عن وصول علي خوجة باشا للسلطة، في شهر شوال 1232 (1818م) بأنّ العسكر اليولداش قد انقلبوا على سلفه عمر باشا وقرَّروا عزله، وعندما استشار وزراءه ليشيروا عليه بقتال العسكر من عدمه، طأطؤا رؤوسهم وسكتوا فقال لهم «افعلوا ماشئتم» وذهب لموضع يقال له الجنينة واستقبل القبلة وأمرهم بأن يخنقوه، فجاء الحرس وخنقوه؛ ثم أخذوا خنجره وبعثوا به إلى الداي الجديد علي خوجة في إشارة رمزية إلى استلام السلطة.
ويضيف الزهَّار: «ثم وصل العسكر إلى دار الإمارة وأجلسوا علي خوجة على سرير الملك وقدم الديوان والفقهاء وأعيان البلد وألبسوه الخلعة وضربوا المدافع والنوبة ونادى المنادي في الأسواق بنصره، وبايعه الفقهاء وكافة الوزراء وأهل الديوان».
كانت أولى خطوات الداي الجديد الانعتاق من سيطرة جيش اليولداش، ولم يكن يتمُّ له ذلك إلا من خلال نقل قصر الداي من «الجنينة» إلى حي القصبة الشعبي، لكن اليولداش ماكانوا ليسمحوا بذلك أمام أعينهم، خصوصًا أن ذلك سيعني نهاية نفوذهم وسيطرتهم على البلاط، لذلك قام علي خوجة بتهيئة الظروف لهذا الانتقال من خلال عقد تحالف مع قبائل سكَّان جرجرة الذين أمدُّوه بألفي عنصر لحراسته وحراسة خزينة الدولة أثناء نقلها إلى القصبة، وجرت عملية نقل الكنوز بطريقةٍ سرية يُقال أنّها جرت ليلًا حتى لا يكتشفها اليولداش؛ وتقدَّر بعض المصادر أن حمولة هذه الكنوز قبل بلغت 1600 حمولة بغل، وهي تمثِّل كل خزينة الدولة ومداخيلها من الضرائب وغنائم الغزوات البحرية.
Embed from Getty Images
القصبة بالجزائر العاصمة
الجزائر في مرآة التاريخ» بأن عملية نقل قصر الداي من الجنينة إلى منطقة القصبة الشعبية ليست مجرَّد تغيير مكاني، فنقل مركز الحكم له رمزيَّة سياسية مهمَّة بوصفها تحرُّرًا من سيطرة جنود الانكشارية الذين سيطروا على الجنينة لقرون، والاستعانة بالسكان الجزائريين الأصليين والاحتماء بهم بوصفهم غطاءً شعبيًّا في منطقة القصبة السفلى.
كما يعنى هذا الانتقال اندماجًا بين الداي العثماني والسكان المحليين الجزائريين بعد عقود من انعزال السلطة العثمانية داخل نظام شبه عسكري مُغلق، يكاد يكون احتكاكه مع السكَّان الجزائريين والأرض محصورًا في الجباية الضريبية فحسب.
تاريخ الجزائر السياسي» ديناميكية الصراع بين اليولداش وريَّاس البحر أو «البايلار بايات» بالقول: «سيطرت فرقة اليولداش المتكونة من الجيش البري على الجزائر مدة طويلة، وينحدر معظم هؤلاء من أصل تركي، ومنهم تتشكل فرقة الإنكشارية، أي الجنود المتطوُّعون الذين ينخرطون في الجيش العثماني منذ نعومة أظافرهم، ويقودهم في العادة ضابط برتبة مقدِّم، وهم أعضاء في الديوان العالي الذي كان يحكم في الجزائر بجانب الداي».
سياسة
منذ 4 سنوات محمد باشا الصقللي.. قصة «اللحية» العثمانية التي تزيدها حلاقة الأعداء كثافة!وأضاف يوخوش: «وعليه فإن اليولداش لا ينتمون إلى الجزائر، والشيء المهم بالنسبة إليهم هو السيطرة على البلاد وقتل كل من يعترض طريقهم، والحقائق التاريخية تؤكد أنهم كانوا يخلعون الحاكم الذي لا يرضيهم ويضعون بدله الشخص الذي يروق لهم. ولم ينته نفوذهم إلا في سنة 1817 عندما قام الداي علي خوجة بحملة ضدهم وطهر الجزائر من الأعمال القذرة التي كانت تقوم بها هذه الفئة المتلهفة على الثروة والنفوذ».
لا شكَّ أن هذا «الانقلاب» الذي أحدثه علي خوجة داخل النظام السياسي الراسخ منذ ثلاثة قرون لم يرُق للجنود الأتراك الذي فوجئوا بهذه الحركة السياسية، فحاول بعضهم التمرّد وإسقاط الداي كما فعلوا مع من سبقوه، وهنا استعان الداي بحرَّاسه المتكونين من العنصر الجزائري، وطلب الداي المعونة من بلاد القبائل من أجل سد الطريق على الجنود المتمرِّدين حتى لا يستطيعوا دخول مدينة الجزائر العاصمة، غير أنَّ الجند المتمرَّدين استطاعوا دخول المدينة وطالبوا بإسقاط الداي علي خوجة.
ورغم محاولاتٍ للتفاوض بين الجنود المتمرِّدين والداي علي خوجة المدعوم من السكان الجزائريين والكراغلة، إلا أن الداي قرَّر حسم هذا التمرُّد بالدم والنار، فنشبت معركة دموية انتصر فيها معسكر الداي وقُتل فيها حوالي 1200 من الجنود اليولداش، ومن هنا جاءت تسمية الداي علي خوجة بـ«المجنون» بسبب إثخانه في دماء المتمرِّدين.
وبعد كسر شوكتهم طالب عدد كبير منهم مغادرة الجزائر إلى إزمير والقسطنطينية، فرخَّص لهم الداي، وبعد انتصار علي خوجة في معركته مع جنود اليولداش المتمرِّدين، أقام حفلة دامت ثلاثة أيَّام دعي إليها القناصلة والسفراء وعلية القوم، وكان هذا الاحتفال بمثابة إعلان عن قيام نظام سياسيٍ جديدٍ قائم على التحالف بين الداي والعنصر الجزائري بعد إبعاد الجنود اليولداش من المشهد؛ إلا أنَّ هذه المحاولة لم تنجح بسبب وفاة الداي علي خوجة بعدها، في أوائل مارس (شباط) 1818، إذ لم تتجاوز مدَّة حكمه ستِّة شهور، ليخلفه بعدها الداي حسين، آخر دايات الجزائر العثمانيين الذي شهد عهده دخل الاحتلال الفرنسي البلاد في سنة 1830.
مشاهدة علي خوجة laquo المجنون raquo الذي حاول إشراك السكان في سلطة الجزائر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ علي خوجة المجنون الذي حاول إشراك السكان في سلطة الجزائر العثمانية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ساسة بوست ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، علي خوجة.. «المجنون» الذي حاول إشراك السكان في سلطة الجزائر العثمانية.
في الموقع ايضا :
- عدن.. تدشين مشروع "تمرة إفطار" برعاية الفريق أول ركن طارق صالح
- وكيل زراعة الشيوخ: التغيرات المناخية معركة وجود تتطلب الاستعداد للسيناريوهات الأخطر
- سيميوني يتربع على عرش المدربين الأعلى أجرا في العالم للعام الثامن تواليا
