البحر الأحمر.. موجات توتر تبحث عن سلام ...الإمارات

صحيفة الاتحاد - اخبار عربية
البحر الأحمر.. موجات توتر تبحث عن سلام

طه حسيب (أبوظبي)

اضطراب الملاحة في البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 خطر تتجاوز تداعياته منطقة الشرق الأوسط ليطال العالم كله، لكنه يظل أزمة صغرى داخل أخرى كبرى هي الصراعات المزمنة داخل الإقليم والتي بلغ عمر أحدها 76 عاماً، وهي القضية الفلسطينية، فيما بلغت أزمة أخرى 33 عاماً هي الأزمة الصومالية، وصولاً إلى الأزمة اليمنية الراهنة التي ناهز عمرها الآن 10 سنوات، أي منذ الانقلاب «الحوثي» في 21 سبتمبر 2014، إضافة إلى الاضطراب السياسي في لبنان منذ اغتيال رفيق الحريري في عام 2005، وما استجد من اضطراب في السودان، وحرب في غزة. وليست الصراعات وحدها، بل التدخلات الإقليمية والدولية، وما ترتب عليها من حروب بالوكالة وحروب الظل بين هذا الطرف أو ذاك على مسرح عمليات يمتد داخل دول المنطقة العربية، وغالباً ما تكون الميليشيات المسلحة بيادق على رقعة شطرنج تحركها قوى كبرى وأخرى إقليمية لتصفية حساباتها على حساب استقرار المنطقة وتنمية شعوبها. لطالما كانت الممرات المائية نافذة للتواصل البشري والتبادل التجاري ومحركاً للنمو والازدهار، لكن يبدو أن هذه القناعة لا تصمد طويلاً في الشرق الأوسط. فبعد «القناة الإنجليزية» ومضيق ملقا، يأتي مضيق هرمز، كثالث أكبر ممرات الشحن ازدحاماً في العالم حيث يمر منه سنوياً ما يزيد على 21 مليون برميل نفط سنوياً، وبين مضيق هرمز وقناة السويس، رابع أكبر ممرات الشحن العالمية ازدحاماً، بمعدل عبور يبلغ 14000 سفينة سنوياً، تموج الجغرافيا السياسية على طول الممر الملاحي بين المضيق والقناة، وصولاً للبحر الأبيض المتوسط، بمشكلات مزمنة ظهرت تداعياتها بالبحر الأحمر.  

    تهديد حركة البيانات الدوليةتصعيد جديد أضافه «الحوثيون»  الثلاثاء 27 فبراير2024 بقطع خط ألياف ضوئية واحد على الأقل في موقع قبالة ساحل اليمن،  وتم الإبلاغ عن أضرار في ثلاثة خطوط أخرى، وكأن «الحوثيين» يريدون قطع طريق البيانات بعد محاولاتهم المستمرة لقطع طريق الشحن البحري عبر مضيق باب المندب، وكأنهم يريدون منع التواصل الشبكي بين دول الخليج العربية وبلدان شرق أفريقيا. هذه الخطوة التصعيدية الجديدة نبهت العالم بأن هناك  16 خطاً صغيراً من الألياف الضوئية تحت مياه  البحر الأحمر على أعماق تبلغ  300 قدم، حيث يمكن للغواصين الوصول إليها، هذه الخطوط مسؤولة عن  17 بالمائة من إجمالي حركة البيانات الدولية، بما في ذلك الخطوط الرئيسة التي تربط أوروبا بالهند وشرق آسيا. وعند هذه المرحلة من التصعيد ينبغي تذكير العالم بأن خطر الميليشيات والدول الفاشلة والحلول المؤجلة للمشكلات المستعصية والمنسية، بدأ ينذر بعواقب تضر العالم كله وليس  دول الشرق الأوسط فقط، ما يدعو لمقاربة شاملة لنزع فتيل التوتر الذي يثيره «الحوثيون» ضمن حروب بالوكالة في المنطقة. 

    الميليشيات «بيادق» حروب بالوكالة من رحم قضايا تأجلت حلولها أو نُسيت «دولياً»، تأتى ميليشيات منفلتة تعمل ضد مفهوم «الدولة الوطنية» المسؤولة أمام محيطها الإقليمي وأمام المجتمع الدولي، وهي ميليشيات ظهرت نتيجة لقضايا دأب المجتمع الدولي على إدارتها، بل وإطالة عمرها دون حلها، فوجدت هذه الميليشيات في الصراعات المفتوحة و«الدول الفاشلة» بيئة خصبة للنمو وركوب شغف بعض القوى الإقليمية للعب دور بالوكالة خدمة لمصالحها وليس مصلحة شعوب المنطقة العربية، وفق هذا السياق، ظهر «حزب الله»، و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«داعش» و«الحشد الشعبي» و«عصائب أهل الحق» و«الحوثيون» وقراصنة الصومال وتنظيم «الشباب» ومن قبله تنظيم «القاعدة»، ضمن مقاربة يجسدها الآن «الحوثيون» عندما يستهدفون الملاحة في البحر الأحمر، ويستثمرون «مواجهة غير متكافئة» ضد الولايات المتحدة وبريطانيا، أملاً في شعبية داخلية، وتعزيز دورهم في حروب بالوكالة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها خاصة إسرائيل. «الحوثيون» الذين يصعّدون التوتر في البحر الأحمر، كي يقدموا أنفسهم مدافعين عن الحقوق الفلسطينية، يتجاهلون حال اليمن الذي يحذر البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة من وقوع 71 % أبنائه تحت وطأة الفقر المدقع، إذا استمر الصراع الداخلي، وسيعاني 84% من اليمنيين سوء التغدية، وتتصاعد الخسائر الاقتصادية لتبلغ 657 مليون دولار، وفي غضون ذلك تتداعى أركان الدولة الوطنية لصالح أجندة خارجية بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب اليميي.

    رؤية الإماراتأعربت الإمارات عن قلقها البالغ من تداعيات الاعتداءات على الملاحة البحرية في منطقة باب المندب والبحر الأحمر والتي تمثل تهديداً غير مقبول للتجارة العالمية ولأمن المنطقة والمصالح الدولية، وأكدت أهمية الحفاظ على أمن المنطقة ومصالح دولها وشعوبها ضمن أطر القوانين والأعراف الدولية. وحده «تصفير مشكلات الإقليم» يضمن تغليب الأفق التنموي على مسارات الصراع التي تعود جذورها لعقود، وهي مسارات تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع استراتيجيات القوى الإقليمية، وتصبح فيها دول المنطقة ساحة لمعارك الآخرين. وأقتبس مقولة معالي ريم الهاشمي، وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي خلال الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2023، والتي تلخص فيها رؤية الإمارات للتحديات الراهنة: «هدف الإمارات الأسمى هو تفعيل مبدأ تصفير المشاكل للمضي قدماً نحو السلام الشامل والأمن والاستقرار»، وأكدت أن الإمارات «تؤمن بأن الدولة الفلسطينية المستقلة يجب أن تقام على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية». وبدا واضحاً أن «تصفير مشكلات الإقليم» يستوجب الدفع في اتجاه تدشين الدولة الفلسطينية المسؤولة أمام المجتمع الدولي، لقطع الطريق على المتاجرة بالقضية الفلسطينية، وكبح التطرف، والانتقال إلى سلام يضمن تفعيل مسارات تنموية تضع حلولاً للتحديات المشتركة في النقل البحري والطاقة والمناخ والأمن الغذائي. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي بدأ يتخذ خطوات عملية بشأن «مؤتمر تحضيري للسلام»، تسهم في فعالياته أوروبا الموحدة مع الولايات المتحدة ومصر والأردن والسعودية وجامعة الدول العربية والأمم المتحدة.

    رؤية عربية مبكرةرغم ما يشهده البحر الأحمر من توترات تربك الملاحة في مياهه، إلا أن هناك قناعة عربية راسخة بجعله منطقة سلام بعيدة عن الصراعات والتدخلات الخارجية. قناعة ظهرت بوضوح في 30 أغسطس 1977 نقرأها من تصريح الأمير سعود الفيصل، عندما كان وزيراً لخارجية المملكة العربية السعودية ليحدد مطلبين محوريين أولهما: جعل البحر الأحمر خارج أي صراعات ومطامح دولية وتهيئة أجواء الأمن والاستقرار على سواحله، وثانيهما: ضمان حقوق الدولة المطلة عليه في تنمية موارده الطبيعية والاستفادة منها لمصلحة شعوبها، مع الحفاظ على البحر الأحمر ممراً مائياً دولياً لجميع الدول وفق مبادئ القانون الدولي

    محور عالمي للتجارة البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي يربط قارتي آسيا وأفريقيا، بل محور عالمي للتجارة الدولية، تنتقل عبره 30% من حركة الحاويات العالمية، و12% التجارة العالمية، ويشهد مرور ما قيمته أكثر من تريليون دولار من البضائع كل عام. وتمتد على شواطئه موانئ كبرى، مثل ميناء السويس في مصر وجدة في السعودية وبورتسودان في السودان وميناء جيبوتي وميناء مصوع في إريتريا ومينائي المخا والحُديدة في اليمن وميناء العقبة الأردني وميناء إيلات الإسرائيلي؛ ولذلك يصبح استقرار وسلامة الملاحة في البحر الأحمر مصلحة مشتركة لجميع الدول المطلة عليه، لكن يبدو أن الواقع الجيوسياسي لا يضمن تحقيق ذلك. المشهد المرتبك في البحر الأحمر تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط لتطال العالم كله، فالهجمات التي طال حركة السفن في البحر الأحمر أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بأكثر من 8% هذا العام، واقتربت أسعار خام برنت من 85 دولاراً للبرميل، وقلب التجارة عبر جنوب البحر الأحمر رأساً على عقب.  ليس من المبالغة القول إن «التوتر الراهن في الملاحة بالبحر الأحمر يشابه أزمة السويس عام 1956، عندما تعطلت الملاحة في قناة السويس لمده 5 أشهر»، استنتاج توصل إليه «نيلز راسموسين»، المحلل الاقتصادي في Bimco، (أكبر اتحادات الشحن في العالم وينضوي فيه أعضاء من 120 دولة)، مؤكداً أن توترات الملاحة الراهنة في البحر الأحمر أكثر تعقيداً من أزمة العبارة Ever Given التي عطلت الملاحة في قناة السويس لمدة أسبوع في مارس 2021. البحث عن مسارات ملاحية بديلة عن المرور في البحر الأحمر يعني المزيد من الوقت والتكلفة جراء استهلاك المزيد من الوقود، وبالتالي أعباء تضخمية أكبر على الدول المستوردة، وضرائب أكبر على الانبعاثات (التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي). أوروبا تستورد سنوياً بضائع بقيمة 700 مليار دولار تمر جميعها عبر البحر الأحمر، ولدى دول الخليج وتركيا استثمارات في موانئ البحر الأحمر الواقعة على السواحل الأفريقية، وتزداد أهمية البحر الأحمر في مبادرة «طريق الحرير» الصينية. 

    عبء المسارات البديلة على سبيل المثال، الرحلة من تايلاند «جنوب شرق آسيا» إلى إسبانيا «جنوب غرب أوروبا» تستغرق 19 يوماً فقط في حال مرت من البحر الأحمر، بينما تزداد الفترة لتصل إلى 31 يوماً عندما يتم استخدام طريق رأس الرجاء الصالح. إضراب النقل البحري يدفع نحو تكثيف الاعتماد على النقل الجوي، فخلال الأسبوع الثاني من شهر يناير الماضي شهدت وتيرة النقل الجوي من فيتنام إلى أوروبا زيادة بلغت 60%، لكن تكلفة النقل الجوي تعادل 15 ضعف تكلفة النقل البحري، ولا يزال الأخير أقل تكلفة من النقل البري بالقطارات أو الشاحنات الذي يحتاج إلى مساحات كبيرة. خطر القرصنة يتفاقم على الصعيد العالمي، لكنه في منطقة الشرق الأوسط يتجاوز مجرد القرصنة ليصبح أداة في حروب بالوكالة من جهة ومسار في مواجهات لا معيارية «غير متكافئة» بين ميليشيات مارقة وقوى عظمى لديها مصالحها واصطفافاتها السياسية المستقرة منذ عقود. وفق هذا التحليل نقرأ التصعيد «الحوثي» في مياه البحر الأحمر، من خلال حروب الظل الإيرانية- الإسرائيلية، ضمن «معارك سرية» لاستهداف البرنامج النووي الإيراني ومحاولة كبح الميليشيات المدعومة من طهران في العراق وسوريا ولبنان، وعمليات التصعيد المتأرجحة بين واشنطن وطهران منذ 1979 إلى الآن، والتي ترتفع وتنخفض حسب تيرمومتر المشهد السياسي في البيت الأبيض والكونجرس الأميركي.

    أخبار ذات صلة

    «منطقة عالية الخطورة»لوري آن لاروكو لفتت الانتباه في CNBC إلى التكلفة العالمية السنوية للقرصنة البحرية والتي تبلغ حسب تقديرات البنك الدولي 18 مليار دولار. ووفقا للمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، ومقره لندن، شهدت الأشهر الثلاثة الماضية ارتفاعاً في حوادث القرصنة بمنطقة القرن الأفريقي مقارنة بالسنوات الست الماضية، وتعتبر منطقة الشحن من ساحل القرن الأفريقي إلى ساحل الهند «منطقة عالية الخطورة»، وهذا ما دفع الهند إلى شراء طائرات من دون طيار ومعدات عسكرية من الولايات المتحدة، التي استجابت في الأول من فبراير 2024، وأبرمت صفقة مع الهند بقيمة 3.99 مليار دولار لأغراض السلامة البحرية والمراقبة.وفقاً لتقرير القرصنة والسطو المسلح السنوي الصادر عن المكتب البحري الدولي التابع لغرفة التجارة الدولية (IMB)، فإن القرصنة آخذة في الارتفاع في ممرات الشحن العالمية الرئيسة، حيث وقعت 120 حادثة قرصنة بحرية في 2023 مقارنة بـ115 حادثة في عام 2022. خطر القرصنة يتفاقم على الصعيد العالمي، لكنه في منطقة الشرق الأوسط يتجاوز مجرد القرصنة، ليصبح أداة في حروب بالوكالة من جهة ومساراً في مواجهات لا معيارية «غير متكافئة» بين ميليشيات مارقة وقوى عظمى لديها مصالحها واصطفافاتها السياسية المستقرة منذ عقود. وفق هذا التحليل نقرأ التصعيد «الحوثي» في مياه البحر الأحمر، من خلال حروب الظل الإيرانية- الإسرائيلية، والسبب هذه المرة حرب غزة. 

    ميثاق جدة وعروبة البحر الأحمرمنذ بداية خمسينيات القرن الماضي، برزت أهمية البحر الأحمر في الأمن القومي العربي، وكان ميثاق جدة يوم 21 أبريل 1956 بين المملكة العربية السعودية ومصر والمملكة اليمنية المتوكلية آنذاك أول دعوة لتدشين «نظام أمن مشترك» في البحر الأحمر، يضمن التحكم في الملاحة بحيث لا تهدد مصالح الدول العربية، وبدأت الجامعة العربية منذ عام 1970 في تشكيل لجنة لتقصى الحقائق لرصد ما اعتبر وقتها تهديدات جراء وجود قوى غير عربية في بعض جزر البحر الأحمر، خاصة بمنطقة القرن الأفريقي، وفي يناير 1976 توجه خبراء ...

    مشاهدة البحر الأحمر موجات توتر تبحث عن سلام

    يذكر بـأن الموضوع التابع لـ البحر الأحمر موجات توتر تبحث عن سلام قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة الاتحاد ( الإمارات ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

    التفاصيل من المصدر - اضغط هنا

    وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، البحر الأحمر.. موجات توتر تبحث عن سلام.

    Apple Storegoogle play

    آخر تحديث :

    في الموقع ايضا :

    الاكثر مشاهدة في اخبار عربية


    اخر الاخبار