فما قولك بسيرةٍ واحدة، لرجلٍ تعرِف به مكة وتاريخها، وإعلاميّ يدلّك على سحر إعلام السعودية وريادته، وتاجِر استثنائي به تفهم سِّر تفوّق القطاع الخاص السعودي ورجاله.
إننا أمام رجل اجتمعت في عقله خيوط الفِكَر، وانطلقت من قلبه المبادرات فخلّده الاقتصاد الإنساني بالبركة، ويتذكره الإعلام بقنوات ART واقرأ، ويستحضره المفكرون عبر مبادئ إعمار الأرض وتشغيل الناس، وتحتفظ له شركاته، وعلى رأسها (دله) وبنوك البركة؛ بالاسم الذي لا يزول عن دنيا المال والأعمال، الشيخ صالح عبدالله كامل، رحمه الله.
الأسرة والبدايات: جذور وأوتاد وشجرة ظليلة وحنين لا يبيد
وَرِث صالح كامل، حزمةً من الطبقات والسِّمات والعناصر الاجتماعية المتداخلة؛ المال جزؤها الأضعف، ويعلوها العلم الذي يمثّله جدّه لأبيه الشيخ محمد إبراهيم كامل، نقيب علماء الحرم المكي. أما طبقة الجِد والصّرامة والتّفاني فيمثلها والده صفيّ الملك فيصل، ومساعده المأمون الشيخ عبدالله كامل.
انصقلت عصامية عبدالله والد صالح، حين اضطرته ظروف والده الصحية، إلى أن ينقطع عن زملائه في المدرسة؛ ليبدأ حياته مساعدًا لمطوّف، ثم بائعًا في دكانة للأقمشة، في أوقات الصباح، وفي المساء يجتمع إلى رفاقه، ليتعلّم ما فاته من الدروس، واستمر في ذلك إلى أن قرأ إعلانًا لوظيفةٍ حكومية، تأهّل لها، وترقّى فيها بفضل دِقّته وحرصه، حتى أصبح مرافقًا للأمير فيصل بن عبدالعزيز، يتنقّل معه من مقر النيابة العامة إلى الطائف صيفًا، ويعود معه في الشتاء، قبل أن يستقر إلى جانبه بالرياض عام 1954؛ متنعِّمًا بالثقة والحظوة، وباذلًا مهجة روحه لأجل الوطن.
في هزيع ليلة النصف من رجب عام 1360 (7 أغسطس /آب 1941)، أقبل صالح كامل، في بيتٍ بالطائف؛ بالقرب من قصر النيابة العامة، حيث كان يعمل والده، مع الأمير فيصل. كان صالح هو الطفل الثاني لوالده عبدالله، بعد ابنه حسن؛ وكلاهما تحمّل المسؤولية يافعًا، كشأن أسلافهما. ولكنّ صالحًا قال:
وإن جادَ قبلك قومٌ مضوا فإنّك في الكرم الأوّل
يُحِب صالح كامل أن يقصّ بداياته التجارية، من الطفولة برفقة أمه، ولعل بيعه -للبليلة- على رفاقه في الحارة، هي القصة الأثيرة، ولا يُدانيها لديه، سوى حكاية «بيع الكبوش»، والكبوش هي عظام تُؤخَذ من أقدام الخراف وتنظَّف، يُلعَب بها داخل دائرة تَرسُمها العظام، وتُضرَب من خارج الدائرة بحجرٍ مخصوص، والفائز هو من يُخرِج كبوش غيره، فالكبوش المُرَصّصَة لا تَخرج، وغير المرصّصَة تَخرج سريعًا. فكان صالح، وهو دون الثامنة من العمر؛ يصنع الكبوش المؤهلة للفوز، فينظِّفها ويرصِّصها ويبيعها. وكان ذلك أوّل رأسمال نقدي له، وأنفع رأسمال قيمي أنّه أصبح يهوى العمل، ولا يعرف أنّه عمل.
أضِف إلى المسؤوليات التي تعلّق بها صالح قبل أن تتعلّق به، أنّ والده عبدالله، لم يترك الطّوافة (خدمة الحجيج) مُذ بدأها، فبالإضافة إلى عمله في ديوان مجلس الوزراء، كان يفرّغ نفسه وأولاده في موسم الحج، ولا يصبح لهم عمل سوى خدمة الحجاج، فتشرّبت هذه المهنة مهجة صالح كامل وتشرّبها، فأنهى حياته وهو يحلم بأن يرى معهدًا للمطوّفين، فالطوافة عنده جامعةٌ لكل ضروب التجارة، وكان يشعر أنّ توفيقه في تجارته؛ يعود إلى مهاراتٍ اكتسبها من تلك المهنة.
المستمع المستمتع.. قنّاص الفرص
تعلّم كامل، بالمدرسة الفيصلية، اللغة العربية، والقرآن والتجويد والخطابة، فكان وهو في السنة الخامسة، يقرأ كتب المنفلوطي، ومجلاّت القاهرة المستوردة؛ بفضل عمّه عبدالسلام وجدته.
ولمّا درس المرحلة الإعدادية في مدرسة «تحضير البعثات» بمكة، بدأ نشاطه التجاري البدائي في الإعلام، بإصدار مجلة «مرآة تحضير البعثات»؛ وهي مجلة إذا عثرت على نسختها تفاجأت من مستوى بلاغتها، ورفعة حصرها للأحداث والنشاط الثقافي، كما أصدر مجلةً أخرى اسمها «ألوان».
وفي المدرسة النموذجية بجدة، ترَأس جمعية الكشافة؛ التي منحت شخصيته قُوّة، على قوّتها، وعزّزت فيه المهارات القيادية، فانفتح على المجتمع؛ لا بوصفه عضوًا نشطًا فحسب، وإنما بشخصيته المبادرة، وفي عمق المبادرة يأتي الاستثمار.
والاستثمار يكون فيما يحبه صالح، وليس لمجرد الربح، لقد كان استثماره في الشيء نابعًا من رغبةٍ في استدامته وتحويله إلى نهرٍ جارٍ!
وكان الرجل على قلقٍ كأنّ الريح تحته، ولكنه هو من يوجهها يمينًا أو شمالًا!
الجامعة من القاهرة إلى الرياض
سافر صالح كامل، في حدود عام 1959، إلى مصر لإكمال دراسة الجامعة؛ في كلية التجارة بجامعة القاهرة. وقضى فيها السنة الأولى؛ تعرّف خلالها على أسس الاقتصاد والمحاسبة، دارسًا على يدي أمهر الأساتذة؛ الذين سيبقى على اتصال بهم طوال عمره.
لم تنسلخ السنة الأولى إلا وقد تضافرت عوامل أعادته إلى السعودية، أوّل العوامل هو أنّ موسم الحج كان على الأبواب، وكما مرّ فإنّ الطوافة تقتضي وجوده بمكّة متفرغًا لخدمة الحجاج؛ إلى جانب والده وأشقائه، أمّا العامل الثاني، فهو توسُّع كليات جامعة الملك سعود، التي يديرها بالنيابة الشيخ ناصر المنقور (1930-2007)، الذي شجّعه على العودة إلى الرياض.
كثيرًا ما نقول إن الدفعات الأولى بجامعة الملك سعود، التي افتتحت في عام 1957، هي النواة الأولى للتكنوقراط المحترفين الذين سيبقى أثرهم في السعودية لأجيال، لذا فقد كانت محط اهتمام القيادة السياسية والثقافية في البلاد، وكانت هي المسرح الثقافي الحقيقي لكل مجتمع الرياض. وما إن عاد الطالب الثّري؛ صاحب السيارة الفارهة، حتى اختير سكرتيرًا لرابطة الطلاب في كلية التجارة؛ التي يرأسها المنقور مدير الجامعة نفسه. ولهذا سرعان ما توثّقت علاقات صالح بالأساتذة والوزراء الذين كانوا يزورون الجامعة ويشاركون في نشاطها؛ وعلى رأسهم عبدالرحمن أبا الخيل (1926-2021)، أحمد زكي يماني (1930-2021)، حسن مشاري (1930-2016)، وهشام ناظر (1932-2015).
في الجامعة، اتسعت دائرة معارف صالح كامل، وعلومه، فهو لا يكاد يتوقف عن النَّهل من كتب الثقافة العامة؛ وتَعَلُّمِ الفنون، حتى إنّه ليفوّت المحاضرات الرئيسيّة بسبب انشغاله بهواياته النافعة ونشاطاته الكشفية، أو بالمسرح الذي يدرّبهم عليه الوزير (لاحقًا) علي الشاعر، ويعلمهم فيه إخراج المسرحيات.
وكم ألقى صالح كامل كلمات الشكر نيابةً عن زملائه؛ على مسامع الضيوف، الذين كان يتقدمهم الأمير فهد بن عبدالعزيز (وزير المعارف آنذاك).
ولا يقل هذا التوسّع المعرفي، عن الاتساع في مجالات استثمارات صالح، فبالإضافة إلى مستلزمات الكشافة، نَبَهه احتياجه إلى مذكرات زملائه التي تغطي المحاضرات الفائتة، إلى فكرة التجارة في تصوير المذكرات، فأضحى ينسخها، ويطبعها، واستأجر لذلك عمّالًا وزملاءً.
كادت المذكرات أن تدخل صالحًا السجن، لأن نشاط المطبوعات مشبوه في ذلك الزمان المليء بالتّيارات؛ التي تستغل المطابع في توزيع منشوراتها، ولكنّ صالح كامل، حسم المخاوف يوم اقتحم مقرّ «عمر شمس»، مدير جهاز الاستخبارات بلطفه، وطلب منه أن يُعيّن لديه اثنان من الطبّاعين؛ ليوفّر له جودةً أعلى، من جهة، ويضمن السلامة لنفسه!
تخرّج صالح كامل في عام 1963، واتجه إلى العمل، فاستمع لنصيحة الوزير حسن المشاري، وكيل وزارة المالية والاقتصاد الوطني (حينها)، وانتقل إلى وزارة المالية، التي كانت تقود عمليّة تنموية واسعة، ليعمل ممثلًا ماليًا، وهي وظيفة تجعل منه ممثلًا ماليًا للوزارة في كل وزارة أو إدارة، فيُشرف على عمليات الإيراد والصرف؛ ويتثبت من أنها تسير طبقًا للنظم المقررة.
تبدو هذه الوظيفة وكأنّها صُمِّمَت لإثراء (معرفة) رجل الأعمال الصغير بالتفاصيل التي لا يمكن (معرفتها) إلا بالتّجربة، والممارسة، ليكبر ويستوعب كيف تُصْنع الأشياء. فقضى فيها عشر سنوات من عمره، زادت من معرفته بأمور الحياة، ومن رصيده في العلاقات والصداقات، إلى أن استقال ليتفرّغ لوليدته المدللة؛ «دله».
خلال هذه السنوات، لم يتوقف عقل التاجر عن البحث عن مشاريع مبتكرة، فكانَ أن لاحظ أنّ المطابخ في الرياض، لا تقدم ما كان يراه في جدّة، خصوصًا تلك التي تُعين على إقامة الولائم الفاخرة، فأنشأ مطبخه في الملز، ونَقَل الفكرة من جدة إلى الرياض.
مناقصة البريد الطوّاف وبداية «دله»
لم يكن صالح كامل قارئًا للأرقام والوثائق فحسب، بل كان يلاحظ حركة المجتمع وأفق الفرص المتاحة، فما دام يأنس في نفسه الكفاءة، فلماذا لا يتحرك باتجاه المستقبل وخدمة البلاد والعباد؟ وما دام قادرًا على ذلك المطلوب بجهده وجِده فلماذا لا يبلغه؟ ومن هنا نبعت فكرة البريد الطوّاف. لاحظ كامل أن القرى محرومة من وصول البريد إليها، ففكر بأن يقوم بتوصيله بخدمة يسميها البريد الطوّاف، فطلب من وزارة المواصلات أن تطرح مناقصة، وكتب لها المواصفات، ففتحوا باب التقديم للمناقصة، فدخل فيها ورَسَت عليه.
ودرس بقلمه ونظارته وجداول الضرب والقسمة، جدوى دله من أَلِفِها إلى يائها، ولإتمامها لم يترك قرية إلا ووصلها بقدميه، يقيس صرف البنزين، وإهلاك السيارات، والمسافات التي يقطعها! ولعله زار كل قرى السعودية لهذا الغرض.
بعدها، توالت المناقصات، وأتاح فوزه بعقد مدرسة الدفاع الجوي، السيولة، ومنح دله الثقة، بوصفها مؤسسة وطنية لديها المقدرة المالية والتقنية على مقارعة الشركات الأجنبية، وبأسعار تقل عن نصف ما كانت تطلبه هذه الشركات، ولما كان العقد الذي تقدمه دله تنافسيًا، فمن الصعب عليها أن تقوم بتعاقدات من الباطن، لذا اكتسبت خبرة شمولية في الأعمال، واكتفاءً ذاتيًا من جميع التخصصات المهنية.
أقام صالح الشراكات العالمية، وطوّر من مؤسساته وامتهن التدريب، وأطلق المشاريع تلو الأخرى، وكان الرجل يقوم على تفاصيل كل مشروعٍ تُنجزه شركته، حتى حاز شغفه بالعمل إعجاب المسؤولين والناس.
دخلت دلته لاحقًا في التحديات العمرانية ونجحت، فأنجزت مشروع بحيرة تونس المغامر، ومعجزة درة العروس بالرياض، والواجهة السياحية المميزة بجدة، وهي مشاريع يدخل الابتكار في تفاصيلها، وتخطيطها، ولصالح بصمته التي يتذكرها المهندسون.
الصيرفة المالية والتأمين.. الاستثمار في البركة
إلى جانب شركة «دله»، وقنوات ART، فإنّ العالم يعرف صالح كامل من بوابة رؤيته الاقتصادية، واهتمامه بمجموعة البنوك والصيرفة الإسلامية، والتأمين الإسلامي. ومنظومة القيم التي تمنع الفرد من أن يبيع ما لا يملك، ولهذا الباب قصة تطول.
فبدفعٍ من والدته والشيخ محمد متولي الشعراوي، بدأ صالح يدرس مبدأ المضاربة، برفقة بهجة خليل، مدير بنك القاهرة. وفي عام 1972 بدأ يُطبّق عقدًا ماليًّا جديدًا، بمعاونة الشعراوي. كانت النتيجة أن قامت مجموعة البركة، منذ عام 1973، بالعمل بطريقة المضاربة. ثم شارك الأمير محمد الفيصل، في إنشاء بنوك فيصل، والشيخ سعيد لوتاه في مشاريعه المشابهة، قبل أن يستقل كامل بإنشاء بنوك البركة القائمة إلى الآن.
لم يترك صالح كامل المشاريع على حالها، وإنما أخذ يطوّر في المسوَّدة الأولية، لنظام شركة التوفيق للصناديق الاستثمارية، والأمين للأوراق المالية، وغيرهما، حتى إنك لا تكاد تجد دولةً تخلو من التأمين الإسلامي وشركاته، بل ومن المتخصصين فيه، وليس التأمين وحده، بل شركات المساهمة والتمويل، وأنواع العقود الشرعية المتقدّمة، والصناديق الاستثمارية. وشكّل صالح شبكةً من الخبراء والباحثين، يجتمعون في ندوة البركة، وفي منتدياته، في تخصص دقيق ونادر!
كان صالح كامل، يبدأ صناعة الأعمال الكبرى، ثم يرسلها ليكملها زملاؤه وتلاميذه، وهكذا ينسج ضفائر وغدائر الجميلة «دله»، التي غدت اليوم تباهي العالم بعمار أبنائها وبناتها!
قطب الرحى في صناعة الإعلام
لم يكن اهتمام صالح كامل بالإعلام جديدًا، فقد استثمر في المجلات طالبًا، وعرف درب المسرح والكشافة، وارتبط بالصحافة بقلمه المرهف، وكتب افتتاحيات باسم رابطة طلاب كلية التجارة بجامعة الملك سعود، وفي زياراته للقاهرة؛ أنشأ شركات الإنتاج الإعلامي، حتى إنه اشترى أرشيفًا ضخمًا من التلفزيون القومي المصري، وأنقذه من التّلف؛ وفي بداية...
مشاهدة صالح كامل حكاية الشغف والرؤية والبركة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ صالح كامل حكاية الشغف والرؤية والبركة قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة عكاظ ( السعودية ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، صالح كامل.. حكاية الشغف والرؤية والبركة.
في الموقع ايضا :
- الخارجية اليمنية تدين بشدة الاعتداءات الحوثية على المدن والأعيان المدنية السعودية ومحاولة استهداف الرياض
- البحرين تُدين بشدة تصاعد الاعتداءات الإرهابية الحوثية على السعودية
- السجن وغرامة 2 مليون عقوبة إجراء عملية زرع أعضاء فى منشآت طبية غير مرخصة
