بدأت مراجعة مدونة الأسرة في شهر شتنبر الماضي وفق مقاربة تشاركية شمولية بأمر من عاهل البلاد لتجاوز كل ما يعتري مدونة الأسرة من ثغرات وصعوبات على مدى 20 عاما من التطبيق العملي وما يفرضه الواقع من مستجدات عبر إعادة النظر في مدونة الأسرة عبر عدد من الهيئات التي شملت المجلس العلمي الأعلى ووزارة العدل والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والنيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة الأسرة والتضامن تحت إشراف رئاسة الحكومة.
وعملت هذه الهيئة على إعداد مقترحات وتعديلات بخصوص المدونة ذاتها بعد مشاورة مع كافة المتدخلين وأخذ وجهات نظر جميع الأطراف، وبعد رفع هذه المقترحات للملك، قرر إصدار توجيهاته للمجلس العلمي الأعلى قصد دراسة المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف ومقاصده السمحة في رفع فتوى بشأنها للنظر السامي لجلالته.
للاقتراب أكثر من الموضوع، نطرح مجموعة من الأسئلة على الدكتورة مونية الطراز، الباحثة في الدراسات القرآنية وقضايا المرأة والأسرة.
في هذا الحوار، مع جريدة هسبريس الإلكترونية، توضح الدكتورة مونية الطراز دلالات إحالة الملك لمدونة الأسرة على المجلس العلمي الأعلى كمؤسسة تعنى بالفتوى، وتبرز ما يفرضه الواقع المعاصر من تحديات على الأسرة الراهنة، وعلى أن مدونة 2004 كانت علامة فارقة في تاريخ التشريع الأسري في العالم الإسلامي برمته، وكيف يمكن أن يقطع المجلس العلمي الأعلى الطريق على الوصوليين والأنانيين في تقديم اجتهاد منفتح مؤسس على مقاصد الشرع، بما يحقق مصلحة البلاد والعباد.
بداية، ما أهمية هذه الخطوة في مسار تطوير مدونة الأسرة؟
هذه الخطوة كانت منتظرة طبعا ومهمة أيضا؛ فخلال العقدين الماضيين من العمل بمدونة الأسرة، التي اعتبرت في وقتها ثورة حقيقة في مجال التشريع الأسري، ظهرت على مستوى التنزيل العديد من العراقيل والإشكالات التي كان لا بد أن تستتبع بمراجعة واسعة وتقويم مدقق لمضامين المدونة. ونحن نعلم أن القوانين مهما بلغت من الحكمة والدقة لا تكتسب أهميتها الحقيقية، ولا يمكن الحكم عليها وعلى كفاءتها في تدبير أحوال الناس، إلا بعد إعمالها في الواقع، وهذا بالضبط ما وقع أثناء العمل بمدونة الأسرة على مدى عقدين من الزمن، منذ سنة 2004، وأقول إن هذه المدونة كانت بحق، وبدون مبالغة، علامة فارقة في تاريخ التشريع الأسري في العالم الإسلامي المعاصر، إذ ألهمت عددا من المبادرات الإصلاحية في بلدان الجوار، وفي عموم العالم الإسلامي، ولم تُصطنع من قِبل هيئة سياسية أو قانونية كما هو حال أغلب المدونات العربية وغير العربية، بل خرجت من رحم المعاناة وتمخضت عن نقاشات حامية دامت أربع سنوات، تشكلت خلالها توافقات عملية بين أطراف النزاع تبلورت من خلالها بنود المدونة.
ويمكن القول إن هذه التعديلات غيرت ملامح التشريع الأسري بالمغرب نحو الأفضل، وأسهمت في حلحلة كثير من الوضعيات الأسرية المأزومة في العالم الإسلامي بما كان لها من تأثير على التشريعات الأسرية المستحدثة بعدها.
ومع ذلك، ومع كل ما حملته مدونة 2004 من إيجابيات، إلا أن بعض الثغرات المتعلقة بالتنزيل والإعمال أساسا، تسببت في إرباك الرؤية الإصلاحية التي قدمتها المدونة، وللتوضيح أقدم هنا مثالا يتعلق بتزويج القاصرات، بحكم أني تابعت هذا الموضوع في أدق تفصيلاته.
مدونة الأسرة لسنة 2004 تضمنت بندا يرفع سن الزواج لكلا الجنسين إلى سن 18 سنة، وتوخت من ذلك مقاصد واضحة، منها تحقيق المساواة بين الجنسين في الفرص، لتتكافأ الأنثى مع أخيها الذكر في حقوق كانت محرومة منها زمنا من قبيل تمكينها من حق التعليم إلى الحد الذي يمكنها من تحصيل الكفايات التعَلُّمية اللازمة، كما يتاح ذلك للذكور، وتوخت المدونة من رفع سن الزواج بالنسبة للفتيات أيضا، أن يكتمل نضجهن ليتأهلن التأهل الكافي لمسؤوليات الزواج، وتوخت مقاصد أخرى غير ذلك؛ وفي المقابل تركت للقضاة فسحة لاتخاذ القرارات المناسبة لتزويج القاصرات في حالة الضرورة، من باب الاستثناء الذي تسمح به القوانين عامة؛ إلا أن هذا الاستثناء تحول في كثير من الأحيان إلى إجراء اعتيادي في العمل القضائي، حتى صار أشبه بالرخصة في يد القاضي تخول له إمضاء عقد الزواج في هذه السن بمجرد التقدير الشخصي.
وحين أقول إن هذه القضية لم تكن تتعلق بالنص القانوني، وإنما بإعماله في الواقع، فإن الإخلال بروح المدونة بسبب هذا الإهمال وسوء الإعمال، لا نَحمِله فقط على التساهل في العمل بالقوانين ولا حتى إهمالها، وإنما نَحْمله أيضا على عدم توفر ظروف إعمال تلك القوانين، ففي حال تزويج القاصرات نجد أن الفتيات غالبا ما يتعرضن لظروف خاصة لا تخفى قساوتها، كعسر التنقل إلى المدارس بسبب بعدها أحيانا، وبسبب انعدام وسائل النقل العمومي، وهذا واقع نعرفه في بعض المحاور القروية بشكل خاص، ونعرف ما تشكو منه تلك المناطق من انعدام الأمن، أو ضعف الإنارة، أو غير ذلك من المشاكل التي تصحبها في الغالب مشكلات اجتماعية أخرى كالهشاشة والفقر والتهميش، ومعيقات أخرى تدفع بعض العائلات إلى تزويج بناتها بمجرد بلوغ سن الاستثناء، ما دام الأفق الدراسي توقف في مرحلة مبكرة.
ومن جهة أخرى تؤكد مدونة الأسرة على أن القاصرات المترشحات للزواج لا بد أن يخضعن لمعاينة ومتابعة المساعدة الاجتماعية حتى يتسنى لها إعداد التقارير بشأنهن، إذ القاضي ملزم أن ينظر في هذه التقارير قبل توقيع الإذن بتزويجهن أو الامتناع عن ذلك. ولكن المشكلة التي تعترض هذا الإجراء، تكمن في غياب المساعدة الاجتماعية في كثير من محاكم المملكة، وحتى حين تتوفر لا تتمكن دائما من تحقيق الاستقصاء المطلوب لصعوبته. وعلى هذا الأساس فإن الحاجة إلى إعادة النظر في هذا الموضوع ضمن مطالب التعديل الجديدة، تنبعث من هذه المعطيات وهي مثبتة في تقارير وزارة العدل وتثبتها الإحصائيات المسجلة بها ما بين سنتي 2004 و2023.
وللإشارة فإن ارتفاع نسبة الطلاق ومشاكل الهدر المدرسي وتضخم عدد من الآفات الاجتماعية في المجتمع المغربي تتدخل فيه إخفاقات المدونة بطريقة أو بأخرى، فالمشكلات الأسرية يؤثر بعضها سلبا في بعض، والضرر المتوقع منها لا يقتصر فقط على الحدود الضيقة للأسر المعنية بها، وإنما يمتد إلى المجتمع بارتباطاته الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والنفسية. ونحن إذا تطرقنا هنا لمشكلة تزويج القاصرات فلأن هذا الموضوع يلخص الحاجة لتعديل المدونة، وخلل المدونة لا يقتصر على نقائصه، بل لمشكلاته أشباه ونظائر تخللت سائر القضايا الأسرية ذات الطبيعة المشكلة، كالنفقة والحضانة والولاية على الأبناء والطلاق وغير ذلك من القضايا التي قدمت فيها مدونة 2004 رؤى جد متقدمة، ولكن الواقع اقتضى أن نعيد النظر فيها.
ونحن لا نستطيع أن نؤاخذ القاضي في كثير من المشكلات المتعلقة بالتطبيق، ولا نستطيع أن ننتقص من روح الإصلاح في مدونة 2004، وأقصى ما نستطيعه هو إعادة النظر في القوانين من جديد بطريقة تسمح بتنزيل مضامينها على الواقع التنزيل السليم، وعلى هذا الأساس لا نقول إننا بصدد إعداد مدونة جديدة، وإنما المقصود هو تعديل المدونة بما يناسب الحال، ويستجيب لمتطلبات الوقت.
وهذا التعديل من شأنه أن يبدد العديد من أسباب الخلافات الأسرية التي تحولت إلى نزاعات عنيفة، ومن شأنه أن يقلص من معدل الطلاق الذي ارتفع بشكل مهول في السنوات الأخيرة، ويحقق الأمن الاجتماعي المطلوب، ومن شأنه أيضا أن يعيد الثقة والدفء إلى العلاقة الزوجية ويزيد من صلابة التماسك الأسري والاجتماعي.
هذه الخطوة تتعلق بعرض المقترحات الجديدة التي قامت بها اللجنة الملكية لمراجعة مدونة الأسرة على أنظار المجلس العلمي الأعلى، وهي مبادرة طبيعية في سياق الأعراف التي جرى العمل بها في المغرب في مثل هذه القضايا، فالمغرب منذ سنة 2003 انخرط في تنزيل رؤية إصلاحية للشأن الديني سميت بإعادة هيكلة الحق الديني، وتخللت خطة إعادة الهيكلة جملة من الإجراءات منها ترسيخ العمل النظامي للمؤسسات الدينية ودعم اختصاصاتها، وفي هذا السياق حدد الظهير الشريف رقم 1.03.300، المهام المنوطة بالمجلس العلمي الأعلى، ونص ضمنها على واجب إحالة طلبات الإفتاء في القضايا التي تعرض أمام أنظار المجلس، على الهيئة المكلفة بالإفتاء قصد دراستها وإصدار فتاوى في شأنها، وذلك في سياق مأسسة الفتوى، وهذا هو المعمول به منذ سنة 2003 حيث أصبح للمجلس دور واضح منذ ذلك الوقت في رعاية الثوابت الدينية للأمة والمتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي.
وقضايا الأسرة ترجع في جوهرها لأصول الشريعة، ولذلك فلا مناص من مواكبة النقاشات حولها من قبل المجلس، والمجلس يتصدى عادة للقضايا الكبرى، ومنها القضايا الاجتماعية ذات الحساسية المفرطة، وقضية الأسرة في المغرب قضية حساسة جدا وترتبط في وجدان الناس ارتباطا وثيقا بالدين والانتماء، ولذلك فمن الطبيعي أن يتصدى لها المجلس اعتبارا لوظيفته الأساسية في ضمان الأمن الروحي للمغاربة.
وهنا لا بد أن أشير إلى أن النظر الاجتهادي حين يتعلق بالقضايا الكبرى حتى إذا قام به شخص واحد محسوب على علماء المغرب العارفين بخصوصياته وأعرافه، المتمكنين من المذهب المالكي أصوله وفروعه، لا يعتبر اجتهاده ملزما للمجتمع حتى يكون اجتهادا جماعيا يصدر عن المجلس باعتباره هيئة علمية مختصة، تتولى النظر الجماعي في القضايا التي تعرض على أنظارها، فتنظر في طبيعة القضايا وما يلزمها من أحكام وما يناسبها من نظر تجديدي، ثم تصدر بذلك فتوى أو قرارا يُظهر الوجهة الشرعية المناسبة بمضمون تجديدي، أو على أساس التصويب أو الاعتراض إذا رأى أن ما يُطلب منه البت فيه لا يمكن أن تحتمله قواعد الشريعة. وستلحظ أن هذا النظر في القضايا المشكلة حين يكون اجتهادا جماعيا لا مجال فيه للارتجال، تكون ثمرته أكثر نضجا، خصوصا حين ينفتح الاجتهاد الشرعي على مختلف التخصصات الطبية والنفسية والاقتصادية وغيرها من باب الاستشارة اللازمة لبناء الأحكام السليمة، وهذا ما يقوم به المجلس العلمي الأعلى، فهو ينظر على هذه الشاكلة في القضايا الكبرى التي لا تتعلق بالحوادث الجزئية المعتادة. وطبعا يقال هذا عن المجلس ودوره في إثراء مضامين المدونة وتوجيهها، أما الحديث عن إحالة أمير المؤمنين لملف التعديل على نظر المجلس العلمي الأعلى، فهذا يدخل ضمن مسؤوليات إمارة المؤمنين. وهذه الوظائف تتكامل مع بعضها في تدبير الحقل الديني بالمغرب.
ألا ترين أن اللجوء إلى المجلس العلمي الأعلى هو تكريس لأهمية إمارة المؤمنين في النسق السياسي المغربي؟
المجلس العلمي الأعلى نفسه تجل من تجليات إمارة المؤمنين، لأن أمير المؤمنين الحسن الثاني هو الذي أنشأه في البداية في إطار رؤية خاصة لتدبير الشأن الديني، كان المغرب فيها بحاجة لتثبيت هويته الدينية بعد الاستعمار وبحاجة لبناء المؤسسات التي ستتولى مسؤولية التدبير الديني، كما كان في حاجة لمأسسة الأنظمة الأخرى السياسية والاجتماعية والعسكرية وغيرها، وأمير المؤمنين محمد السادس تمم المهمة بتفعيل المجلس وتحديد صلاحياته وفق سياقات خاصة كان المغرب أكثر حاجة فيها لحفظ ثوابته الدينية التاريخية، فهذا المجلس هو جزء من رؤية لا تستقل عن انشغالات إمارة المؤمنين ووظائفها، وهو منظومة متكاملة ومتعاضدة، تقع في مخطط إعادة هيكلة الحقل الديني، الذي وضع أسسه أمير المؤمنين سنة 2003، موقع الجزء من الكل، ونحن حين نتحدث عن هذا المجلس ووظائفه وعلاقته بإمارة المؤمنين يجب أن نستحضر أن المجلس آلية للاشتغال يمكن أن يستغنى عنها ببدائل أخرى إذا اقتضى الحال في المستقبل، فهي مجرد وسيلة في يد أمير المؤمنين، أما إمارة المؤمنين فثابت شرعي تنص عليه النصوص المُؤسسة، ونظام من حصيلة ممارسة تراكمية بدأت منذ القرن الثاني الهجري في عهد الأدارسة، وهي ليست مجرد واجهة شكلية كما قد يظن البعض ممن لم يَخبِر ظروف المغرب، وإنما ركيزة أساسية في التدبير السياسي والديني بالمغرب تبلورت في سياقات تاريخية خاصة منذ العهد الموحدي حتى صارت على ما هي عليه اليوم من تفرد.
نحن حين نتحدث عن إمارة المؤمنين نقصد ما يحيل عليه المصطلح من معان سياسية ...
مشاهدة الطراز تفويض الفتوى أمر منتظر والتحكيم الملكي من إمارة المؤمنين
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الطراز تفويض الفتوى أمر منتظر والتحكيم الملكي من إمارة المؤمنين قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الطراز: تفويض الفتوى أمر منتظر .. والتحكيم الملكي من إمارة المؤمنين.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة ليون وفنربخشة في دوري أبطال أوروبا
- بث مباشر.. شاهد مباراة سموحة وبترول أسيوط في الدوري المصري
- بث مباشر.. شاهد مباراة توتنهام وتشارلتون أثلتيك في كأس الرابطة الإنجليزية
