قال وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، إن “الآراء المعبر عنها بخصوص خرق مبدأ المساواة، وإقرار نوع من التمييز في مشروع قانون المسطرة المدنية، بين المواطنين على أساس المال، وبين المواطن والإدارة، وبين الجهات، يظهر حجم اللبس الذي وقع فيه أصحاب هذه الآراء في تحديد معاني التمييز الواردة في الدستور، وفي القانون الدولي لحقوق الإنسان”، مسجلا في سياق متصل أن “مفهوم التمييز في الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان لا يمت بأي صلة للتمييز المعبر عنه في بعض الآراء”.
وبخصوص “النقطة الخلافية” المتصلة برفض المحامين عرض “حصرية الدفاع” أو “احتكار الدفاع” على مجلس المنافسة، استغرب وهبي “مواجهة الموقف المتعلق بإحالة مشروع قانون المسطرة المدنية على مؤسسة دستورية لتقديم استشارتها بنوع من الاعتراض، انطلاقا من قناعات شخصية أو مهنية، بعيدة عن روح الدستور وفلسفته القائمة على تشجيع الممارسات الدستورية، التي من شأنها تعزيز قيم الحكامة والإنصاف، وتقوية دور المؤسسات في ممارسة أدوارها الدستورية”.
وأكد وزير العدل في مقال توصلت به هسبريس، موسوم بـ”مشروع قانون المسطرة المدنية والحاجة إلى النقد البناء”، أن الاعتراض على إحالة مشروع قانون المسطرة المدنية بدعوى عدم اختصاص مجلس المنافسة، لتقديم الاستشارات بخصوص المهن القانونية الحرة، ومنها مهنة المحاماة، وحصر مجال اختصاصه في حالة التركيز الاقتصادي وحرية الأسعار، يتعارض بشكل صريح مع ما نصت عليه مقتضيات المادة الثانية من القانون رقم 13-20 المتعلق بمجلس المنافسة”.
وأوضح الوزير أن هذه المقتضيات “خولت بوضوح تام للمجلس صلاحيات استشارية هامة إلى جانب سلطته التقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي كما هي معرفة في القانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة”، مضيفا أن “المادة المذكورة نصت في فقرتها الثانية على أن المجلس يكلف بإبداء رأيه بشأن طلبات الاستشارة كما هو منصوص عليه في هذا القانون والقانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، وإصدار دراسات بشأن المناخ العام للمنافسة، قطاعيا ووطنيا”.
مشروع قانون المسطرة المدنية والحاجة إلى النقد البناء
إذا كان من السهل في إطار حرية الرأي والتعبير المكفولة للجميع، والحوار الفكري المحمود، الاستمرار في انتقاد مشروع قانون المسطرة المدنية، وهو أمر إيجابي للإشارة، بالنظر لما ينتج عن النقاش القانوني عموما من آراء تغني وتجود المقتضى القانوني موضوع النقاش، فإن المطالبة، بناء على اعتبارات مهنية ودون موجب سليم، بسحب مشروع قانون المسطرة المدنية من البرلمان رغم المصادقة عليه من طرف ممثلي الأمة بمجلس النواب، والاعتراض على إحالته على مجلس المنافسة لإبداء رأيها الاستشاري في بعض مقتضياته، يستوجب أن يتحلى الجميع بالمسؤولية العلمية لتقديم قراءات جادة للمقتضيات الدستورية والقانونية موضوع النقاش، والتقيد بما نصت عليه الوثيقة الدستورية، وما جاء في الصكوك الدولية، التي تحدد بشكل واضح عددا من المفاهيم المتصلة بالعدالة، وحقوق الإنسان عموما، كالمساواة، والتمييز، بالنظر إلى أن الاحتجاج بعدم احترام هذه المفاهيم لا يمكن أن يكون خارج ما هو مقرر في الوثيقة الدستورية، وفي قرارات القضاء الدستوري، وفي غيرها من الوثائق الأممية التي يكتسي الكثير منها طابع الإلزام، باعتبارها الإطار المعياري الأممي المتوافق عليه من طرف المجتمع الدولي.
ولا يخفى أن حرصنا على مواكبة هذا النقاش، والتفاعل معه بكل جدية ومسؤولية، ما هو إلا تجسيد لأهمية الحوار الفكري البناء، وتعزيز للنقاش المجتمعي الذي يكون مؤطرا بالدستور والقانون، وتكون غايته الأساسية مقارعة الآراء والحجج بناء على أسس علمية، بغية الوصول إلى هدف أسمى، هو تجويد النص التشريعي بما يحقق المصلحة العامة، ويعزز حقوق المواطن وعموم المرتفقين على قدم المساواة في ظل دولة المؤسسات.
والأكيد أن الآراء المعبر عنها بهذا الشأن، بتعدد مصادرها وتنوع زوايا مقارباتها واختلاف قيمتها القانونية وترتيب أولوياتها، تخلق مجالا خصبا لنهل الأفكار وتقاسم التجارب والممارسات الفضلى، غير أن هذا النقاش لا يعد، في أي حال من الأحوال، بديلا عن اختصاصات المحكمة الدستورية في مراقبة مدى مطابقة القانون للدستور، ولا مصادرا لحقها في ممارسة اختصاصاتها المخولة لها بموجب الدستور، وهي الممارسة التي أصبحت جزءا من المشهد التشريعي ببلادنا، وهو ما يعتبر انتصارا لقيم الديمقراطية وضمانة لحماية الحقوق والحريات والدفاع عن الدستور، وترسيخا لحكم القانون، وهو على كل حال نقاش ينسجم مع ما ذهب إليه بعض الفقه، عندما اعتبر أن المحكمة الدستورية يجب ألا تكتفي بإعلان الحقيقة حول معاني الدستور فقط، ولكن يتعين عليها أن تجعل القانون أيضا “حقيقة حية” تمتثل إليها المؤسسات والهيئات والمواطنون والمجتمع برمته وتحرك ممارساتهم الاجتماعية.
إن استمرار بعض الأحكام المسبقة المتداولة أخيرا حول خرق مشروع قانون المسطرة المدنية لبعض مبادئ حقوق الإنسان، لا يمكن بأي حال أن يسهم في تقديم قراءة علمية موضوعية لبسط وجهات النظر، وفقا للإطار المعياري المسلم به في القانون الدولي لحقوق الإنسان، مما يفقد هذه الأحكام أهميتها العلمية، إذ إن الاحتجاج بخرق مبادئ متعارف عليها عالميا لا يكون مقنعا إلا بالانضباط للمفاهيم المقررة في هذه الوثائق وفي مختلف الاجتهادات القضائية والفقهية، وهو الأمر الذي لم يهتد إليه في عدد من الكتابات والآراء المعبر عنها أخيرا في هذا الصدد.
بل إن منها من ذهب إلى القول إن المغرب ليس في حاجة إلى قانون جديد، وإن قانون المسطرة المدنية الصادر سنة 1974 كان كافيا رغم مرور ما يناهز نصف قرن على إصداره، مفضلين إبقاء الأمر على ما كان عليه، والركون إلى ملاءمة المتغير والمستجد باعتماد التفسير والتأويل، والسعي من منظور ضيق إلى اعتماد منهج التوجيه بالغاية بدل التوجيه والتأطير بالنص التشريعي المعتمد ديمقراطيا في إطار دولة المؤسسات والسلط المستقلة، في محاولة لفرض تفسيرات خاصة للحقوق الدستورية، لا يمكن اعتمادها دعامة لمشاريع تشريعية حكيمة لافتقارها إلى التأصيل السليم، والتسبيب المقنع والموضوعية في التحليل التي تستحضر مصالح جميع المتدخلين والمعنيين بسير مرفق العدالة.
إن وصف عمل الهيئات التي أشرفت على إعداد مشروع قانون المسطرة المدنية، على اختلاف مشاربها، بكونه مجرد مبادرة تشريعية من حكومة مطمئنة لأغلبيتها داخل البرلمان لتكريس “التغول التشريعي”، هو قول يتناقض مع قيم المجتمع الديمقراطي، الذي يحتكم إلى الدستور، والذي تكون فيه المبادرة التشريعية فضيلة، وممارسة المؤسسات والسلطات لاختصاصاتها الدستورية نجاح للديمقراطية.
إن قيام السلطة التنفيذية بإنتاج مشاريع قوانين، تعبير صريح عن حيويتها وتحملها للمسؤولية والاستعداد للدفاع عن قناعاتها في إطار الملاءمة التي يمنحها إياها الدستور، ولا تخضع في إطاره لمراقبة المحكمة الدستورية؛ لأنه مجال يرتبط بالسياسة التشريعية تملك فيه السلطة التنفيذية كامل الحرية؛ لأنه مجال سياسي.
ومن منطلق الوعي بأهمية مواصلة الانخراط في النقاش العمومي المتعلق بمشروع قانون المسطرة المدنية، وحرصا على تنوير الرأي العام، فقد ارتأينا أن نستمر وفق المنهج نفسه القائم على الحوار، في التفاعل مع الآراء المعبر عنها بهذا الخصوص، وذلك من خلال الوقوف مرة أخرى على بعض ما حملته من توجهات، من أجل قراءتها قراءة هادئة في ضوء الدستور، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، علما أن مجموع النصوص موضوع النقد، في الكتابات والآراء المعبر عنها في هذا السياق، يمكن اختزالها في عشر مواد من مجموع مواد المشروع التي تصل إلى 644 مادة.
والتزاما بكل ما تقدم، فقد ارتأينا الحديث (أولا) عن مفهوم السلطة التقديرية للمشرع في ضوء قرارات القضاء الدستوري، ونطاق هذه السلطة، وذلك من أجل المساعدة على تقريب بعض المفاهيم المتعلقة بحدود السلطة التقديرية للبرلمان، بغية رفع اللبس الحاصل في معاني عدم الدستورية، على أن نقف (ثانيا) على تحديد مفهوم التمييز وفق الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، لنبرز جوانب القصور في توظيف هذا المفهوم للقول بعدم دستورية بعض مقتضيات مشروع قانون المسطرة المدنية، على أن نخلص (ثالثا) إلى التفاعل مع النقاش المثار بخصوص مدى دستورية وقانونية طلب رأي مجلس المنافسة في بعض النصوص المتعلقة بموضوع ممارسة المهن القانونية الحرة.
أولا: السلطة التقديرية للمشرع في ضوء قرارات القضاء الدستوري (الملاءمة)
إن مفهوم السلطة التقديرية للبرلمان يستند في فقه القانون العام، من جهة أولى، إلى طبيعة وظيفة السلطة التشريعية، التي تتطلب مساحة من حرية التقدير تمكنها من مواجهة ما يعرض عليها من أمور وقضايا تحتاج إلى تدخلها. كما يستند، من جهة ثانية، إلى طبيعة حركة الحياة التي تتطور بصفة دائمة، وتفرض إقرار قواعد قانونية لمواكبة كل التطورات، ومواجهة الإشكالات الواقعية، التي تستوجب تدخل المشرع بصفته صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع، دون المس بالحقوق والحريات الأساسية المضمونة دستوريا، وبالتالي لا بد من الاعتراف له بجانب من حرية التقدير، التي تعرف بالسلطة التقديرية للمشرع أو الملاءمة، وفقا للمبادئ المستقر عليها في القضاء الدستوري.
إن هذا المفهوم دفع الفقه إلى استبعاد تفسير النص الدستوري باعتباره وثيقة ثابتة في اللفظ والمعنى، ودعا بدلا عن ذلك إلى النظر إلى الدستور بما يحويه من قيم ثابتة يجب أن تطبق بمرونة على الظروف المتغيرة دوما، فممارسة الحق في الولوج إلى القضاء، كقيمة ثابتة، لا يمكن أن ينظر إليها بالصورة التي كانت تمارس بها خلال سنة 1913 في ظل أول قانون للمسطرة المدنية أو سنة 1974 بمناسبة تعديل قانون المسطرة المدنية، بل يتعين النظر إلى هذا المقتضى الدستوري باستحضار كيفية تطبيق القيم الكامنة خلف النص الدستوري اليوم، في ظروف اختلفت كثيرا عن سنوات 1913 و1974، وربما لم تكن في حسبان المشرع الدستوري عند وضعه للدستور، فمن كان يتصور آثار الثورة الرقمية في مجمل المجالات، بما فيها مجال القانون والعدالة.
ولا شك أن مسؤولية المحكمة الدستورية تكمن في قدرتها على الاستدلال على احترام القانون للقيم الثابتة المتضمنة في الدستور في ظل الظروف المتغيرة بالاستناد إلى معياري القيم والتناسب. والذكاء المنشود للسلطة التنفيذية صاحبة المبادرة التشريعية، يكمن في تحقيق الملاءمة بين القيم الدستورية الثابتة والاحتياجات التشريعية المتغيرة، في إطار مهامها بتدبير الشأن العام، على اعتبار أن مجال الملاءمة التشريعية يبقى مجالا خاصا وحصريا للسلطة التنفيذية، وهو ما سيساعد من جهة أولى على جعل القانون يحقق على نحو أفضل الأهداف الموضوعية للدستور، ومن جهة أخرى على خلق تشريعات ديمقراطية قادرة على العمل في احترام كامل للحقوق والحريات، وضمان دولة المؤسسات.
وقد أكد القضاء الدستوري أهمية السلطة التقديرية للمشرع في عدد من قراراته، من بينها القرار رقم 11/817، الصادر عن المجلس الدستوري بتاريخ 13 أكتوبر 2011، الذي جاء فيه ما يلي: “وحيث إنه ليس من صلاحيات المجلس الدستوري التعقيب على السلطة التقديرية للمشرع في اختيار نوعية التدابير التشريعية التي يرتضيها سبيلا لبلوغ أهداف مقررة في الدستور طالما أن ذلك لا يخالف أحكام هذا الأخير…”.
وهو التوجه نفسه الذي أكدته المحكمة الدستورية العليا المصرية، إذ جاء في قرارها الصادر بتاريخ 02/01/2011، في القضية رقم (5) ما يلي: “… ذلك أن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية، وذلك ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط محددة تحد من إطلاقها…”.
فالسلطة التقديرية للمشرع تقوم على مبادئ عدة، من بينها مبدأ عدم امتداد رقابة القضاء الدستوري إلى بواعث القانون، وهذا المبدأ استقر عليه قضاء المحكمة العليا الأمريكية منذ حكمها الصادر عام 1810 في قضية “فلشر ضد بك” (Fletchre vs Peck)، إذ أكدت في عدد من أحكامها أنه إذا كان القانون مستوفيا لكافة الشروط والأشكال القانونية، فإن المحكمة لا تستطيع أن تؤيد أحد الخصوم في طعنه بعدم دستوريته، بحجة أن القانون صدر عن بواعث غير شريفة أثرت في بعض أعضاء السلطة التشريعية التي سنت ...
مشاهدة وهبي يدعو إلى النقد البناء في نقاش مشروع قانون المسطرة المدنية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ وهبي يدعو إلى النقد البناء في نقاش مشروع قانون المسطرة المدنية قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، وهبي يدعو إلى النقد البناء في نقاش مشروع قانون المسطرة المدنية.
في الموقع ايضا :
- استشهاد فلسطيني إثر قصف خيمة جنوب قطاع غزة
- النائب عناية عز الدين تطالب الحكومة بتوثيق الانتهاكات الصهيونية بحق أطفال لبنان وملاحقتها أمام المحاكم الدولية
- من سوريا إلى العراق.. تقرير يكشف مصير 5700 موقوف بتهمة الانتماء لـ"داعش"
