بمدينة القنيطرة، قدّم المفكر المغربي محمد نور الدين أفاية، أحدث كتبه “الزمن المنفلت.. هل لا يزال المستقبل مرغوبا فيه؟”، في لقاء نظمته شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب، وقدّم فيه المؤلَّف الأكاديمي نبيل فازيو، في لقاء سيَّرَه الإعلامي إدريس عدار.
قال محمد نور الدين أفاية إن هذا الكتاب بمثابة فصل ثالث لكتابين سابقَين خطّهما، هما: “الديمقراطية المنقوصة” و”النهضة المعلقة”. ثم أردف قائلا: “من العناوين يبدو كأن صاحبها يعاني، كما نعاني، من اللااكتمال. نعاني من أزمنة لا تعمل فيها مختلف السلطات (بالمعنى الواسع للسلطة) وتمنع أو تشوش، وتسهم في عدم الإنضاج، وهذا مصيرنا في المغرب، ولن أتحدث عن العالم العربي الذي لا أعرفه كله، ووعدت نفسي ألا أتحدث كثيرا عن العالم العربي؛ لأننا لا نعرف كثيرا من الساحات العربية، مما يدفع إلى أحكام متعسفة أحيانا وتعميمية”.
وحول عنوان “الديمقراطية المنقوصة” الذي صدر قبل العنوان الجديد في السنة الراهنة 2024، ذكر أفاية أن “بعض الدول التي أسست للديمقراطية المعاصرة هي من الديمقراطيات المنقوصة مثل أمريكا، وفرنسا، وإسبانيا، وإيطاليا.. في تقارير تقيّم وضع الديمقراطية (…) توجد الديمقراطيات المكتملة مثل الدول الإسكندنافية، ثم المنقوصة، فالأنظمة الهجينة المتأرجحة بين التسلطية والانفتاح النسبي سياسيا، فالأنظمة التسلطية. بالتالي “الديمقراطية المنقوصة” ينبغي ألا تحيلنا مباشرة على المغرب”.
وتابع أفاية: “توجد دول أسست لديمقراطيات حقيقية، وتجد نفسها أمام وضعيات تضطرها إلى التنازل عن قيمها المؤسِّسة. فكيف يمكننا النظر إلى بلدان أسست ودافعت عن حقوق الإنسان وتمارس منذ سنة إرهابا منظما على حرية التعبير؟! بل أكثر من هذا إذا عبّرتَ وتجرأت للتعبير عن رأيك في ما يجري من غزة وفلسطين تتعرض للمحاكمة والتشطيب من العمل، في ألمانيا وفرنسا مثلا! أي أن بلدانا أسست للديمقراطية في كثير من الأحيان تتراجع، وتتناسى؛ بل وتعتدي وتخرب هذه القيم. والولايات المتحدة، بعد شعارات طيلة نصف قرن حول حقوق الإنسان، لوت إثرها عنق أنظمة لفرض حقوق الإنسان، لم توقِّع إلى الآن على أوفاق رئيسَة في هذا المجال”.
وفي حديث عن كتابه الجديد “الزمن المنفلت”، ذكر أفاية أن فصله الأول يهمّ “الأبعاد الفلسفية حول الزمان”، والثاني “حول الفكر الفلسفي والفلسفة في عالمنا العربي في نوع من المراجعة البانورامية النقدية للإنتاج الفلسفي العربية”، ثم استرسل قائلا: “أنا من الناس الذين لا يستهينون بالإنتاجات الحقيقية، ولا أنفي ولا أنكر ما أنتجه المثقفون العرب في الخمسين سنة الماضية. المثقف النزيه الذي لا ينطلق من نوع من التورُّم الذاتي، سيلحظ أن في العالم العربي مفكرين وفلاسفة كبارا، ومنهم من درّس خارجه، وأنتجوا أطروحات وأفكارا في منتهى العمق، وهي موضوعات للدراسة والتحليل”.
وانتقد أفاية “الأحكام الجزافية حول الأزمة والتخلف، رغم وجود مظاهر التخلف، وأسماها التخلف السياسي عن الثقافة والفكر، وعدم قدرته على الإنصات لما ينتجه المفكر من أفكار وانفتاحات، دون أن يعني ذلك صوابية كل المفكرين، ولكن لهم مسافة للتفكير في ضوء التاريخ وقد يفيد ذلك صاحب القرار في قراره السياسي”.
وفي تقديم المبحث الثالث من كتاب “الزمن المنفلت” قال الفيلسوف المغربي: “في المغرب نحن سجناء مرجعيتين، خاصة تاريخ الفلسفة الأوروبية وبعض الفلسفة الأمريكية، وتكوينُنا ونصوصُنا ودروسُنا كلها تعتمد على مرجعيات أوروبية أو أمريكية. ونحن سجناء وتابعون لتاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية، وما أصبح يسمى الفكر العربي الحديث والمعاصر، ولا نفكر في جزء مكوِّن لذاتيتنا هو البعد الإفريقي”.
وتابع شارحا: “منذ سبعين سنة، أنتجت بلدان إفريقية فلاسفة ومفكرين كبارا، صاروا من المراجع المحترمة في الجامعات العالمية، ولا نجد في كتاباتنا العربية اهتماما إلا بشكل عابر من بما ينتجه الأفارقة؛ مثل أشيل مبيمبي، وسليمان بشير ديان الذي أصبح عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، فكيف يمكن لمن يدعي الانتماء إلى إفريقيا عدم السماع لمثل هؤلاء؟”.
وتحدث أفاية عن تجربة عاشها مع الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي، فـ”هو من الأكثر اهتماما بما ينتجه الأفارقة”، قبل أن يردف قائلا: “في المغرب، لنا أوهام كبرى نستهلكها، بأننا حققنا وحققنا” ثم استدرك: “لا ننسى في علاقتنا بإفريقيا أن الملك الحسن الثاني كان منتبها دائما إلى إفريقيا، وأكثر البلدان العربية التي اهتمت بإفريقيا مصر، وفي صحيفة (الأهرام) كان قسم خاص بإفريقيا وانتبه إلى هذا المفكر الكبير سمير أمين، وعاش بعد مصر وفرنسا في داكار بالسنغال إلى أن توفي”، لكن “منذ أربعين سنة معهد الدراسات الإفريقية بالمغرب لم ينتج كثيرا (…) خارج التظاهرات الفولكلورية والشعارات الكبرى حول إفريقيا”.
وانتقد المتحدث “نوعا من النزوع الفلكلوري في التعامل مع إفريقيا”، مضيفا: “ننسى أن بلدا مثل نيجيريا، التي لا نعرف ما يجري فيها، هي أول سينما في العالم من حيث كم الإنتاج، وهي مختبر حقيقي ونموذج حقيقي لشباب إفريقيا كلهم، وفي السنغال والبينين وكوت ديفوار والكامرون، فيما يتعلق بمجالات الإبداع السينمائي والموسيقي والموضة ستجدون بأن نيجيريا نموذج إبداعي الآن للشباب الإفريقي (…)”.
الثقافة والنهضة والزمن
عبّر نور الدين أفاية عن كون مصطلح “الثقافة” يستعمل في المغرب “بكثير من التعميم”، ثم انتقل إلى الحديث عن “غياب كبير للبنية التحتية للثقافة بالمغرب، وهي: الحرية، والاعتراف، والاستحقاق، ثم العدالة؛ فالمجتمعات التي تعاني من الظلم والفساد والإفساد، في ظل عدم القدرة وعدم الجاهزية على تقدير معنى الاستحقاق، وعدم الاستعداد للاعتراف بكفاءات وقدرات الآخرين والعطاء، وعدم الاستعداد للإقرار للآخرين بالحرية بكل أصنافها، مجتمعات لا يمكن أن نعول أنها ستؤسس لثقافة أو نهضة أيا كان نوعها”.
وواصل: “كل نهضة تنطلق من هذه القواعد الرئيسية، وهي ثقافة ينبغي أن تبدأ من الأسرة والمنظومة التعليمية. والثقافة المصرية (القديمة) أساسية في الفكر الإنساني، وهي التي أثرت في الفلسفة اليونانية”. وجدد، في محطة الحديث عن مفهوم “الزمن” لدى المصريين القدماء، انتقاد كوننا “سجناء التاريخ الأوروبي”، ومضامين تأريخه لذاته، وتنصّله من التأريخ لمؤثّرات فيه مثل “الثقافة المصرية التي أنتجت الكثير من الأسئلة والأجوبة”.
ثم قال: “الحاضر دائما منفلت لا ينفكُّ يمضي، ولا يمكن توقع المستقبل، وأغلب الدراسات الاستشرافية لم تكن تتوقع ما يحصل في التاريخ والمجتمعات”. أما الزمن فـ”موضوع عالجته الحضارات القديمة، والديانات، ولكل المجتمعات والديانات والحضارات تاريخها، والحضارات ترتب مسائل الزمان للإنسان داخل المكان، ونفس الشيء للدول والمؤسسات، والزمان دائما يعيش فيه المرء باستمرار، في حالة تفاوض بين ما يتحرك داخله وما تقتضيه الاعتبارات الموضوعية، سواء في العلاقة بالطبيعة واعتباراتها، والاعتبارات المجتمعية والمؤسسية”.
وزاد: “يوجد تفاوض بين الزمن الذاتي والموضوعي، والزمن التَّذَاوُتي في العلاقة مع الآخر التي هي علاقة تفاوض مستمرة”، مسجلا أن “زمننا هذا لم نعد نمتلكه، انفلت منا، وقوى خفية في شكل خوارزميات تنسينا ذواتنا، وتحشرنا في مواد هي التي تختارها. وتَضيعُ ساعاتٌ ونحن غائِصون في كون لا نتمكن منه إلا نادرا. نعيش نوعا من أنواع النسيان الذاتي (…) نفقد ملكة الإدراك، أي السمع والشم والذوق، وثانيا نفقد ملكة الانتباه، والقدرة على التركيز والاكتساب والتعلم والبناء”، بالتالي “اقتصاد الانتباه في خطر حقيقي”.
ماذا عن سؤال ما بعد الزمن الراهن؟ أجاب أفاية: “اليوم جيل الشباب في المغرب وغير المغرب، يطرح سؤال المستقبل بطريقة تراجيدية (…) منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، اندثر مصطلح التقدم، والاختيارات التقدمية والبديل التقدمي، وفي أدبيات الأحزاب إلى اليوم لا حزب يقدم نفسه تقدميا، حتى ولو كان ذلك جزءا من اسمه (…) بل التجأ الجميع لقيم عالمية لحقوق الإنسان، والكل أصبح يتحدث عنها: اليميني واليساري والوسط. وكأن الناس في السياسة نسوا ما سمي بالتقدم”.
وأضاف: “في المغرب رغم النزاعات والصراعات، وتصاعد مستوى التوتر النفسي والعلائقي بين المرأة والرجل والأبناء… كأننا نتكلم نفس اللغة، ونكرر نفس الأخبار، وكأننا دخلنا شكلا من التسطيح المعمم الذي لا يسمح للإنسان بخلق مسافة”، ورغم “رفع شعار النقد، أحيانا لا نجهر به ولا نرقى إلى مستوى ممارسة النقد بالجدية المطلوبة. لذا عندما تجد مثقف حوله جيش من المريدين، تجد نفسك أمام وضع تتحرى فيه الحفاظ على الذات والسلامة، فلا تجهر برأيك”.
وانتقد صاحب “الوعي بالاعتراف” مثل هذا التردّد، مدافعا عن أن “الحس النقدي إجراء فكري ضروري، علينا التشبث به وقوله والتعبير عنه والرمي به للنقاش العام”، خاصة في ظل واقع “نرى فيه النقاش العمومي بالمغرب يتراجع بشكل كبير جدا، في ظل ضجيج كبير جدا خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي؛ إلا أن النقاش الجدي حتى داخل الجامعات، وفضاءات النقاش النظري والسياسي والإيديولوجي تراجع (…) وهذا صعب لبلد مثل المغرب، يعرف (…) رغبة سياسية في خلق ديناميكية للنهوض”.
المثقف والتعميم
انتقد محمد نور الدين أفاية، في معرض تفاعله مع أسئلة الموعد، “كثيرا من الأحكام التعميمِية غير الصائبة” حول “ما يسمى بالمثقف في المغرب”. وتابع شارحا: “هذا مفهوم حديث في المغرب، لا يتجاوز عمره الستين سنة، وعلينا أن نقيس هذه الفترة الزمنية، بالنسبة لإنتاج وتراكم الأفكار، إذا كانت آليات للبناء والتراكم. فما قبل المثقف العصري، نموذجُ المثقف هو الفقيه، ويطغى على التاريخ المغربي الفقه، وشخصية الفقيه. ولم يبدأ المثقف يفرض ذاته إلا منذ الستينات”.
وواصل: “الستينيات، كانت مختبرا حقيقيا في تاريخ المغرب الثقافي: بدأت الفنون التشكيلية، والشعر الحديث (…) والأفلام الأولى، والمجلات النقدية الحقيقية، والنقد الأدبي، وأجمل الأغاني المغربية (…) وبدأ المثقف المغربي يجهر بأشياء لم يكن في السابق قادرا أن يبوح بها، وقال: أنا أفكر، وأرى، وأتموقع في مجتمع خارج للتو من الاستعمار، لصياغة هوية جديدة”، لكن هذه “ذاتية حوصرت، وحركية حوصرت”.
وزاد المتدخل: “المثقف المغربي العصري عمره محدود، ووجد نفسه أمام وضع اجتماعي وسياسي صعب، ووضع ثقافي أصعب؛ فالكتابة جهد وقرار ومعاناة وتضحية. للقراءة ينبغي التضحية بالعلاقات الاجتماعية، على حساب المرأة والأولاد، ولا ينبغي أن نستهين بفعل الكتابة التي لا نقدّرها الآن حق قدرها، الكاتب والكاتبة، يقومون بفعل جهادي، وليس الأمر معطى، ويبقى المثقف قبل كل شيء مواطنا مثل كل المواطنين عليه واجبات وله حقوق، ونحاسبه على ما يكتب، ومواقفه التي يتخذ”.
وتفاعلا مع سؤال جمهورِ مقهى حُمِّلَ نقاشا ثقافيا في إطار عمل “شبكة المقاهي الثقافية”، قال المفكر المغربي، الذي شغل مسؤوليات استشارية وإعلامية وإدارية، إن “أكثر التقارير نقدية في العشر سنوات الأخيرة صدرت عن المؤسسات الدستورية، ولتنظروا إلى تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمندوبية السامية للتخطيط، وهيئة النزاهة، وخطب الملك”.
ثم قدّر أنه “ربما الصورة التي كنا نملكها عن المثقف العضوي الطلائعي انتهت. المثقف الداعية انتهى واستنفد زمنه، وعلى المثقف اليوم أن يبدع وينتج ويصنع المعنى ويشارك من حيزه النسبي، دون ادعاء، لأننا كنا مدَّعين. لقد ادعى مثقَّفون ادعاءات أكبر من حجمهم، ثم وجودوا أنفسهم أمام أوضاع وكيميائيات أدخلت أعمالهم النسبية، من العروي إلى الخطيبي والجابري، وغيرهم”، واستثنى من ذلك “طه عبد الرحمان، الذي هو المفكر الوحيد الذي لا علاقة له موضوعية مؤسسية بالعمل والشأن العام، وعلاقته الوحيدة بالمؤسسة هو التدريس والكتاب، ولا علاقة له بالواقع. أما الجابري فهو معلم وأستاذ ومفتش وسياسي ويعرف القرار السياسي كيف يطبخ وتوازنات القرار؛ لأن القرار السياسي ليس سهلا، وكان يعرف هذه الأمور من دواخلها، وحين يكتب جملة تطنطن في آذاننا لأنه ينطلق من الكتاب والتجربة والمعاناة ولما يكتبه دلالة، وكذلك العروي احتك بالسياسة وزعماء كبار وكتابه (المغرب والحسن الثاني) يبين هذا، وهو شخص حذر، لا يطلق الأحكام، وكائن قلق، ...
مشاهدة أفاية ينتقد تسطيح النقاش العمومي وضعف النقد الجد ي بالمغرب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أفاية ينتقد تسطيح النقاش العمومي وضعف النقد الجد ي بالمغرب قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أفاية ينتقد "تسطيح النقاش العمومي" وضعف "النقد الجدّي" بالمغرب.
في الموقع ايضا :
- عراقجي مُحذرًا: إيران سترد بحزم على أي هجوم أمريكي
- ترامب يهدد بضرب إيران "بقوة شديدة"، وواشنطن تحض رعاياها على الاستعداد لمغادرة دول بالشرق الأوسط
- عاجل.. إسرائيل ترفع مستوى التأهب الدفاعي وسط تقارير عن ضربة أمريكية محتملة لإيران
