قال المنتصر السويني، باحث في العلوم السياسية والمالية العامة، إن العقل الرسمي المغربي خلال فترة الأزمات الدولية المضطربة، مثل الحرب الأوكرانية وسياق الأزمات الإقليمية، أثبت اشتغاله المستمر وهندسته لاستراتيجية تنموية تركز على الأهداف الكبرى، مشيرا إلى أن “الأوطان تنهزم بغياب الأفكار الصلبة والعقل اليقظ”.
وأبرز السويني، في مقال له بعنوان “العقل الرسمي المغربي واستراتيجية اللعب مع الكبار”، أن المغرب اعتمد خريطة استراتيجية عالمية تهدف إلى تعزيز موقعه الدولي عبر استثمار موقعه الجغرافي وتفعيل مشاريع البنية التحتية الكبرى، موضحا أهمية الرؤية الاستراتيجية في ربط الأهداف بالوسائل لتحقيق تنمية مستدامة.
وتناول المقال موضوعات متسلسلة تتضمن علاقة العقل الرسمي المغربي في عهد الملك محمد السادس بتعزيز الرأسمال الاستراتيجي والدبلوماسي، والهندسيات الكبرى، والطرق التدبيرية الحديثة، ورسائل التعديل الحكومي، ودور مغاربة الخارج في استراتيجية التنمية الوطنية.
قال الاقتصادي جون ماينارد كينز إن الصعوبة لا تتمثل في عدم فهم الأفكار الجديدة؛ بل الصعوبة هي عدم القدرة على التخلص من الأفكار القديمة.
في ظل وضع دولي جد متوتر (الحرب الأوكرانية- لبنان- غزة- سوريا-المحيط الإقليمي للمغرب)، وظرفية دولية صعبة، تحتاج الدول إلى الحضور القوي لعقلها الرسمي وعقلها الاستراتيجي، الحضور القوي يترسخ من خلال ما سبق أن أكد عليه التاريخاني الفرنسي مارك بلوك “الأوطان لا تنهزم في الميدان العسكري؛ بل الأوطان تنهزم من خلال غياب الأفكار الصلبة والعقل اليقظ”.
العقل الرسمي المغربي كان مقتنعا بأن مرحلة الأزمات تستدعي حضور العقل والفكر والعمل (خصوصا بالنسبة للمستوى الماكرو سياسي والماكرو اقتصادي).
وفي هذا السياق، تمت ملاحظة الأجندة المزدحمة للعقل الرسمي المغربي على مستوى اجتماعات المجلس الوزاري في المدة الأخيرة؛ وبالتالي كان العقل الرسمي يثبت أنه عقل في حالة اشتغال وفي حالة حركة.. بل وأكثر من ذلك، كان العقل الرسمي يثبت أنه عقل حسم في مسألة الأهداف والعناوين الكبرى والهندسيات الاستراتيجية للبلد، وأنه مستمر في سياسة الجهاد التنموي واستراتيجية النيو ديل على الطريقة المغربية.
1ـ العقل الرسمي المغربي وتعزيز قوة الرأسمال الاستراتيجي والدبلوماسي داخل بنية السلطة
العقل الرسمي المغربي كان مقتنعا بأن الدخول في شاشة الرادار الخاص بالقرن الحادي والعشرين يتطلب العمل على توفير وسائل القوة على المستويين الاستراتيجي والدبلوماسي؛ وهو ما يتطلب العمل على تعزيز نوع معين من الرأسمال داخل بنية السلطة (السوسيولوجي الفرنسي بيير بورديو).
والمتتبع للشأن المغربي سيلاحظ أن العقل الرسمي المغربي يركز الآن على تعزيز أسهم العقل الاستراتيجي والدبلوماسي داخل بنية السلطة (دون أن ننسى أن العقل الرسمي المغربي يعرف أن السياسة تتطلب تعزيز أسهم الرأسمال الاستراتيجي والدبلوماسي، وكذلك أسهم العقل المالي والاقتصادي داخل بنية السلطة، مع القيام بذكاء بالتناوب بينهم فيما يتعلق بمن يقوم بدور القاطرة).
العقل الرسمي المغربي كان يعرف أن الموقع الاستراتيجي للمغرب يفرض عليه إتقان اللعب في المربع الدولي؛ وبالتالي ضرورة فتح نافذة -الأفق العالمي والدولي- السياسي الفرنسي الآن دو هامل سيؤكد أن وحدهم الرؤساء الذين لهم – أفق عالمي- من باستطاعتهم ترسيخ ما يطلق عليه -الرئاسية القوية والمبدعة.
في كتاب الجيوسياسية والجيواقتصادية العالمية سيؤكد الباحث جيرود ماكرين أن المغرب منذ سنة 2000 إلى اليوم عمل على نهج استراتيجية تستهدف العودة بقوة إلى الساحة الدولية معتمدا على (استثمار الموقع الجغرافي باعتباره حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا – استقطاب الاستثمارات الأجنبية – تفعيل سياسة الحدود في شقها المطارات والموانئ-تجهيز البنية التحتية – الاعتماد على الدور القوي للمؤسسة الملكية- الاقتصاد المتنوع) .
الرؤساء بأفق عالمي والرؤساء الذين يريدون اللعب مع الكبار يفرض عليهم التوفر على ما يطلق عليه “الخريطة الاستراتيجية العالمية للدولة”، مفهوم “الخريطة الاستراتيجية” أو “خريطة الطريق الاستراتيجية” هو مفهوم قدمه الباحثان في جامعة هارفارد روبير كابلان ودافيد نورتون، حيث أكدا على ضرورة التوفر على تصور يربط بين الاستراتيجية والوسائل (تصور خاص بالمقاولات ولكن تم تعميمه على باقي المجالات) التي تسند الاستراتيجية، وبعد ذلك قياس فعالية هذه الاستراتيجية.
في المفهوم السياسي، فإن الخريطة الاستراتيجية العالمية للدول تبقى مرتبطة بكون الحضور على الساحة الدولية ولعب دور أساسي فيها، يعتمد على القدرة على توفير الوسائل التي تسند هذه الاستراتيجية.
يحسب للعقل الرسمي المغربي في عهد الملك محمد السادس أنه اهتم بشكل أساسي بتصور مشروع للخريطة الاستراتيجية العالمية للمغرب، تعتمد بالأساس على (الثقة في عظمة وقوة المغرب -الموقع الاستراتيجي القوي يعني الدولة القوية – الدولة القوية يعني اللعب في مربع الدول الأقوياء -تعزيز الوحدة الوطنية – جعل الجغرافية الوطنية ورش كبير- تعزيز وسائل القوة التي يتوفر عليها الوطن- تقوية الاقتصاد-تقوية القدرة الدفاعية للبلد-تعزيز امتلاك التكنولوجيا- مؤسسة سياسية استراتيجية قوية (الملكية)).
ميزة التوفر على ما يطلق عليه “الخريطة الاستراتيجية العالمية” أنها تمكنك من التوفر على لوحة القيادة التي تخول لك اللعب بقوة في المربع الدولي. وهنا وجب التذكير أن الرؤساء المبدعين فقط والذين يتوفرون على رؤية واضحة فيما يتعلق بالخريطة الاستراتيجية العالمية لدولهم من ينجحون في تحسين الموقع الدولي لبلدانهم.
وفي هذا السياق سيؤكد التاريخاني الفرنسي مارسيل غوشيه أن وحده الرئيس الفرنسي ديغول من استطاع صنع الخريطة الاستراتيجية العالمية لفرنسا على المستوى الدولي وتفوق في ذلك، (رغم أن السياسي الفرنسي ريجيس دوبري سيؤكد أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول يحسب له رغم كونه لا يتوفر إلا على ورقة سفر ضمن الدرجة الثانية، إلا أنه سافر بفرنسا ضمن ركاب الدرجة الأولى معتمدا على حق الفيتو والسلاح النووي وفي غياب القوة الاقتصادية والمالية، وأن باقي الرؤساء الفرنسيين عجزوا وفشلوا في تحقيق الهدف. ونتيجة لهذا الفشل وهذا العجز تراجع الدور الفرنسي على المستوى العالمي).
قدرة ونجاح العقل الرسمي المغربي في بناء مشروع الخريطة الاستراتيجية للمغرب الجديد فتحت للمغرب الطريق نحو تقوية وتعزيز وتحسين دوره ومركزه على المستوى العالمي وفتحت الطريق كذلك نحو تنفيذ الأوراش التي تعزز وتخدم تنزيل استراتيجية الخريطة الاستراتيجية العالمية للمغرب الجديد، وجعلت بالتالي من الجغرافية الوطنية ورشا مفتوحا.
العقل الرسمي المغربي يعرف أن دستور 2011 يخول له تمثيل الشعب السيد وليس فقط الشعب المنتج والشعب المستهلك والشعب المدخر، أي الشعب المهتم أكثر بالانتظارات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالزمن الحاضر.
العقل الرسمي المغربي كان يعرف أن تمثيل الشعب السيد المكون من المواطنين (نساء ورجال) والذين يريدون بعيون مفتوحة صياغة مصيرهم الجماعي، يفرض عليه الإبداع في التخطيط للمشاريع والهندسيات الكبرى التي تعزز أفق الوحدة والتماسك من خلال ربط الحاضر بالمستقبل.
العقل الرسمي المغربي في عهد الملك محمد السادس عمل على ترسيخ استراتيجية تعتمد على ما يطلق عليه “المشاريع الكبرى”، مع العلم أن التأطير النظري لاستراتيجية المشاريع الكبرى تؤكد أن هذا الأخير قد اختار الاشتغال من داخل مربع “عقل التصور وعقل التخطيط”، مع العلم أن عقل التصور والتخطيط هو العقل الذي يعطي للشعوب الثقة في المستقبل وفي القادم ويعزز التماسك الوطني ويمنح التفاؤل المرتبط بالزمن القادم، (الصحافي الأمريكي دون كوك سيؤكد أن العقل الأمريكي هو عقل التصور والتخطيط بامتياز-النيوديل نموذجا).
انعقاد المجلس الوزاري الأخير وتخصيص موضوعه لتتبع الاستعدادات المتعلقة بورش مونديال 2030، رغم أن المغرب السياسي مشغول بصعوبات تدبير الزمن المالي (زمن المصادقة على مشروع القانون المالي للسنة المقبلة)، كان رسالة قوية من المؤسسة الملكية تتعلق بالاستمرار في العمل من داخل استراتيجية في الوقت نفسه (الاستراتيجي-اليومي)، ومن داخل هذه الثنائية أولوية الاستراتيجي على اليومي.
العقل الرسمي المغربي من خلال ترسيخ عقل التصور والتخطيط وعقل الهندسيات الكبرى والمشاريع الكبيرة، وترسيخ أولوية الاستراتيجي، كان يؤكد أن المواطن لا يعيش فقط بالخبز وكذلك المجتمعات لا تعيش فقط بالتدبير بل تعيش من خلال الأمل والثقة في المستقبل (وهنا نستحضر ما قاله السوسيولوجي الفرنسي إدغار موران حين أكد أن الحلم والأمل يجب أن يتجاوز الحلول البراغماتية المرتبطة بالتدبير اليومي)؛ مما يفرض الارتقاء بالفعل السياسي إلى المستوى الماكرو، نظرا لقدرته على التجميع وعلى ترسيخ إرادة العيش المشترك وقدرته كذلك على ترسيخ التفاؤل والثقة في المستقبل.
3ـ العقل السياسي المغربي والاعتماد على الطرق التدبيرية الحديثة المعتمدة على العقل والحساب
العقل الرسمي المغربي كان يعي أن القرار المتعلق بجعل “ملف الصحراء النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات” يتطلب استعمال مفاتيح تدبيرية جديدة لتنزيل هذه الاستراتيجية على أرض الواقع من خلال تنزيل ثنائية (الوسائل- الأهداف). وفي هذا السياق تم تفعيل مفتاح الحكم الذي يعتمد على استراتيجية استعمال العقل والحساب من خلال “وضع الأوراق الرابحة والأوراق القوية التي يمتلكها المغرب على الطاولة” من أجل تحديد علاقته الدولية.
العقل الرسمي المغربي كان مقتنعا بأن تقوية استراتيجية تنزيل الخريطة الاستراتيجية للمغرب الجديد تتطلب الانتقال من الحكم من داخل مربع “الثقافة التدبيرية التقليدية” إلى مربع “الثقافة التدبيرية الحديثة” من خلال التركيز على العقل والحساب والعمل على تفعيل الحكم من خلال لوحة إيكسيل، مع العلم أن هذا النوع من الحكم يعتمد على العقلنة ويعمل كذلك على التركيز على معطى المصالح ومعطى أوراق القوة ومعطى الأرقام المالية، والتعامل مع كل مشكلة باعتبارها معادلة رياضية تحتاج إلى الحل من خلال الجمع والطرح والفائض الإيجابي (الباحث بريس كورتيي في كتابه “الرئيس الفيلسوف” سيؤكد أن العالم اليوم يشهد وجود أنواع مختلفة من الحكام والرؤساء؛ الرئيس الفيلسوف- الرئيس المدبر- الرئيس صاحب لوحة إيكسيل، الرئيس المحاسب).
العقل الرسمي المغربي كان يعي بأن الاشتغال من داخل مربع التدبير الحديث يعني، بالأساس، التركيز على التدبير؛ من خلال استعمال العقل والحساب ولوحة إيكسيل التي توضح النتائج المحصل عليها.
اعتماد العقل الرسمي المغربي على الحكم من خلال العقل والحساب كان يستهدف التأكيد على أن ميزة الحكم من خلال مفتاح العقل والحساب تتمثل في القدرة على اتخاذ القرارات الصلبة والصائبة والقرارات التي يكون هامش الخطأ فيها ضعيفا، والقرارات البعيدة عن المزاجية والعواطف الشخصية. وفي هذا السياق نستحضر ما سبق أكد عليه الباحث في الشؤون السياسية الفرنسية آلان مينك حين أكد أن “الرجل الذكي والرجل الذي يعتمد على العقل والحساب لا يخطئ في تبني استراتيجية معينة وأن هذه الحقيقة مثبتة في عالم السياسة وعالم الأعمال”.
4ـ العقل السياسي المغربي ورسائل التعديل الحكومي
العقل الرسمي المغربي كان يعي أن تنزيل الخريطة الاستراتيجية للمغرب الجديد تحتاج إلى وسائل قوة تسندها وتعززها من خلال تعزيز النظام المؤسساتي المغربي وتعزيز المحيط وتعزيز وتفعيل المستوى الحكومي، سواء تعلق الأمر بزمن التعيين الحكومي المرتبط بزمن تحديد برنامج الفعل أو بزمن التعديل الحكومي الذي يستهدف إعطاء نفس ورفع سرعة الأداء والفعل الحكومي (من خلال نوعية الأشخاص الحكومية ونوعية عقول الأشخاص الحكومية ونوعية الثقافة التدبيرية التي يحملها الوزراء).
يعرف الباحثون المهتمون بالشأن العام حق المعرفة أن الأزمنة الاستثنائية والأزمنة النوعية في حياة الشعوب لا تحتاج فقط إلى رؤساء استثنائيين ...
مشاهدة السويني ي ش رح العقل الرسمي المغربي واستراتيجية اللعب مع الكبار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ السويني ي ش رح العقل الرسمي المغربي واستراتيجية اللعب مع الكبار قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، السويني يُشَرح العقل الرسمي المغربي واستراتيجية "اللعب مع الكبار".
في الموقع ايضا :
- السعودية فجر الأربعاء.. صور آثار شظايا صاروخي "كروز" اعترضا بالرياض وحريق محدود بمبنى إداري لأرامكو بالشرقية
- السعودية وتركيا وباكستان تفعّل اتفاقية الدفاع المشترك.. تحرك عسكري عاجل ونشر سريع للقوات
- وكالة: سماع دوي أصوات قوية قرب مقر “أرامكو” في مدينة الظهران بالسعودية وإخلاء المبنى
