لم أعدْ أفهم ما يحدث ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

في الكتابةِ كما في الحياة، لا أخالني متعصّباً لكل قديم، ولا متحجّراً تجاه كل جديد ومحدث. كم يطيب لي أن أتكيّف مع الشروط الجديدة للحياة، وكم يعجبني كل جديد خلاق يساهم في الانفتاح على ما يحدث في العالم من طفرات تُصبح مواكبتُها ضرورةً، لا يعني تجاهلُها سوى إصرارٍ غيرِ مبرّرٍ على العجز والتخلّف عما يتطلّبه الواقع من قيم ومعارف تقوم بديلاً لما تهالك واندثر. لكن، ما كلّ ما يخلقه الواقع الجديد، ويوحي بأهميته يستحق الأخذ بقيمه وتمثلها، خاصّةً إذا كانت تخالف قيماً أخرى أصيلةً لا تعوق حركةَ التطور في ثقافتنا المعاصرة. وهذا ما يبسط أمامي يومياً عدداً من المظاهر التي يصعُبُ على المرء أن يجدَ لها معنى يسوّغُ سيادتها أو حتى القبول بها.

لا أقصد أحداً بعينه، ولا تعنيني سلوكاتٌ معزولةٌ لأفراد قد أعرفهم ويعرفونني، لكنني أكتفي بالإشارة بسبّابتي المتعبة إلى ما يشين ثقافتنا من مظاهر تتجاوز الفردي الخاص إلى الجمعي العامّ.

وأنا أربأ بكاتبٍ عن تمريغ كرامته حين يستعطف رئيس جمعية أو مسؤولا عن مؤسسة ثقافية، ويطلب منه مستجدياً، بدون حياء، تنظيمَ توقيع لكتاب من كتبه، أو تكريمه تكريما تتوالى فيه خطبُ مدحٍ مملة لا معنى لها، يُتَوّج بإهداء المكرم الشامخ بورتري باهتاً لا يساوي ثمن قلم الرصاص الذي سوّده. في الحالة الأولى يبدو أن الكاتب أصبح شحاذا ثقافيا، وفي الحالة الثانية يبدو واهما حينما يكذب على نفسه ولا يبني قصورا شاهقة من رمال فقط، بل يورّط غيرَه في تشييدها وتلميعها في أعين الآخرين. وفي الحالتين معا، فإنّ الكاتب يتدنّى لدرجة يفقد معها أنفته وهو الأدهى والأمرّ.

أما في احتفاليات التكريم، فيثير انتباهي دائماً جيشٌ من الشعراء لا يضيّع فرصةً للمشاركة في عرس شعريّ بهيج، يتنافسُ مقاتلوه أمام المكرفون على إلقاء معلقاتهم احتفاءً بأنفسهم قبل الاحتفاء بغيرهم. وحسبي أنهم يعتقدون في قرارة أنفسهم، أنهم أولى بالتكريم من المحتفى به الجالس أمامهم منصتاً لإرغائهم وإزبادهم، مع أنه كان المفروض إلقاءُ الضوء على تجربته الأدبية، وإعطاؤه الوقت الكافي للقراءة والحوار وتأمّل منجزه من خلال تفاعله مع الحضور.

الأولى هي رغبة فاعلي الجهة المنظمة في إعطاء جمعيتهم هالة ما، وإيهام الجهات المانحة باتساع إشعاعها وامتداده إلى مثقفين ومبدعين خارج الوطن، مما يعطيها مصداقية أكثر.

هذا الاستهتار تنعكس عنه بوضوح نتيجتان مختلفتان، إحداهما هي ضحالة المنتوج الثقافي المقدّم للمتلقّي المتعطّش، وتكريس التفاهة نتيجةً لاضطراب الأهداف وغموض البرامج وارتجال المواقف تبعاً لما تمليه اللحظة. والثانية هي افتقادُ العمل الثقافي لشرعيته نتيجة ابتعاده عن خدمة أهدافه الحقيقية. والشكلان معا يقدّمان صورة رديئة للعمل الثقافي تساهم في تدنّيه، إن لم أقل انحطاطه، بدل تطويره وتنميته.

في سياق هذا التسيب، كثيرا ما أفاجَأُ في بعض القراءات للأعمال الأدبية، شعرية كانت أو قصصية أو مسرحية، أن هناك قارئا يتدخّل، فيتضح أنه لم يقرأ العمل موضوع النقاش أصلا، لكن ما يدفعه إلى المساهمة بزعيقه هو الرغبة في تسجيل حضوره بالقوة، واستعراض عضلاته في فضاء ليس حلبة لكمال الأجسام. في هذه الحال، غالبا ما تتحمّل النصوص ما لا يحتمل، ويخوض البطل في المدح والتمجيد، وكأنه ما حضر إلا لتشغيل الطبول والمزامير، ورش النص بألوان زاهية، ونثر الزهور على صفحاته والحال أن مهمة النقد مهمة أخرى غير هذه المهمة، إنه توليد لدلالات النص، وقول ما قاله خياليا وجماليا بأدوات تنتمي لمخبر رقيق لا يقلّ جمالا وتأملا.

[4] من جانب آخر، أستغرب من بعض الكتاب تصديقهم لأكاذيب شتى لا تخدم إلا الكسل والشعور بعلو الكعب، والانتشاء بوهم التحليق عاليا، منها أكذوبة “شهادات الاعتراف بالكفاءة” و”شهادات التقدير والتمجيد” التي تمنحها (مراكز أكاديمية للشعر والنقد والفنون وكل شيء)، تُنعت أحيانا بأنها وطنية وحتى دولية، وهي إن دقّقنا البحثَ ليست سوى مراكزَ وهميةٍ لا وجود ثقافي لها، ولا مصداقية لها إنْ وُجِدتْ. والغريب أن كثيراً من النرجسيين ينشرون هذه الشهادات مبتهجين في صفحاتهم منتظرين الاحتفاء بها بمئات اللايكات والتبريكات والتعليقات، جاهلين أن الاعتراف يكمن في ما تنجزه أنت لا في ما يأتي من الخارج كيفما كان.

[5] وأخيرا، ومع احترامي لكثير من الأساتذة الباحثين، فأنا لا أفهم اليوم إقدامَ بعضهم على نشر إعلانات عن مناقشة أطاريح جامعية يشرفون عليها، أو يشاركون في مناقشتها على صفحاتهم الخاصة، ثم نشر صورهم مع الطالب الباحث وأعضاء اللجنة الموقرة، وأسرة الطالب وأصدقائه. أفهم دلالة هذه التغطية حينما يقوم بها الطالب الباحث رغبة في توثيق لحظة فرح لا تتكرر، لكنني أستغرب تولي الأستاذ الباحث القيام بهذه الخدمة المجانية بالنيابة.

لا يختلف اثنان في أنّ لكلّ واحد منا انطباعات عابرة حول قضية أو حدث أو واقعة كيفما كانت طبيعتها، قد تتجاوز اهتماماته واختصاصه لكنها تثير انتباهَهُ فيهتبل الفرصة إذا سنحت للإدلاء برأيه في سطر أو ثلاثة، في جملتين أو أربع، دون أيما ادعاء لامتلاك الحقيقة كاملة، ولا مقاربتها مقاربة الجهبذ المتخصّص. لكن، من المضحك المبكي أنّ شريحة من جامعيّينا لا تقل غرابةً عن الشرائح السابقة، وأصبحت تغير نظاراتها في كل حدث أو مناسبة، وفقا لتغيّر الظروف والمناسبات، لاعبةً على الخصوص أحد دورين أو هما معا. فتارةً تلعب دور المفتاح السّحري الطيّع Passe-partout المناسب لفتح كل الأبواب المغلقة في النقاشات العمومية كيفما كانت، تناقش كلّ المواضيع بدون استثناء، وتحلّلها وتقترح لها حلولا بثقة عالية لا يملكها المتخصصون. وتارة أخرى تلعب دور البوق (بمعناه الموسيقي والصوتي معا)، فتكون تحت تصرف مايسترو سياسيّ أو ماليّ أو إعلاميّ، مستهدفةً توجيه الرأي العام وتحنيط الحقائق تارة والتشويش عليها أخرى، وذلك ليس بدافع المساهمة في نقاش عام، ولا استجابة لنزوع موسوعي داخلي مشروع، مما يجعلها نغمات مصطنعة ينقصها ثابتٌ أساسي يضفي عليها الشرعية والمصداقية هو ثابت الأصالة التي تقوم على قاعدةٍ ثلاثيةٍ صلبةٍ هي مزيج من المعرفة والعمق والصدق.

أعرف أنني عاجزٌ حتى عن فهم كثير مما يحدثُ من أمورٍ جادة لصيقة بتخصصي واهتماماتي، وبالأحرى فهم قضايا معقدة لا علاقة لي بها، أو سلوكات مستجدّة لم تشهدها العقود الثلاثة أو الأربعة التي عشتُها ثقافيا وجامعيا، مما يجعلُ لها معنى لدى بعض الفاعلين الطارئين لا يستطيع وعيي أن يرتقي إلى تأوّله وهو يتبخّرُ أمام عينيّ ويفقدُ دلالاته.

لم أعدْ أفهم ما يحدث Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة لم أعد أفهم ما يحدث

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ لم أعد أفهم ما يحدث قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، لم أعدْ أفهم ما يحدث.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار