yemenat
يمنات
محمد عبد الخالق
كنت في إجازة الصيف، قبل أن أنتقل من الصف الرابع إلى الخامس. كنت أحب القراءة أكثر من اللعب، ولذلك كنت أخرج من البيت منذ الصباح الباكر، وأتوجه إلى شارع المطراق، قرب ساحة باب مشرف. هناك، تحت ظل بلكونات عمارة السروري، كان يجلس العم سعيد، بائع كتب على الرصيف. كتبه ومجلاته القديمة مفروشة أمامه، وأنا أقرفص قربه، أتناول ما يجذبني من العناوين والألوان.
أكثر ما كان يشدّني مغامرات الشياطين الثلاثة عشر: أحمد من مصر، ليلى من لبنان، وقيس من السعودية. كنت أتمنى لو كان بينهم ولد من اليمن، يشبهني، واسمه محمد. وكنت أقرأ أيضًا مجلات روز اليوسف. كلها كانت مطبوعات قديمة، لكنها كانت عالمًا كاملًا بالنسبة لي، تعود عليّ العم سعيد. وجد فيّ مؤنسًا له، فلم يكن هناك زبائن، ولا حتى قرّاء بالمجان غيري. كان لطيفًا، ولم يسألني عن أبي أو بلادي. عرف اسمي فقط، وعرف أني طلعت الأول وانتقلت إلى الصف الخامس. كنا كلنا مهاجرين إلى الحديدة، ومن لهجته بدا لي أنه من الحجرية. ومع مرور الأيام، تمنيت أن آخذ كل ما هو مفروش على الرصيف، وحتى ما هو داخل الأكياس، وأقرأه في البيت وأنا مستلقٍ على سريري. وبينما كنت أحلم بذلك، خطرت لي فكرة عملية: لماذا لا أعمل وأكسب مالًا، ثم أعود إلى العم سعيد وأشتري ما يعجبني؟
لمعت الفكرة في رأسي، ولم أتأخر. أغلقت المجلة، وودعت العم سعيد، وكتمت في نفسي السر. كان في جيبي مئة ريال أعطاني إياها خالي وهو في طريقه من السعودية إلى البلاد. كانت المئة ريال في ذلك الوقت تساوي خمسة آلاف اليوم.
ذهبت إلى محل يبيع الفواكه القادمة من الجبل: عنب، بلس، وغيرها. قررت أن أبيع بلس، لأنه لا يفسد بسرعة. اشتريت سلة أستطيع حملها على ظهري. حاولت المفاصلة، فغضب البائع، ورمى السلة على الأرض، وتناثرت حبات البلس. حاولت جمعها، رغم أنه هو الغاضب وهي بضاعته. عاد إلى رشده، وحلف ألا ينقص فلسًا. أخذت السلة، وخرجت. وقفت في الطريق أفكر: أين أبيع؟ كيف أقدم البضاعة؟ هل أقف طوال النهار؟ أم ألفّ بالسلة في الأزقة؟ لم أتأخر في إيجاد الإجابات. عند أول مفرش لبائع متفرقات، وجدت سكينًا تصلح لقطع البلس. اشتريتها. عرض عليّ قفازات، فرفضت. في الطريق إلى البحر، مررت بجوار بائع التوابل المعروف عند والدي. كان رجلًا طيبًا. سلمت عليه، وسألته إن كان يسمح لي أن أقف أمام محله. رحّب، ووجدت زاوية فيها ظل، ووقفت. كنت بشوشًا، أبتسم للمارة. حسبت سعر البيع بسرعة، بحيث أربح عشرة ريالًا في النهاية. وكنت أزيد واحدة لمن يشتري عشرًا. لم تمر دقائق حتى جاء أول زبون، ثم صبي، ثم عجوز. تقاطر عليّ الزبائن، وبدأت قطرات الدم من شوك البلس تخرج من بين أصابعي. أذن الظهر، وخرج الناس للتبضع لغدائهم كما هو المعتاد في الحديدة. تشكلت طوابير صغيرة على بضاعتي. لم تصل الساعة الثانية حتى نفد الكيس.
حسبت الربح، فكان تسعة ريالات. ربح كبير بالنسبة لي. تخيلت كم كتاب ومجلة سأشتري من العم سعيد. ربما ربع المفرش. بدأت أحلام أخرى تظهر: نصف دجاجة محمرة، علبة زيت الزيتون، الجبنة البيضاء التي ظهرت مع المغتربين، عشاء الكبدة المحرقة. أحلام كثيرة. وتذكرت أن عليّ شراء بنطلون مثل بقية الأولاد، بدل تلك الفوطة الباهتة. ذهبت إلى محل ملابس، وجربت سراويل جاهزة، ووجدت واحدًا مناسبًا. أعجبني. عدت به إلى البيت، ومعي كفايّا المجروحتين وسكين وكيس فارغ. كان أبي قد عاد من عمله، وخالي ما زال ضيفًا. حكيت لهم بفخر ما فعلته، واريتهم السروال الأزرق المائل للغبرة. لم أكمل فرحتي حتى اعترضا عليه، وطلبا مني إرجاعه. لم يقولا السبب، لكني فهمت لاحقًا أنه مخطط بالطول، وهذا يعني بناتي.
أعدت السروال، واعتذرت للبائع. عدت إلى البيت، وعالجت أمي أصابعي بالنار. سألوني إن كنت سأعود غدًا للبيع، وكنت في غاية الحماس. في اليوم التالي، ذهبت مبكرًا، ولم أكن موفقًا. لم يخرج الناس بعد للتبضع. مللت الوقوف. أغلقت الكيس، وذهبت إلى شارع المطراق. اشتريت كرسيًا صغيرًا، وذهبت إلى العم سعيد، واشتريت مطبوعة من مغامرات الشياطين الثلاثة عشر، ومجلة روز اليوسف. حكيت له أني أبيع بلس. دعا لي بالتوفيق. عدت إلى مكاني، وجلست أقرأ. لم أبع إلا قليلًا. تركت القراءة، ووقفت أعرض البضاعة. لم يتحرك السوق. قررت تغيير المكان. حملت الكيس، وذهبت إلى بوابة سوق السمك. جلست هناك. فجأة، وقع طير بحري ما في بطنه على رأسي. ارتبكت. مسحت راسي بالقميص، وانسحبت فورًا. وعدت إلى البيت مع متر، والكيس شبه ممتلئ. تم توزيع البلس على الجيران كهدية، وانتهى مشروع البلس. لم أتخلّ عن مشاريعي. فكرت بعمل آخر، حتى لو كلفني كرة القدم وفريق العمالقة. كنت المدرب. بعد العصر، كنا نتمرن. حمود كابتن، فاضل رئيس، والبقية حارس ودفاع وهجوم. ثم فكرت في مشروع الكيرم. اشتريت اللوح وتناك كمقاعد. وضعت اللعبة في أول ركن مظلل في الحي. جاء الأولاد، ولعبوا بثمن زهيد. كنت أربح ريالين أو ثلاثة في اليوم. ربح قليل، لكنه ثابت. اشتريت منه كتيبات ومجلات.
إلى أن جاء يوم، وغيّرت المكان إلى زاوية أخرى لها ظل أكثر. جاءت المصيبة. رجل قوي البنيان، أسمر البشرة، عاري الصدر، يحمل صميلًا. صرخ علي، ضرب بصميله، بوحشية على كل التناك. لم يكن مجنونًا، ولم أفعل له شيئًا. قال إن أولاده يلعبون عندي بفلوسهم بدل أن يشتروا بطاطس. عدت إلى البيت مرعوبًا. ذهب أبي إليه، أعزل، وصافحه، وقال له: أي اعتداء آخر على ابني ثمنه حياتك. تلعثم الرجل، وهدأ.
قلت لأبي إنني لا أريد الكيرم. أفضل كرة القدم ومساعدته في عمله ،والذهاب للقراءة عند العم سعيد. وهكذا قضيت ثلاث إجازات صيفية، حتى بدأت مشروعًا تجاريًا ناجحًا في بيع التوابل، أبيع بالتجزئة لأصحاب الدكاكين مع التوصيل.
المخزن كان في بيتنا، والمواصلات، أولا بالسيكل الذي أهداه لي عمي من السعودية، ولاحقا فوق متر اشتريته من أرباح المشروع. استمر المشروع أربع سنوات، وتحققت كل الأحلام، وصرت أذهب إلى العم سعيد وأشتري الكتب والمجلات التي أريدها، وادفع ما يطلبه من ثمن دون مفاصلة.
كنت أعود إلى البيت ومعي ايضا مطبوعات جديدة، وأقرأها على مهلي، وأشعر أن الطريق الطويل الذي خضته كان يستحق كل خطوة.
yemenat
مشاهدة ما حصل لي من أجل شراء الكتب
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما حصل لي من أجل شراء الكتب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما حصل لي من أجل شراء الكتب؟!.
في الموقع ايضا :
- الحرس الثوريّ الإيرانيّ: أشعلنا النار في خزانات وقود ومستودعات ذخيرة في قاعدة الأمير حسن الجوية في الأردن عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة عاجل
- مواعيد مباريات نصف نهائي كأس العالم 2026 والقنوات الناقلة.. مواجهتان ناريتان بين فرنسا وإسبانيا وإنجلترا والأرجنتين
- بريطانيا تخصص 250 مليون جنيه إسترليني لتعزيز حماية المجتمع اليهودي