المصطفى ولد البو– كاتب صحفي
عندما يُطلب من المسؤول عن الاتصال في المؤسسات، سواء كانت شركات، أو قطاعات حكومية، وضع “استراتيجية اتصال” واضحة المعالم، يتحول هذا المطلب في نظره إلى تحد وعبء ثقيل ومتاهة مليئة بالمصطلحات الأكاديمية والنماذج النظرية المعقدة، انطباع يجعله يفضل دائما البقاء في مربعه الآمن والذي يحصر الاتصال في تحديث الصفحات الرسمية بأخبار وتقارير حول الأنشطة .
لكن الحقيقة أن هذا التصور مبالغ فيه خاصة من حيث التعقيد، فوضع استراتيجية اتصال فعّالة لا يستلزم بالضرورة إحاطة شاملة بنظريات الاتصال أو مهارة أكاديمية استثنائية، بقدر ما يستلزم وضوحا في التفكير، وانضباطا في طرح الأسئلة الصحيحة بالترتيب المناسب.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة الخطة بقدر ما يكمن في تنفيذها والحفاظ على تماسكها مع مرور الوقت، فمن دون استراتيجية واضحة يمكن الرجوع إليها وتقييمها، تتحول جهود الاتصال إلى نشاط خاو ومن دون خيط ناظم يفسر لماذا نقوم بكل هذا، ولمن نوجهه أصلًا.
من أكثر الأخطاء شيوعا في هذا المجال هو الخلط بين “الاستراتيجية” و”التكتيك” فغالبا ما تُعرض على صناعالقرار وثيقة تحمل عنوان “استراتيجية اتصال”، بينما الحقيقة أنها ليست أكثر من جرد للأنشطة كأن تشير إلى إعلام هنا، فعاليات هناك، موقع إلكتروني وحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي فهو برنامج لا يخدم المؤسسة إلا من باب “الحضور الرقمي” فقط.
تكمن قوة أي إطار عملي حقيقي في بساطته، وفي قابليته للفهم من قبل الجميع، لا من المتخصصين وحدهم.، فالاستراتيجية التي لا يفهمها إلا خبير الاتصال الذي صاغها، من الصعب أن تحظى بالدعم الكافي من بقية المؤسسة لتنفيذها بفعالية، ومن هنا تنبع أهمية تنزيلاستراتيجية الاتصال بأكملها في أربعة مراحل مترابطة ومتسلسلة منطقيا، بحيث يمكن لأي فرد في المؤسسة، من كبار المسؤولين إلى أصغر موظف في فريق التواصل، أن يفهم هذه المراحل ويناقشها بثقة، بل ويساهم في صياغتها وتطويرها.
هذا الفهم المشترك ليس جزئية شكلية أو هامشية يمكن الاستغناء عنها، بل هو شرط أساسي لنجاح أي استراتيجية على أرض الواقع. فمهما بلغت دقة الخطة، إلا أنها ستبقى من دون أثر حقيقي وملموس ما لم يشارك في التعليق عليها وتقييمها كل طاقم العمل، لأن الاستراتيجية التي تُفرض من أعلى دون مشاركة حقيقية من الفرق المنفذة، مصيرها غالبا أن تبقى حبيسة الأدراج.
وفيما يلي المراحل الأربعة التي يقوم عليها الاتصال المؤسسي:
المرحلة الأولى والثانية تحديد الجمهور وصياغة الرسائل:
بعد أن يحدد الجمهور وأهدافه بدقة في المرحلةالأولى، تأتي المرحلة الثانية والتي تقوم على:
ماذا نقول للجمهور؟ وهو سؤال يتضمن ثلاثة عناصر مترابطة:
– تحديد ما ينبغي قوله لكل جمهور، بلغة تناسبهومستوى تفصيل يلائم اهتمامه. – التأكد من أن هذا الخطاب يتناغم ويتواءم معالاحتياجات الفعلية لهذا الجمهور، لا مع ما تتصورالمؤسسة أنه يهمه. – التفكير في كيفية دفع هذا الخطاب للجمهور إلىالتصرف بطريقة تخدم أهداف المؤسسة، سواء كانذلك عبر التبرع، أو المشاركة، أو التغطية الإعلامية،أو التأييد السياسي، أو غير ذلك من أشكالالاستجابة المرجوة.المرحلة الثالثة: تصميم محفظة الاتصال
بعد تحديد الجماهير والرسائل، يأتي السؤال العملي الثالث: بأي أدوات وقنوات سنوصل هذه الرسائل؟ هنا يجري اختيار المنتجات والأنشطة والقنوات الاتصالية الملائمة، بحيث:
– تلائم تفضيلات كل جمهور في طريقة تلقّي المعلومة؛فبعض الجماهير يفضل التقارير المكتوبة المفصلة،وبعضها الآخر يفضل المحتوى المرئي المختصر،وبعضها الثالث لا يتلقى المعلومة إلا عبر لقاءاتمباشرة أو مؤتمرات متخصصة. – تحقق أقصى قدر من التكامل بين القنوات المختلفة،بحيث لا يعمل الموقع الإلكتروني بمعزل عن حساباتالتواصل الاجتماعي، ولا تعمل النشرة الإخباريةبمعزل عن الفعاليات الميدانية، بل تتكامل جميعهاضمن رحلة تواصلية واحدة متناسقة. – تعيد استخدام المحتوى بكفاءة، بدل إعادة إنتاجه منالصفر في كل مرة، فتقرير واحد معمّق يمكن أنيتحول إلى سلسلة منشورات مختصرة، وإلى مادةلمؤتمر صحفي، وإلى محتوى لنشرة إخبارية، دونالحاجة إلى إعادة الكتابة الكاملة في كل مرة.المرحلة الرابعة: آلية التحسين المستمر
الخطوة الرابعة والأخيرة، وهي التي تُغفَل غالبا رغم أهميتها البالغة، تضع إطار المتابعة والتقييم الذي يحوّل الاستراتيجية من وثيقة ثابتة إلى عملية حية متجددة، وتتضمن هذه الخطوة الإجابة على أسئلة من قبيل:
– ماذا نقيس تحديدا، ولماذا نقيس هذا بالذات دونغيره؟ فليس كل ما يمكن قياسه (كعدد المتابعينمثلًا) ذا دلالة حقيقية على تحقيق الأهدافالمنشودة. – متى تُراجَع النتائج؟ فالمراجعة الدورية المنتظمة(شهرية أو ربع سنوية مثلًا) أكثر فعالية من المراجعةالعشوائية غير المجدولة. – منالمسؤول عن التصرف بناءً على هذه النتائج، وكيفيتم ذلك عمليا؟ فالقياس من دون آلية واضحةللتصرف بناء على نتائجه يبقى مجرد جمع بياناتعقيم لا يخدم تحسين الأداء الفعلي.إن نجاعة استراتيجية الاتصال لا تُقاس أبدا بعمق أسسها النظرية بل تُقاس حصرا بمدى قابليتها للتطبيق الفعلي داخل مؤسسة حقيقية، بفريق حقيقي محدود العدد، وبموارد مالية وبشرية محدودة كذلك. فالاستراتيجية التي تتطلب فريقًا متخصصًا من عشرة خبراء لتفسيرها وتطبيقها، لا قيمة عملية لها في مؤسسة لا يتجاوز فريق اتصالها شخصًا أو شخصين.
وحين تُختزل الاستراتيجية في أربعة مراحل مترابطة ومفهومة، يتحول التخطيط الاتصالي من تمرين نظري معقد يستنزف الوقت والجهد دون طائل، إلى أداة عمل يومية عملية، يمكن لأي مؤسسة، مهما كان حجمها أو طبيعة نشاطها، أن تتبناها وتطورها تدريجيًا مع مرور الوقت واكتساب الخبرة.
إن نجاح أي استراتيجية اتصال لا يبدأ من كثرة الأنشطةالمنفذة أو تنوع القنوات المستخدمة، بل يبدأ من وضوحالإجابة عن أربعة أسئلة مترابطة ومتسلسلة منطقيًا: منهو الجمهور المستهدف تحديدا، وما احتياجاته الفعلية؟وما الرسالة التي تلائم هذا الجمهور بالذات وتدفعه إلىالتصرف كما نريد؟ وما القنوات والأدوات الأنسب لإيصالهذه الرسالة إليه بكفاءة؟ وكيف نقيس أثر كل هذا،ونحسّنه باستمرار بناءً على أدلة فعلية لا على انطباعاتعابرة؟
حين تتم الإجابة على هذه الأسئلة الأربعة بوضوح، وحين يشارك في صياغة الإجابات عليها كل فريق العمللا فريق الاتصال وحده، تتحول الاستراتيجية إلى بوصلة يومية توجه عمل المؤسسة الاتصالي بأكمله، وتمنحه معنى واتساقا يتجاوز مجرد تراكم الأنشطة وهذا هو ما ينبغي أن تحققه أي استراتيجية اتصال ناجحة: أن تحوّل الجهد المبعثر إلى تقدّم حقيقي وقابل للقياس نحو تحقيق أهداف المؤسسة الكبرى.
1
مشاهدة الاتصال المؤسسي بين التبسيط و التعقيد
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الاتصال المؤسسي بين التبسيط و التعقيد قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحراء ميديا ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الاتصال المؤسسي بين التبسيط و التعقيد.
في الموقع ايضا :