حكاية اللبن المغشوش ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (سوداني نت) -

كشف ضبط كميات من الألبان غير الصالحة للاستهلاك الآدمي بمنطقة جبل أولياء الأثنين الماضي، عقب بلاغ مواطن عبر الرقم الموحد لحماية المستهلك (5960)، القضية تتجاوز المخالفة التجارية إلى مسؤولية الدولة في حماية صحة المواطنين وضبط الأسواق. وتُحسب للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس سرعة الاستجابة، التي قادت بالتنسيق مع الجهات المختصة إلى ضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية، تأكيدًا على أهمية الرقابة ووعي المجتمع.

فالألبان غذاء يرتبط مباشرة بصحة الأسرة، خاصة الأطفال، ويمثل جزءًا أساسيًا من معاش الناس اليومي. وعندما يشتري المواطن سلعة أساسية من دخله المحدود ثم يكتشف أنها غير آمنة أو مغشوشة، فإن الخسارة لا تكون مالية فقط، بل تمتد إلى تهديد صحته وضرب الثقة بينه وبين السوق والمؤسسات التي يفترض أن تحميه.

وتزداد خطورة الأمر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السودانيون، حيث أصبح الحصول على الاحتياجات الأساسية يستنزف جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة. فاللبن الذي يتراوح سعر الرطل منه بين 2200 و2500 جنيه لم يعد سلعة استثنائية في قائمة المشتريات، بل أصبح عبئًا يوميًا على كثير من الأسر، خصوصًا تلك التي لديها أطفال او كبار سن يحتاجون إلى التغذية المستمرة. لذلك فإن غش هذه السلعة لا يمثل مجرد مخالفة اقتصادية، وإنما اعتداء على غذاء المواطن و استنزاف لقدرته الشرائية.

لكن السؤال الذي تفرضه قضية الألبان لا يتعلق فقط بضبط اللبن المغشوش، بل بكيفية وصول هذه السلعة الأساسية إلى المواطن منذ البداية. فلماذا ما زال جزء كبيرا من تداول الألبان يعتمد على البيع العشوائي عبر عربات الكارو أو المركبات المتهالكة التي تفتقر إلى أبسط اشتراطات النقل الصحي، بينما انتقلت كثير من الدول إلى أنظمة أكثر أمانًا تعتمد على التعبئة المعقمة، وسلاسل التبريد، والعبوات المعتمدة، والتتبع الكامل للمنتج.

القضية ليست في البائع وحده، بل في منظومة اقتصادية تحتاج إلى إعادة تنظيم، فاستمرار تداول الألبان بوسائل تقليدية يكشف فجوة بين المنتج والمستهلك وغياب الحلقة التي تضمن السلامة والجودة. والحرب لم تصنع كل هذه الاختلالات، بل كشفت ضعفًا قائمًا في سلاسل الإنتاج والتعبئة والنقل والتخزين. لذلك يجب إصلاح ما كان مختلًا، لا مجرد إعادة تشغيله.

حماية المستهلك لا تعني محاصرة المنتج الصغير، بل مساعدته على الانتقال إلى منظومة أكثر أمانًا وتنظيمًا، فالاقتصاد الجيد يحمي المواطن والمنتج معًا من الغش والمنافسة غير العادلة. وهنا تبرز أهمية دور هيئة المواصفات والمقاييس في بناء منظومة وقائية تضمن سلامة الغذاء من الإنتاج إلى التعبئة والنقل والتخزين، لا الاكتفاء بملاحقة المخالفات.

فالمواصفات ليست مجرد ختم على سلعة أو إجراء إداري، وإنما هي لغة الدولة الحديثة في تنظيم السوق. وكل سلعة تصل إلى المواطن يجب أن تكون خاضعة لمنظومة من الفحص والاعتماد والتتبع، لأن صحة الناس ليست مجالًا للتهاون. كما أن بناء نظام رقابي فعال يحتاج إلى الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة عبر قواعد بيانات للمنتجين، وشهادات إلكترونية، وأنظمة تتبع تساعد في معرفة مصدر السلعة ومسارها.

لم يعد الأمن الغذائي يقاس بوفرة الإنتاج وحدها، بل بقدرة الدولة على ضمان غذاء آمن للمواطن. فالغذاء غير المأمون لا يهدد الصحة العامة وحدها، بل يقوض الثقة في مؤسسات الدولة، لتغدو سلامة الغذاء أحد مرتكزات الأمن القومي، لا مجرد قضية خدمية.

غير أن هذه المهمة تتجاوز مسؤولية الهيئة السودانية للمواصفات وحدها، وتستدعي شراكة متكاملة بين الجهات الرقابية، و”مباحث التموين”، والنيابة المختصة، وسلطات المحليات، ولجان الأسواق، والتجار، والمجتمع. فالسوق المنضبط لا تصنعه الحملات وحدها، بل يصنعه القانون والرقابة والوعي، بما يعزز الالتزام ويحفظ ثقة المستهلك.

وفي هذه المعركة، يبرز دور الإعلام التنموي باعتباره شريكًا مهما في حماية المجتمع. فالإعلام لا ينبغي أن يكتفي بكشف المخالفات بعد وقوعها، وإنما عليه أن يسهم في بناء وعي عام بحقوق المستهلك، ومخاطر السلع غير المطابقة، وأهمية التبليغ، وتحويل السلامة الغذائية إلى ثقافة مجتمعية.

أثبتت واقعة ضبط الألبان في جبل أولياء أن بلاغًا من مواطن واعٍ قد يحمي مجتمعًا بأكمله، مؤكدةً أن بناء الدولة يبدأ بالشراكة بين المواطن والمؤسسات. فإعادة الإعمار لا تقتصر على تشييد البنى التحتية، بل تبدأ باستعادة الثقة عبر غذاء آمن وأسواق منضبطة تحمي الإنسان. لذلك، وكما تؤكد التجارب العالمية، تمثل سلامة الغذاء استثمارًا في الوقاية، يخفض كلفة العلاج على الأسرة والدولة، ويُسهم في بناء مجتمعٍ معافًى ومنتجٍ.

وتبقى المفارقة الكبرى، بحسب #وجه_الحقيقة، أن بلدًا يمتلك واحدة من أكبر الثروات الحيوانية في أفريقيا ما زال يعاني فجوة بين وفرة الموارد وضعف منظومة الغذاء. فحكاية اللبن المغشوش، انعكاس لحاجة السودان إلى الانتقال من اقتصاد الموارد الخام إلى اقتصاد الإنتاج والمعايير والثقة. فبناء الدولة يبدأ من حماية الإنسان… من غذائه وحقوقه ومستقبل مائدته.

دمتم بخير وعافية.

الخميس 16 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

حكاية اللبن المغشوش سوداني نت.

مشاهدة حكاية اللبن المغشوش

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حكاية اللبن المغشوش قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سوداني نت ( السودان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حكاية اللبن المغشوش.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار