"هجوم على الحدود" .. لحجمري يسائل اللغة والهوية في تجربة سليماني ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ويتوقف لحجمري في مقال بعنوان “محكمة اللغات” عند الكيفية التي تتحول بها اللغة من أداة للتواصل إلى معيار للاعتراف الاجتماعي، ورمز للذاكرة، وساحة تتقاطع فيها أسئلة الاستعمار، والهجرة، والاندماج، والسلطة، مستعرضًا ما تثيره تجربة سليماني من إشكالات تتجاوز حدود السيرة الفردية لتلامس قضايا ثقافية وإنسانية أوسع.

هنا يتقدم الأدب بوصفه مساحة لاستعادة ما ضاع. يمنح الخجل اسماً، ويمنح الذاكرة صوتاً، ويعيد الكلام إلى من دفعهم العنف الرمزي نحو الصمت. هكذا يتحول “هجوم على الحدود” إلى حكاية عن الإنسان حين يصبح لسانه قدراً اجتماعياً وسياسياً، وعن الهوية حين تنمو في منطقة مضطربة بين الفقد والانقسام والرغبة في الاعتراف. ومن قلب هذه التجربة الفردية ينهض سؤال قاسٍ: كيف يبني الإنسان انتماءه بين لغة فقدها جزئياً، ولغة أنقذته من الصمت ولم تنقذه تماماً من الغربة؟

العربيّة التي تسكُنُني ولا أمْتلِكُها

في تلك اللحظة، تخلع العربية صورة اللغة الأم، وترتدي ثوب القاضي. لا يكفي الاسم، ولا الأصل، ولا ما تختزنه الذاكرة من صور بعيدة؛ فالمجتمع يطلب برهاناً منطوقاً، ويريد من اللّسان أن يشهد لصاحبه. وحين تعجز المتكلمة عن استدعاء الكلمات، لا تشعر أنها أخفقت في امتحان لغوي عابر، وإنما تحس أنها خسرت قضيتها الوجودية. لقد صار الكلام وثيقة انتماء، وصار الصمت قرينة إدانة. ويمنح المشهد هذا العجز جسداً كاملاً. يجف الحلق، تتعرق اليدان، تقترب الدموع، ويرتجف الصوت أمام سلطة لا تعترف إلا باللغة التي تفرضها. لا يكتفي النص بتسمية العار أو الخوف، إذ ينقلهما إلى الجسد ويجعل القارئ يلمس ثقلهما. هكذا تغدو اللغة تجربة عضوية مؤلمة، لا فكرة ذهنية محايدة، ويصير فقدانها نوعاً من العري أمام المحكمة والمجتمع والذات. غير أن هذا العار لا ينشأ من إهمال شخصي أو كسل في تعلّم العربية. وراءه تاريخ عائلي وسياسي طويل. دخل الأب المدرسة الفرنسية في زمن الاستعمار، ووجد في لغة المستعمر سلّماً للصّعود الاجتماعي، ثم بدأ خيط العربية يضعف داخل البيت جيلاً بعد جيل. لا تحاكم سليماني أباها، لأنها تدرك أن اختياره لم ينبت في فراغ؛ صنعته مؤسسة استعمارية رفعت لغة ومنحتها السلطة، ودفعت اللغات الأخرى نحو الهامش. لقد اختار الأب طريق النجاح المتاح أمامه، ودفع الأبناء لاحقاً ثمن ذلك الاختيار من ذاكرتهم اللغوية. من هنا تنكشف الخسارة في أكثر صورها مرارة: منحت الفرنسية العائلة مكانة اجتماعية وأفقاً أوسع، وأخذت في المقابل جزءاً من صلتها بالعربية. لذلك لا تظهر الفرنسية عدواً واضح الملامح، ولا تتحول العربية إلى فردوس مفقود يخلو من التناقضات. تحمل الفرنسية إمكان الكتابة والتّرقي والتّحرر، وتحملُ معها أثر الهَيمنة والانقطاع. وتحفظ العربية ذاكرة الأصل والحميمية، ثم تقف أحياناً بوصفها سُلطة تطالب أبناءها بما لم تمنحهم فرصة امتلاكه. وبين اللُّغتين تتشكَّل علاقة شائكة، تمنح وتنتزع، تفتح الأبواب وتترك وراءها فراغاً، وتحوّل النجاح نفسه إلى تجربة مَشُوبة بالخَسارة.

غير أن الزمن يفسد براءة هذا المشهد. تكبر الطفلة، ويكبر معها الوعي بأن المجتمع لا يصغي إلى كل اللغات بالأذن نفسها. بعض الألسنة يدخل المؤسسات مرفوع الرأس، وبعضها يبقى عند الأبواب. تحتفظ الدارجة بحرارتها وقربها من الفكاهة والشعر، ثم تصطدم بمدرسة وإدارة لا تمنحانها شرعية كاملة. تحمل الأمازيغية ذاكرة الأرض وأصوات جماعات واسعة، ثم تقضي زمناً طويلاً على هامش الاعتراف. ترتدي العربية الفصحى مهابة المقدس والرسمي، فتقترب من المنبر والكتاب أكثر مما تقترب من الحياة الحميمة. أما الفرنسية، فتدخل المشهد بثقة لغة تعرف موقعها جيداً؛ لغة المدرسة والطبقة والنجاح والامتياز. هنا يكشف النص أن اللغة لا تصنع قيمتها وحدها. تتدخل المدرسة والإدارة والسوق والنخبة، فتمنح لساناً سلطةً وتترك آخر في الهامش. لا تقيس المؤسسات جمال اللغة ولا عمق ذاكرتها؛ تقيس مقدار ما تفتحه من أبواب، وما تمنحه من فرص، وما تشير إليه من طبقة ومكانة. لهذا تحمل الفرنسية في تجربة سليماني وجهين متناقضين: ترفع صاحبها في السلم الاجتماعي، وتمنحه الاعتراف، ثم تترك بينه وبين ذاكرته الأولى مسافة يصعب ردمها. إنها تفتح الطريق إلى العالم، وتدفع في الوقت نفسه جزءاً من الوطن الداخلي إلى الخلف. بهذا المعنى، يسقط وهم البراءة اللغوية. فما إن تدخُل اللُّغة مجال السُّلطة حتى تخلع حيادها، وتتحول إلى شارة اجتماعية، وقرينة على الأصل، ومفتاح للدخول أو سبب للمنع. لا يختار الفرد دائماً الموقع الذي تمنحه إياه لغته؛ تختاره المدرسة أحياناً، وتفرضه الطبقة، وترسخه نظرة المجتمع. قد يكفي نطق كلمة واحدة حتى يضع الآخرون المتكلم في خانة جاهزة، وقد تكفي نبرة عابرة حتى يستدعي السامع تاريخاً كاملاً من الأحكام المسبقة. وتبلغ المفارقة ذروتها حين تصل سليماني إلى فرنسا. تدخل البلد وهي تحمل ثقافته في ذاكرتها، وتتكلم لغته كما لو أنها عاشت داخلها منذ الطفولة. تتوقع أن تعثر هناك على جزء مألوف من ذاتها، ثم تكتشف أن الملامح سبقت السيرة، وأن الجسد وصل إلى المحكمة قبل أن تصل الكلمات. يراها الآخرون عربية قبل أن يسمعوا فرنسيَتها، فتنهار أمام سلطة النظرة فكرة الاندماج الثقافي الكامل. لقد أتقنت اللغة، وقرأت الأدب، وحفظت الرُّموز، غير أن الوجه ظل في أعين بعضهم وثيقة أقوى من كل ذلك.

ثم يأتي الحادي عشر من سبتمبر، فتتغير طبيعة الجرح. لم تعد العربية تقف وحدها أمام ضعف التعليم أو صراع الطبقات، إذ دفعتها الخطابات السياسية والإعلامية إلى قفص الشبهة. يلتصق بها العنف، وتحاصرها صور التطرف، ويغدو صوتها في المخيال العام إنذاراً قبل أن يكون معنى. لم تعد اللغة تنقل قصيدة أو حكاية أو فكرة؛ صارت في أعين كثيرين دليلاً أمْنياً، وعلامة تُستدعى معها الريبة والخوف. يقاوم نص سليماني هذا الاختزال، ويعيد إلى العربية وجوهاً حاولت تلك الخطابات محوها. يستحضر لغة الترجمة والفلسفة، ولغة المدن المتوسطية التي عبرتها الأديان والثقافات، ولغة الفن والحب والفرح. يذكّر القارئ بأن اللسان الذي اختصره الإعلام في صورة الخطر حمل قروناً من المعرفة والاختلاط والابتكار. وحين تحصر السياسة العربية في العنف، فإنها لا تشوه صورة لغة فحسب؛ إنها تمحو ذاكرة كاملة، وتدفع أبناءها إلى إخفاء محبتهم لها، كأن الاعتزاز بها تهمة تحتاج إلى تبرير. في هذا الموضع، يتجاوز النص حكاية كاتبة موزعة بين لغات عدة. إنه يكشف كيف يصنع المجتمع من اللغة سلماً طبقياً، وكيف تحوّل السياسة لساناً كاملاً إلى موضع اشتباه، وكيف يضطر الإنسان إلى الدفاع عن حقه في حب اللغة التي تسكنه. ومن بين هذه التناقضات ينهض سؤال حادّ: ماذا يبقى من حرية الفرد حين يحدد الآخرون قيمته من نبرته، ويقرأون تاريخه في ملامحه، ويطلبون منه أن يبرهن كل يوم أن لغته ليست جريمة؟

الفرنسية: غنيمة أم مأزق؟

بهذا الخيار، تخرج اللغة من القاموس وتدخل إلى التجربة الإنسانية. لا تعود مجرد أداة تنقل بها الأفكار، وإنما تصبح طريقة في رؤية العالم، واختباراً لعلاقة الإنسان بمن يختلف عنه. فكل لغة جديدة تفتح نافذة لا تطل على الكلمات وحدها؛ إنها تكشف نظاماً آخر في التفكير، وإيقاعاً مختلفاً للحياة، وطريقة مغايرة في تسمية الأشياء وفهمها. لذلك تنظر سليماني إلى تعلّم اللغة الأجنبية بوصفه درساً في التواضع قبل أن يكون مهارة تضاف إلى السيرة الذاتية. حين يتكلم الإنسان بلغة لا يملكها تماماً، يفقد شيئاً من سلطته المعتادة. يبحث عن كلمة فتفلت منه، ويبدأ جملة ثم يتراجع، ويضع ثقته في صبر من يصغي إليه. عندها يختبر هشاشته من دون ستار، ويتعلم أن الخطأ لا ينتقص من إنسانيته، وأن الفهم يحتاج أحياناً إلى بطء ورحمة وانتباه. هكذا تحرر اللغة الأجنبية المتكلم من وهم السيطرة، وتجعله أكثر استعداداً لقبول ضعف الآخرين حين يتعثرون أمامه بالطريقة نفسها.

وتظهر المسألة السياسية حين تقرر السوق أيّ اللغات تستحق البيانات والتمويل والحضور الرقمي. تستحوذ اللغات الكبرى على النصوص والمنصات والأدوات، فيما تتراجع لغات أخرى إلى مناطق الصمت التقني. وكل لغة لا تجد مكاناً في العالم الرقمي تفقد جزءاً من قدرتها على الانتقال إلى المستقبل. عندئذ لا يتعلق الأمر براحة المستخدم وحدها؛ يتعلق بمن يملك حق الظهور، ومن تستطيع لغته أن تتعلمها الآلة، ومن يضطر إلى مغادرة لسانه كي يدخل العصر.

اللّغة الأم التي لَم تلِدْني

في نص ليلى سليماني، لا تقف اللغة خارج الإنسان مثل أداة يلتقطها حين يحتاج إلى الكلام ثم يتركها جانباً. تدخل اللغة ذاكرته، وتسكن جسده، وتؤثر في نظرته إلى نفسه وفي الطريقة التي يراه بها الآخرون. تحمل كل لغة أثراً مختلفاً: تستدعي العربية أصلاً بعيداً وانتماءً لم يكتمل، وتمنح الفرنسية فضاءً للكتابة والنجاة والاعتراف، فيما تظل مرتبطة بتاريخ الاستعمار وبالتراتبية التي رفعت بعض الألسنة وخفضت غيرها. أما الدارجة، فتعود بالذات إلى الطفولة، وإلى أصوات البيت، وضحك الجدة، وقرب الجسد من تفاصيل الحياة اليومية.

من هنا، يفتح الأدب داخل هذا الضيق مساحة أخرى. لا يمنح الذات هوية نهائية، ولا يقطع صلتها بتاريخها، وإنما يتيح لها أن تعيد النظر في علاقتها باللغة والذاكرة والانتماء. تكتب الذات جرحها، ثم تنظر إليه من مسافة تسمح لها بفهمه. وتدخل اللغات المتنازعة إلى النص، فتتحول الكتابة إلى مكان تتفاوض فيه الذاكرة مع الفقد، ويتجاور فيه أكثر من لسان من غير أن يطالب أحدها الآخر بالاختفاء. ومن خلال هذه المساحة، تنتقل التجربة الفردية إلى أسئلة أوسع. يظهر الاستعمار في توزيع القيمة بين اللغات، وتظهر الطبقة في القدرة على امتلاك لغة النجاح، وتظهر الإسلاموفوبيا حين تتحول العربية إلى علامة شبهة، ويظهر المنفى حين يحمل الإنسان وطنه في ذاكرته ولا يجد له صوتاً كاملاً. غير أن الاحتفاء بالهجنة والكونية لا يكفي وحده لفهم هذا التعدد. فقد يملك شخص الفرنسية والعربية والإنجليزية، فيتنقل بينها كرأس مال ثقافي يفتح أمامه المدارس والأسفار والعمل. وقد يفقد شخص آخر لغة البيت تحت ضغط المدرسة والسوق، ثم يظل غريباً داخل اللغة التي فرضت عليه. يعيش الأول التعدد بوصفه اتساعاً، ويعيشه الثاني باعتباره اقتلاعا صامتا. لذلك يحتاج الدفاع عن التعدد اللغوي إلى مساءلة شروط التعليم والطبقة والاعتراف الاجتماعي، لأن الحرية اللغوية لا تتحقق حين تتجاور اللغات فقط؛ تتحقق حين تحصل على فرص متقاربة للحياة والظهور والاستمرار.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

"هجوم على الحدود" .. لحجمري يسائل اللغة والهوية في تجربة سليماني Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة هجوم على الحدود لحجمري يسائل اللغة والهوية في تجربة سليماني

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هجوم على الحدود لحجمري يسائل اللغة والهوية في تجربة سليماني قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، "هجوم على الحدود" .. لحجمري يسائل اللغة والهوية في تجربة سليماني.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار