لم تعد انقطاعات الكهرباء في تونس خلال يوليوز الجاري مجرد أعطاب ظرفية تخص أحياء أو مدنا محدودة، بعدما اتخذت الأزمة طابعا وطنيا مع انتقال الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تطبيق برامج متكررة لتخفيف الأحمال، شملت مناطق واسعة من البلاد وامتدت من ساعات الظهيرة إلى فترات المساء، وسط حالة من الارتباك لدى السكان والفاعلين الاقتصاديين.
وأعلنت الشركة، المعروفة اختصارا باسم “الستاغ”، اليوم الجمعة، عن قطع التيار الكهربائي ما بين الساعة الحادية عشرة صباحا والخامسة مساء، قبل أن تنشر إشعارا ثانيا يتعلق بانقطاعات مبرمجة بين الثامنة والحادية عشرة ليلا في تونس الكبرى، مع تنبيهها إلى إمكانية توسيع اللوائح المعلنة لتشمل مناطق إضافية بحسب تطورات وضع الشبكة وحجم الضغط المسجل عليها.
القطع بالتناوب لمنع انهيار الشبكة
وتلجأ “الستاغ” إلى ما تصفه بسياسة “التخفيف الدوري للأحمال”، وهي آلية تقنية تقوم على فصل الكهرباء مؤقتا عن منطقة محددة، ثم إعادة التيار إليها والانتقال إلى منطقة أخرى، بهدف تخفيض الضغط على الشبكة وتجنب حدوث انهيار شامل قد يصعب التحكم في تداعياته.
غير أن تكرار هذه العمليات منذ منتصف يوليوز، واتساعها لتشمل العاصمة والشمال الغربي والوطن القبلي والساحل وصفاقس وعددا من المحافظات الأخرى، أخرجها من دائرة التدبير التقني الاستثنائي وحولها إلى أزمة عامة تمس مختلف جهات البلاد.
وفي بعض الأيام، لم تعد الانقطاعات مقتصرة على ساعات الظهيرة، بل امتدت إلى الفترة المسائية، فيما جرت إعادة التيار في أوقات متعددة دون إشعار مسبق، وهو ما زاد من ارتباك الأسر وأصحاب المحلات والمقاولات، وصعّب عليهم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية الأجهزة والمعدات وتنظيم أنشطتهم.
الطلب يبلغ خمسة آلاف ميغاواط
وتربط الشركة التونسية للكهرباء والغاز الوضع الحالي بموجة الحر الاستثنائية التي تعرفها البلاد، وما رافقها من تشغيل مكثف لأجهزة التكييف، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الكهرباء إلى مستويات لم تعد قدرات الإنتاج المتاحة قادرة على تغطيتها في بعض الفترات.
وقال المدير العام للشركة، فيصل طريفة، إن الطلب على الكهرباء وصل إلى نحو خمسة آلاف ميغاواط خلال ساعات الذروة، خصوصا بين الثانية والرابعة بعد الظهر، بزيادة تقدر بنحو 30 في المائة مقارنة بمستويات الاستهلاك المعتادة.
وأدى هذا الارتفاع إلى تجاوز الطلب قدرات الإنتاج المتوفرة، ما فرض اعتماد القطع الدوري كإجراء وقائي لتفادي حدوث «بلاك آوت» وطني، أي انهيار شامل للشبكة الكهربائية قد يستغرق التعامل معه وقتا أطول ويخلف تداعيات أكثر خطورة على مختلف القطاعات.
الغاز يهيمن على إنتاج الكهرباء
ورغم ارتباط ذروة الأزمة بدرجات الحرارة المرتفعة، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن موجة الحر لم تكن سوى العامل الذي كشف اختلالات أعمق داخل المنظومة الطاقية التونسية، وفي مقدمتها الاعتماد شبه الكامل على الغاز الطبيعي وتأخر تنويع مصادر الإنتاج.
ووفقا لبيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، يعتمد حوالي 91 في المائة من إنتاج الكهرباء في تونس على الغاز الطبيعي، بينما لم تتجاوز مساهمة الطاقات المتجددة 9 في المائة حتى نهاية ماي 2026، رغم ما تتوفر عليه البلاد من إمكانات كبيرة في مجال الطاقة الشمسية.
كما يستحوذ إنتاج الكهرباء وحده على نحو 65 في المائة من إجمالي الطلب التونسي على الغاز، وهو ما يجعل القطاع عرضة بصورة مباشرة لأي اضطراب في إمدادات الغاز المستورد أو ارتفاع في أسعاره، فضلا عن تأثره بالوضع المالي الصعب الذي تواجهه الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
ضغوط التمويل وتأخر تحديث الشبكة
وتحذر مؤسسات دولية من أن اعتماد تونس على الغاز المستورد، خصوصا من الجزائر، يجعل اقتصادها الطاقي مرتبطا بتقلبات الأسعار الدولية، وتحركات سعر صرف الدينار، ومستوى احتياطي العملة الصعبة.
وفي الوقت نفسه، تواجه «الستاغ» مشكلات مرتبطة بالسيولة والتمويل وتراكم المستحقات، ما يحد من قدرتها على تمويل مشاريع التوسعة والتحديث بالوتيرة المطلوبة.
وبذلك، لا تنحصر الأزمة في قلة محطات الإنتاج أو ارتفاع الاستهلاك الموسمي، بل تشمل أيضا تأخر تحديث شبكة الكهرباء، وضعف الاستثمار في تقنيات التخزين ومشاريع الطاقات المتجددة، وغياب هامش احتياطي كاف يسمح للنظام الكهربائي بامتصاص الارتفاع المفاجئ في الطلب خلال فترات الذروة.
الكهرباء الجزائرية تسد جزءا من العجز
وتزداد هشاشة المنظومة التونسية بسبب اعتمادها المباشر على استيراد الكهرباء من الجزائر، إذ تظهر البيانات الرسمية أن تونس اشترت خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 حوالي 722 جيغاواط/ساعة من الكهرباء، جاءت أساسا من شركة “سونلغاز” الجزائرية.
وغطت هذه الواردات نحو 9 في المائة من حاجيات السوق التونسية، رغم تراجعها بنسبة 15 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، وهو ما يعني أن أي خلل تقني أو اضطراب في الشبكة الجزائرية يمكن أن تنتقل آثاره بسرعة إلى الجانب التونسي.
وبرز هذا الارتباط ليلة 14 إلى 15 يوليوز الجاري، عندما تعرضت منشأة سيدي عقبة بولاية بسكرة الجزائرية لعطل تقني تسبب في انقطاع مفاجئ للكهرباء عن عدة ولايات.
وأقرت إدارة “الستاغ” بأن الحادث أثر في المبادلات الكهربائية بين البلدين، وقلص حجم الإمدادات القادمة من الجزائر في وقت كانت فيه تونس تواجه ذروة تاريخية للطلب، ما أبرز مخاطر الاعتماد على شبكة مجاورة كانت تعاني بدورها من انقطاعات واسعة خلال الفترة نفسها.
خسائر تطال المصانع والمطاعم والفلاحة
وعلى المستوى الاقتصادي، لم تتوقف آثار الأزمة عند حدود انزعاج السكان، بل أدت الانقطاعات إلى توقف خطوط إنتاج داخل عدد من المنشآت الصناعية، وتلف مواد أولية ومنتجات غذائية، وتأخر تنفيذ الطلبيات وعمليات التسليم، إلى جانب ارتفاع كلفة تشغيل المولدات الكهربائية البديلة.
وحذرت منظمات تمثل أصحاب الأعمال من خسائر مهمة قد تتكبدها قطاعات الصناعات الصغرى والمتوسطة والنسيج والمطاعم والفلاحة، مطالبة الشركة التونسية للكهرباء والغاز بنشر جداول واضحة ودقيقة قبل تنفيذ عمليات القطع، حتى تتمكن المقاولات من حماية معداتها وتنظيم ساعات العمل والإنتاج.
أزمة تمس حياة الأسر والخدمات الأساسية
وتحمل الانقطاعات المتكررة أبعادا اجتماعية وصحية أكثر خطورة بسبب تزامنها مع موجة حر شديدة، إذ تحرم الأسر من أجهزة التكييف والتبريد، وتعرض المرضى وكبار السن لمخاطر إضافية، كما تؤثر في حفظ الأدوية والمواد الغذائية وضخ المياه وتشغيل المصاعد ووسائل الاتصال.
وهكذا، تجاوزت أزمة الكهرباء في تونس بعدها التقني لتتحول إلى اختبار لقدرة الدولة على ضمان استمرارية خدمة أساسية، في وقت يكشف فيه الاعتماد على الجزائر وتأخر الانتقال نحو الطاقات المتجددة أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تبقى محصورة في مطالبة المواطنين بتقليص تشغيل المكيفات، بل تحتاج إلى إصلاحات هيكلية واستثمارات طويلة الأمد تعزز استقلالية وأمن المنظومة الطاقية.
المقالة انقطاعات الكهرباء تفضح هشاشة الأمن الطاقي في تونس والجزائر نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
مشاهدة انقطاعات الكهرباء تفضح هشاشة الأمن الطاقي في تونس والجزائر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ انقطاعات الكهرباء تفضح هشاشة الأمن الطاقي في تونس والجزائر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، انقطاعات الكهرباء تفضح هشاشة الأمن الطاقي في تونس والجزائر.
في الموقع ايضا :