رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

تحية الوفاء والمودّة؛

لم تصلني كلماتكَ من وراء حُدود جغرافية فحسب، فقد حملت معها صدى ذاكرةٍ مشتركة، وإيمانًا بأن الجوار أقدم من الخلاف، وأنَّ ما جمع الشَّعبين من أرضٍ وتاريخٍ ولِسانٍ أقوى منْ كُلِّ ما حاولت السّياسة أن تزرعَهُ بينهما.

وقد أعادت كلماتكَ إلى الواجهة معنىً كاد يضيع وسط الصخب اليومي: فالعلاقةُ بين الشّعوب أوسَع من بيانات الحُكومات، وأبقى مِنْ تقلّبَات الظّرف السّياسي، وأعمقَ من أن تحصرها خُصومة عَابرة بين نظامَين.

فالإنسان حين يخرج من الأسر لا يستعيد حريته الجسدية وحدها؛ إنه يستعيد حقه في رواية ما جرى، وفي إعادة ترتيب علاقته بالعالم، وفي اختيار الموقع الأخلاقي الذي يريد أن يقف فيه.

لقد حافظت على الفصل الضروري بين الوطن والسلطة، وبين الشعب والنظام، وبين الانتماء والموقف السياسي.

وحين تؤكد أن الجزائر لن تكف عن السكن في ذاكرتك، على الرغم مما تعرضت له، فإنك تذكّرنا بأن الوطن أعمق من أن تصادره مؤسسة أو تختزله مرحلة سياسية.

فالوطن تراكُم من اللغة والطفولة والمقابر والوجوه والروائح والأماكن الأولى.

غير أن الأخوّة التي تستحق الدفاع عنها لا ينبغي أن تقوم على الإنشاء العاطفي وحده؛ فالعاطفة تفتح الأبواب، لكنها لا تبني المؤسسات، ولا تعالج الأزمات، ولا تحمي المصالح المشتركة من الانهيار.

الحدود في معناها الحديث ضرورة سياسية وإدارية، غير أن تحويلها إلى حاجز ثقافي وأخلاقي أدى إلى إضعاف الجميع.

وقد أصبتَ حين كتبتَ أن سرعة انتشار المعلومات لم تؤد بالضرورة إلى نموِّ الفهم.

يتوهم الإنسان أنه يعرف الواقع لأنه شاهد صورته، مع أن الصورة قد تكون جزءًا من حجابٍ أكبر.

لم يعد دورُه أن يضيف خبرًا إلى سَيْل الأخبار، وإنما أن يمنحَ الوقائع سياقًا، وأن يُحرِّرها من الاستخدام الدِّعائي، وأن يُبيِّن ما تخفيه اللغة السياسية من مصالح ومخاوف وتناقُضات.

من هنا أجِدُ في دعوتكَ إلى الانتقال من المعرفة إلى الوعي، ومن الوعي إلى الالتزام، قيمة فكرية حقيقية.

أقرأُ حديثكَ عن الجَزائر باهتمام خاص، لأنَّني أؤمنُ بأن المغرب لا يستطيعُ أن يصوغ مستقبله الإقليمي بمعزل عن الجزائر، كما لا تستطيعُ الجزائر أن تَبنيَ أفقًا مُستقرًا وهي تتجاهلُ المغرب.

فلا أحدَ من الطّرفين قادر على إلْغاء الآخر أو تجاوز حُضوره، كما لا يمكنُ لأيّ مشروع إقليمي جَادّ أن ينجح في ظل خصومة مزمنة بين أكبر بلدين في المنطقة.

عزيزنا بوعلام صنصال؛

فالمتلقي ليس جمهورًا صامتًا ينتظر ما يُملى عليه، والمثقف لا يحتكر الحقيقة ولا يملكُ سلطة الوصاية على المجتمع، والتّفكير المشترك يقتضي أن تظلّ الأفكار مفتوحة للنقاش، وأن يتّسع صاحبها للاعْتراض، وأن يُدركَ أن رؤيته، مهما بدتْ له متماسكة، تبقى جزءًا من حقيقة أوسع لا تختزلها تجربة فردية ولا زاوية واحدة.

فإذا ضاق بالاعْتراض، فقدت الحُرية معناها المشترك، وتحوَّلت من قيمة عامّة إلى امتياز يحتفظ به المرءُ لنفسه.

الحوارُ الجَادُّ هو الذي يفسح المجال لطرح الأسئلة المؤلمة من غير انزلاق إلى الإهانة، ويواجه الوقائع من دون تحريض، ويقرّ بالمصالح الوطنية من غير أن يحوِّل مصالح الآخرين إلى موضع اتهامٍ دائم.

من هنا تصبحُ قيمة الحوار في قُدرته على الجمع بين الصَّراحة والمسؤولية، وبين الدفاع عن المواقف واحترام حق الآخرين في الاختلاف.

وما تحتاجه المنطقة اليوم هو مشاريع ملموسة في الاقتصاد والمعرفة والطاقة والماء والتعليم والثقافة والأمن الإنساني، حتى تتحوّل وحدة المصير من شعار متداول إلى قدرة حقيقية على مواجهة التحديات المشتركة، من البطالة والهجرة إلى التّصحر والاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل.

أمَّا استحضاركَ للمُتوسِّط والسّاحِل، فيمنحُ القضيَّة أفُقًا أوْسَع، لأن المنطقة لا تعيش معزولة عما يجري حولها، وإنما تقع في قلب تحولات كبرى ترتبط بالهجرة والطاقة والتغير المناخي والأمن.

أما بناء رؤية مشتركة، فمن شأنه أن يحول الموقع الجغرافي للمنطقة من عامل هشاشة إلى رصيد استراتيجي.

فالسيادة لا تضعف بالتعاون، وإنما تكتسب فاعلية أكبر حين تتحول من موقف دفاعي منفرد إلى قدرة جماعية على التفاوض والتأثير.

فالخُصومات السِّياسية حين تطول تكتسب مع الزمن مظهرًا يوحي بأنها قدَرٌ ثابت، حتى يتوهّم الناس أنها جزء من طبيعة الأشياء وليست نتيجة لخيارات وقرارات قابلة للمراجعة.

واليأس في هذا المعنى ليس مجرد شعور فردي، وإنما موقف يكرس الواقع القائم ويمنحه فرصة الاستمرار.

عزيزنا بوعلام صنصال؛

فلنجعل من الحوار سبيلًا إلى إعادة التعرّف إلى الجار، ومن الاختلاف فرصةً لمراجعة الأحكام وتوسيع آفاق الفهم، ومن الذّاكرة قوةً تدفعُنا نحو المسْتقبل، لا عبئًا يقيّدُ الحاضر بصرَاعات الماضي.

نحن في حاجة إلى شجاعة فكرية، وإلى مؤسسات تتحمّل مسؤولياتها، ونخبٍ ترفض تحويل الخلاف إلى خطاب كراهية، ووعيٍ جماعي يدرك أن استقرار الجار ليس تهديدًا، وأن حريته لا تنتقص من حرية سواه؛ فالمستقبل الآمن لا يُبنى على الخوف المتبادل، وإنما على الثقة، وتكامل المصالح، والاحترام المتكافئ.

لهذا قرأتُ رسالتكَ باعتبارها نداءً إلى ضَمير مَغاربي أنهكتْهُ القَطيعة ولمْ يَفقِدْ قُدرتَه على الحُلْم.

وما دام في الجزائر منْ يكتبُ للمغرب بمَحبَّة، وفي المغرب من يصغي للجزائر بإنْصافٍ…فإن التَّاريخ لمْ يقلْ كَلمتهُ الأخيرة بعدُ.

رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة رسال ة إلى ب وع لا م ص نص ال

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رسال ة إلى ب وع لا م ص نص ال قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رسالَةٌ إلىَ بُوعْلاَم صَنصَال.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار