في مهرجان جادَه غيث الفن، وشعاره “لو حكى لي الوطن”، استُهلت فعالياته يوم 13 يوليوز، واختُتمت يوم 20 منه. لقد حج إليه الحكاؤون من كل حدب وصوب، يحملون من الخصب والرطب، ومن كل فج عميق، ووطن سحيق، ليشهدوا موعدهم السنوي، موسم اللقاءات، “المهرجان الدولي مغرب الحكايات”. جاؤوا من أقطار الأرض البعيدة، ومن قاراتها المديدة، يحيون طقوسه ككل سنة، مدثرين بأبهى أزياء أوطانهم، يرفلون في ألوان أبطال حكاياتهم، التي نحتتها ذاكرتهم من صلب الخيال، وكتبتها بمداد العبارات وكلمات تدور دورة الريح، وتسافر بالمستمع إلى الفيافي الواسعة، وتحمله إلى الأوطان الشاسعة، وتغوص به في البحار العميقة، وترقى به إلى الجبال السامقة، وتحلق بمخياله فوق مرتفعات القمم، وتعلو به بعزم المجد والهمم، مستلهمةً ملاحم الوطن.
فالحكي ليس وليد اليوم ولا البارحة، بل هو من يستحق لقب أبي الفنون. في البدء كان الحكي، نشأ مع نشأة الخليقة، بالكلمة وبالإشارة، وبالمصورات، وبالنحت، وأحياناً بالصمت والصدى.
تقول رئيسة المهرجان، ورئيسة الأكاديمية الدولية للتراث الثقافي اللامادي بالمغرب، الدكتورة نجيمة طاي طاي غزالي.
هذا الملتقى العالمي، الذي يحج إليه الرواة والحكاؤون من أقطار المعمور، للقاء والتجاوب وربط العلاقات الإنسانية والفنية بين الأفراد والجماعات، والإفادة والاستفادة من المستجدات في ساحة الحكي، لتلاقح الثقافات، هو عرس متعدد الوجوه، مثلما هو متعدد الحكايات.
بدأت قافلة بابا عاشور وهي تجوب الأزقة والدروب، تحمل معها الفرح للأطفال، وتهديهم حفنات من الحلويات، بينما كان بابا عاشور يرفل في منظر بهجة باذخة، تسبقه نغمات الفرجة وإيقاعات البهجة، وهي تصدح من جنبات الأبواب التاريخية للمدينة، مثل باب الحد، وباب الوداية، وباب المريسة بسلا.
كانت الحكايات الطالعة من بين دفاتر الماضي، وأسفار الذاكرة المتوارثة جيلاً بعد جيل، تروي قصة الوطن؛ مقاومةً حباً في الوطن، الوطن الذي يصنع مواطنيه، فيصوغونه حكايات وأشعاراً، وينحتون من ماضيه حاضراً حياً، ويبنون له بالخيال قصوراً وأبراجاً ومدناً وفجاجاً، ويطلقون فيه عنان الخيال، فيسبحون من خلاله بخيال المتلقي، فيرى ما لم ترَ عين، ويسمع ما لم تسمع أذن.
هكذا تكلمت قنديشة
لقد منحت هذه الدورة الكلمة للمرأة الأسطورة، المرأة التي يتأرجح وجودها وتمثلها في الذاكرة بين المخلوقة الإنسية والكائنة الجنية، وبين الخرافة والتاريخ الشفاهي، وبين القداسة والمجون، وبين الخير والشر؛ المرأة المنحوتة هيئتها بقوة سحر الكلمة وفيض الخيال: “عيشة قنديشة”، التي لم تعد في هذا الموسم الحكائي مجرد أسطورة امرأة من الماضي، بل أصبحت ذات حضور يحيا في الحكايات، وفي الصور، وفي المشاهدات.
لم تعد عيشة قنديشة هنا مجرد أسطورة تتجاذب قوتها السحرية أو بركتها الخفية الطوائف العتيقة، مثل كناوة وعيساوة وحمادشة، التي جعلت كل واحدة منها عيشة قنديشة أنشودة تتغنى بها في حالات الجذبة، بل أصبحت في هذا اللقاء موضوع دراسة وإلهام، وبحث عن نماذج تشبهها في العالم العربي وفي المخيال العالمي.
لقد احتلت عيشة قنديشة، والنماذج المماثلة لها، مكان الصدارة في الندوة، باعتبارها رمزاً للحديث عن الوطن، وعن النضال من أجل الوطن، وعن الارتباط بمصير الوطن.
ومن المنابر الثقافية المغربية التي أثارت مبكراً موضوع التساؤل حول عيشة قنديشة، مجلة “لام ألف” (Lamalif)، التي كانت تصدر بالفرنسية ما بين سنتي 1966 و1988. كما كتب حول هذا الموضوع الكاتب المسرحي أحمد التسولي بالعزيزي مسرحية “قنيشة… لعبة المسخ القديمة” سنة 1976.
غير أن هناك نماذج شبيهة بعيشة قنديشة في العديد من الروايات الشفاهية العالمية، من اليابان إلى الخليج العربي، فمصر، ثم أمريكا اللاتينية، حيث جرى تناولها بأسماء وصور مختلفة، مع احتفاظ بعض الروايات باسم عيشة.
لقاء الشعوب
وتوج حفل الافتتاح بتكريم سفيرة المكسيك من طرف المهرجان، في مشهد أسطوري باذخ، كعروس موريسكية محمولة على الهودج فوق أكتاف الرجال، تصحبها الموسيقى في لوحة كانت، هي نفسها، حكاية عن هوية الوطن.
وككل سنة، يمنح المهرجان خلال فعالياته جوائز تشجيعية للرواة المشاركين، حيث يتم اختيار أفضل راوٍ. وقد كانت الجائزة الأولى هذه السنة من نصيب الراوي الشاب منتصر العميري من تونس، وقيمتها ألف دولار، فيما عادت الجائزة الثانية إلى شيخ الكلام، با علال، من مدينة وجدة، وقيمتها خمسمائة دولار.
ولكل تظاهرة ختام، وختام هذه الدورة لم يكن وداعاً، بل موعداً جديداً للقاء متجدد، فجاء الحفل الختامي بقاعة با حنيني بالرباط.
كما قدمت المجموعة التونسية المشاركة في المهرجان حكاية “الحجوجة”، التي تحتفظ بها الذاكرة التونسية من خلال أكلة تحمل الاسم نفسه، قوامها السميد والفول، بوصفها وثيقة شعبية تسجل ملحمة مقاومة سكان مدينة صفاقس ضد الغزو النورماندي سنة 1148 ميلادية، في فترة كانت فيها تونس تعرف فراغاً سياسياً على مستوى السلطة المركزية.
وفي الأخير، وزعت الأكلة على الجمهور، وبذلك أُسدل الستار على الدورة الثالثة والعشرين من مغرب الحكايات.
الحكاية تعانق هوية المغرب الثقافية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الحكاية تعانق هوية المغرب الثقافية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الحكاية تعانق هوية المغرب الثقافية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الحكاية تعانق هوية المغرب الثقافية.
في الموقع ايضا :
- عاجل “فرانس برس”: مسؤولان في حماس يؤكدان الاتفاق على صفقة بشأن سلاح الحركة وانسحاب إسرائيلي تدريجي من غزة…
- عاجل ورقة الاتفاق: معالجة ملف السلاح وبنود خطة السلام مرتبط بإيجاد مسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وقيام الدولة الفلسطينية…
- عاجل سوريا: مصادر محلية من القنيطرة: دورية للاحتلال الإسرائيلي مؤلفة من 5 آليات عسكرية تتوغل في قرية رسم سند بريف القنيطرة الأوسط…