الأرقام وحدها تكشف حجم الاستثناء: في أقل من ثمان وأربعين ساعة، عبر ما يقارب ثمانية آلاف شخص، بينهم آلاف من القاصرين غير المرفوقين الذين تم إيواؤهم لاحقا في مستودعات ومخازن مهجورة بسبتة قبل أن تشرع السلطات الإسبانية في ترحيل جزء منهم. هذا التزامن الكمي، وليس فقط الفعل الفردي المتكرر، هو ما يفرض سؤال السوسيولوجيا الجماعية. وما يؤكد أن الأمر تجاوز اللحظة الظرفية هو تكرر المشهد نفسه في صيف 2026، والذي أطلق موجة عبور جديدة ونقاشا مشابها حول أسباب تجدد الاندفاع بعد خمس سنوات من الأزمة الأولى.
2. الرهان الجيوسياسي: الحدود كأداة ضغط لا كخط دفاعي
الحدود بين المغرب وسبتة ليست فقط خطا جغرافيا بل أداة تفاوضية توظفها الدولة في لحظات التوتر. حين استقبلت إسبانيا إبراهيم غالي عن جبهة البوليساريو الانفصالية للعلاج، ردت الرباط بما يشبه “فك الاشتباك الأمني” المؤقت عند الحدود، فتحول الجسد المهاجر، دون علمه غالبا، إلى ورقة ضغط في صراع سيادي أوسع يتعلق بملف الصحراء المغربية والاعتراف الإسباني بمخطط الحكم الذاتي. هذا التوظيف ليس استثناء مغربيا، فالأدبيات الحديثة في العلاقات الدولية تصف هذا النمط بـ “تسليح الهجرة” (weaponization of migration)، حيث تتحول تدفقات السكان إلى عملة تفاوض بين دول الجوار والاتحاد الأوروبي، كما وقع بين بيلاروسيا وبولونيا في أواخر 2021 حين وجهت مينسك آلاف طالبي اللجوء نحو الحدود البولونية ردا على عقوبات أوروبية، أو بين تركيا واليونان عند حدود إيفروس سنة 2020. النمط واحد رغم اختلاف السياقات: الحدود تفتح وتغلق وفق توقيت تفاوضي لا وفق منطق أمني بحت. الخطورة السوسيولوجية هنا أن الدولة، في لحظة معينة، تكف عن أداء وظيفتها الحارسة فتتحول الحدود من حاجز إلى قناة، بإرادة سياسية مؤقتة يعاد إغلاقها بمجرد أن تحقق غرضها التفاوضي.
الأبلغ من ذلك هو ما وقع صيف 2026، حين أصدرت المحكمة العليا الإسبانية الحكم رقم 814/2026، الذي قضى بأن آلية “الرفض عند الحدود” أو الإعادة الفورية، لا يجوز تطبيقها على من يصل إلى سبتة أو مليلية عن طريق السباحة، لأن هذه الآلية مرتبطة قانونا بتجاوز عناصر احتواء مادية كالأسوار، بينما يخضع القادمون من البحر للمسطرة العادية المنصوص عليها في قانون الأجانب. الحكم لم يمنح إقامة تلقائية ولم يلغ إمكانية الترحيل لاحقا، لكن هذه الدقائق القانونية لم تكن ما انتشر بين الشباب، فما تداولته المجموعات الرقمية كان خلاصة مبسطة ومغرية: الوصول سباحة يعني الإفلات من الإعادة المباشرة. وهكذا تحولت قاعدة إجرائية دقيقة، صادرة عن سلطة قضائية لا علاقة لها بالحسابات الدبلوماسية، إلى “فرصة متخيلة” خفضت في أذهان كثيرين كلفة المخاطرة ورفعت احتمال النجاح المتصور. هذا المثال يوسع فهمنا لـ “الرهان الجيوسياسي” في الفقرة السابقة: فالثغرة التي تفتح الباب أمام الاندفاع الجماعي لا تصدر فقط عن قرار تنفيذي محسوب، بل قد تنتج، دون قصد، عن اجتهاد قضائي إنساني النية، يعاد تأويله وتبسيطه عبر الخوارزميات إلى وعد بالعبور الآمن.
4. الدوافع الداخلية: الحرمان النسبي ورأسمال الأمل المهدور
المثال الأوضح محليا هو مدينة الفنيدق نفسها، فبعد أن كانت “التجارة الموازية” مع سبتة تشغل عشرات الآلاف من الأسر في التهريب المعيشي، أدى إغلاق هذا المنفذ سنة 2019 إلى تجفيف مصدر رزق كامل لجيل بأكمله دون بديل اقتصادي مكافئ. فالمنطقة التي أنتجت أعلى نسب المشاركين في أحداث ماي 2021 هي بالضبط المنطقة التي فقدت حقلها الاقتصادي التقليدي قبل سنتين فقط، في تزامن يصعب اعتباره محض صدفة.
6. سيميائية الصورة: السجود وعلامة النصر وتحويل العبور إلى طقس
يكاد المشهد يتكرر بالتفاصيل نفسها في كل موجة عبور: شاب يصل منهكا إلى الشاطئ الإسباني، فيسجد أرضا قبل أن يقف، وأخرى ترفع إصبعي السبابة والوسطى في علامة النصر أمام هاتف من يرافقها. هذا المشهد ليس توثيقا محايدا للحظة عابرة، بل بناء رمزي مكتمل الأركان يستحق قراءة سيميائية لا تكتفي بالمضمون الظاهر. فالسجود، في الحقول الدينية والثقافية المغربية، فعل مشحون بدلالة الشكر على نجاة من خطر محقق، أقرب إلى “طقس عبور” بالمعنى الذي بلوره الأنثروبولوجي فيكتور تيرنر: مرحلة “عتبية” (liminal) يغادر فيها الفرد وضعا سابقا ويدخل، عبر اختبار جسدي محفوف بالمخاطر، إلى هوية جديدة يعاد فيها تعريف موقعه الاجتماعي. العبور هنا لا يقرأ فقط بوصفه انتقالا جغرافيا من ضفة إلى أخرى، بل بوصفه “ولادة ثانية” رمزية يعلنها الجسد قبل أن يعلنها أي خطاب.
وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تفوق هذه الصور الشحيحة اللغة تأثيرا على أي خطاب تحذيري مكتوب: فهي لا تنقل معلومة عن “احتمال النجاح” فحسب كما أشرنا في المحور الرابع، بل تمنح المُشاهد نموذجا جاهزا للأداء الرمزي بعد الوصول، أي “سيناريو” يعرف مسبقا كيف سيقف أمام الكاميرا حين يصل، قبل أن يقرر أصلا إن كان سيحاول العبور. الصورة، بهذا المعنى، لا تصف الفعل بل تسبقه وتشكله. فالمراهق الذي يشاهد عشرات المقاطع المتشابهة لا يستورد فقط فكرة “العبور ممكن”، بل يستورد أيضا الوضعية الجسدية والإيماءة الرمزية التي ستمنحه، هو أيضا، لحظة اعتراف اجتماعي فور وصوله، بغض النظر عما سيحدث بعد إغلاق الكاميرا.
يبقى سؤال منهجي معلقا بعد كل ما سبق: هل العدوى الرقمية التي وصفناها في المحورين الخامس والسادس عفوية بالكامل، أم أن أطرافا خارجية، لا تربطها بالمهاجرين أنفسهم أي صلة مباشرة، تجد مصلحة في تضخيم هذا النوع من المحتوى وترويجه؟ السؤال مشروع لأن منطق “تسليح الهجرة” الذي شرحناه في المحور الثاني على مستوى الدول قد يتكرر، بصيغة أخف وأكثر تمويها، على مستوى المحتوى الرقمي: فكل صورة تقدم المغرب كبلد يفر منه شبابه جماعيا تخدم، موضوعيا، أي جهة معنية بإضعاف صورته الدولية، سواء كانت دولة منافسة، أو حسابات إعلامية معادية، أو حتى مجرد صفحات تجارية تستثمر خوارزميا في محتوى الإثارة والمغامرة بمعزل عن أي حسابات سياسية.
8. تقاطع المستويات: حين تلتقي الدولة والقضاء والحقل والحشد
القراءة النقدية الحقيقية لا تكتفي بعرض هذه المستويات جنبا إلى جنب بل ترصد كيف تتغذى على بعضها. القرار الجيوسياسي بفك الاشتباك الحدودي، أو الاجتهاد القضائي الذي يضيق نطاق الإعادة الفورية، لا ينتج أثره إلا لأنه يصادف مخزونا اجتماعيا من الإحباط جاهزا للانفجار. والإحباط الفردي لا يتحول إلى فعل جماعي متزامن إلا عبر آليات العدوى النفسية والمحاكاة التي تحتاج بدورها إلى لحظة “انفتاح” يوفرها القرار السيادي أو الحكم القضائي على حد سواء. بعبارة أخرى، لا الدولة ولا القضاء يصنعان الرغبة في الهجرة، لكن كليهما قد يفتح، كل بمنطقه الخاص، الصمام الذي يحول رغبة فردية كامنة إلى سيل جماعي مرئي، تتكفل بعدها الصورة، بشحنتها السيميائية من سجود وعلامات نصر، بترجمته إلى سردية بطولة قابلة للتقليد وللتوظيف الإعلامي والدبلوماسي في آن. وهذا بالضبط ما يجعل من هذه اللحظات أداة مزدوجة الوظيفة: ضغطا تفاوضيا على الخارج، وصماما أمنيا يخفف الاحتقان الداخلي دون الحاجة إلى معالجة أسبابه البنيوية.
9. خاتمة: ما بعد اللحظة الحدودية
نحو سبتة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة نحو سبتة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نحو سبتة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نحو سبتة.
في الموقع ايضا :