هذه التفسيرات، مهما بدت جذابة إعلامياً، لا تصمد أمام التحليل الموضوعي، لأنها تتجاهل حقائق الجغرافيا وقوانين الهجرة وتجارب التاريخ، وتستبدل الوقائع بالاستنتاجات السياسية.
ولعل الذاكرة القريبة تكفي لتأكيد ذلك. فمنذ سنوات، شهدت سبتة ومليلية محاولات اقتحام متكررة قام بها مهاجرون من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يذهب أحد آنذاك إلى اتهام دولهم بتنظيم تلك العمليات أو توظيفها سياسياً. أما اليوم، عندما يكون أغلب المهاجرين من الشباب المغربي، تظهر فجأة فرضيات تتحدث عن “عملية مدبرة” و”رسائل سياسية”. وهذا يكشف أن بعض القراءات تحكمها الخلفيات السياسية أكثر مما تحكمها الوقائع.
ولو كان الهدف هو الضغط السياسي، لما سارع المغرب إلى التعاون مع السلطات الإسبانية في إعادة أعداد كبيرة من مواطنيه الذين دخلوا سبتة بطريقة غير نظامية، ولما استمرت قنوات التنسيق الأمني والإداري بين البلدين في العمل بصورة طبيعية. فالتعاون المغربي الإسباني في ملف الهجرة أصبح خياراً استراتيجياً، وليس أداة ظرفية للابتزاز أو المساومة.
ومن هنا، فإن مواجهة الظاهرة لا تبدأ عند الأسلاك الحدودية، بل تبدأ داخل المدرسة، والأسرة، والجامعة، وسوق الشغل، والسياسات الثقافية والإعلامية. فالشباب الذي يغامر بحياته لا يحتاج فقط إلى فرص عمل، بل يحتاج أيضاً إلى استعادة الثقة في وطنه، وإلى الإحساس بأن النجاح ممكن داخل بلده كما هو ممكن خارجه.
لقد أصبحت هجرة الكفاءات أحد أخطر التحديات التي تواجه مشاريع التنمية في إفريقيا والعالم العربي. فالدولة التي تستثمر في تعليم طبيب أو مهندس أو باحث، منذ المدرسة الابتدائية إلى الجامعة، تتحمل تكلفة بشرية ومالية كبيرة، ثم تأتي الدول الصناعية لتستفيد من هذه الكفاءات جاهزة، دون أن تتحمل أي جزء من تكاليف تكوينها. وهكذا يتحول الرأسمال البشري إلى مورد تنتقل ثماره من الجنوب إلى الشمال، في واحدة من أكثر صور الاختلال في العلاقات الدولية.
ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في آليات دولية جديدة تُلزم الدول المستفيدة من الكفاءات الأجنبية بالمساهمة في تمويل برامج تكوين أجيال جديدة من الأطباء والمهندسين والباحثين في بلدانهم الأصلية، أو إنشاء صناديق مشتركة لدعم الجامعات والبحث العلمي والتكوين المهني. فهذه ليست ضريبة على حرية التنقل، وإنما هي تعويض عادل عن استثمار تحملت كلفته دولة أخرى.
إن ما حدث في سبتة لا ينبغي أن يكون مناسبة لتبادل الاتهامات، بل فرصة لإعادة التفكير في منظومة الهجرة الدولية برمتها. فالهجرة ليست مجرد حركة أشخاص، بل هي مرآة لاختلالات التنمية العالمية، ولا يمكن معالجتها فقط بالأسلاك الشائكة، أو الدوريات الأمنية، أو الخطابات السياسية.
إن مستقبل المتوسط لن يُبنى على الخوف المتبادل، ولا على نظريات المؤامرة، وإنما على عقد جديد يقوم على التنمية المشتركة، والاحترام المتبادل، وتقاسم المسؤولية. فالهجرة ليست أزمة مغربية ولا إسبانية، بل هي تحدٍ عالمي يفرض على الجميع تجاوز الحسابات الظرفية نحو رؤية أكثر عدلاً وإنسانية.
سبتة ونظريات المؤامرة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة سبتة ونظريات المؤامرة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة ونظريات المؤامرة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة ونظريات المؤامرة.
في الموقع ايضا :