بورتريه لرئيس الحكومة القادم ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

انغلاق الأحزاب السياسية المغربية على نفسها، من خلال الاعتماد على نفس الوجوه ونفس الأشخاص ونفس الأفكار ونفس الممارسات (خصوصًا في المراكز القيادية)، له تأثير كبير على فعالية الفعل السياسي والتدبيري، سواء تعلق الأمر بالمستوى البرلماني أو المستوى الحكومي وحتى المستوى الإداري، مما يدفعنا إلى القول إن وجبة البيض المقلي التي تقدمها الأحزاب المغربية في المواعيد الانتخابية، الجزء الأصفر منها ضعيف وقليل أمام تغول الجزء الأبيض.

التحاق الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، ورئيس جامعة كرة القدم، بحزب الأصالة والمعاصرة، هو في حقيقة الأمر عملية سياسية تستهدف القيام باستيراد شخصية سياسية وتدبيرية تصنف ضمن الشخصيات السياسية والتدبيرية ذات الوزن الثقيل، من أجل تعزيز مخزون الفعالية السياسية والتدبيرية للحزب المعني.

1) يمتلك فوزي لقجع صفة موظف بالإدارة المغربية، ويوجد حاليًا في وضعية الإلحاق للقيام بالمهام السياسية؛ لهذا، فإن فوزي لقجع يملك ثقافة الموظف الإداري، المتشبعة بثقافة التنفيذ والامتثال للأمر الرئاسي والشرعية القانونية وواجب التحفظ.

ميزة رجال السياسة القادمين من المربع الإداري إلى المربع السياسي، لا تتمثل فقط في التكوين العلمي والأكاديمي والخبرة والممارسة بالإدارة، بل وكذلك اتقانهم للاشتغال من داخل المربع الثاني. (عند إقالة ميشيل دوبري من منصب الوزير الأول من طرف شارل ديغول، برر هذا الأخير ذلك بكون الرجل لا يعرف كيف يشتغل من داخل المربع الثاني، ويتصرف كأنه يحتل المربع الأول، ويعيق سلاسة الفعل داخل دواليب الدولة. والانتقاد الكبير الذي وجه لبنكيران عقب انتخابات 2016، يتمثل في أنه لم يتصرف كرجل من المربع الثاني).

2) انتماء فوزي لقجع للمربع الإداري، يجعله يشتغل داخل مربع محكوم بثنائية (الترقية – التعيين): الترقية في الرتبة والدرجة الإدارية، وكذلك التعيين في مناصب المسؤولية بناءً على التقييم الرئاسي.

تعيين فوزي لقجع في منصب الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، دون أن يكون المعني بالأمر قد أعلن رسميًّا عن أي لون حزبي، يعني أن سلطة الاقتراح وسلطة التعيين قد ارتأت تعزيز الشرعية الحكومية بالشرعيتين: الشرعية السياسية القادمة من الأحزاب، والشرعية الإدارية التي يتم انتقاؤها من بين نخب نادي الوظيفة العليا بالمغرب.

لهذا، فإن إعلان فوزي لقجع مؤخرًا التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، لا يمكن أن يُقرأ إلا في إطار طموح المعني بالأمر إلى الترقي داخل المربع الحكومي، إلى منصب حكومي لا يمكن شغله دون لون سياسي، أي منصب رئيس الحكومة. والمعروف أن هذا الطموح لا يتطلب فقط الاعتماد على شرعية التعيين وشرعية النتائج، بل يتطلب كذلك شرعية الانتماء للحزب المتصدر.

العقل السياسي المغربي قدم دفعة كبيرة للقجع عندما سمح له (الملك – رئيس الحكومة) بالجمع بين منصب مدير الميزانية ورئيس الجامعة المغربية لكرة القدم، رغم أن مرحلة تحمل لقجع لمسؤولية كرة القدم الوطنية، تزامنت مع إقدام المغرب على شرعنة إصلاح ثقيل يخص الدستور المالي، وهو دور تكلفت به وزارة المالية من خلال مديرية الميزانية، بكل ما يتطلبه من جهد ووقت وإبداع وتفرغ كامل.

موافقة سلطة التعيين، للقجع على الجمع بين (المنصب الحكومي – رئيس جامعة كرة القدم)، كانت ثقة تعتمد كذلك على قدرة الرجل على العمل في الواجهتين (كرة القدم – المالية)، وكانت تعني ثقة سلطة التعيين في كون الرجل يشتغل من خلال مربع الاشتغال السياسي في الدول المتقدمة التي يعمل فيها السياسيون الحكوميون لمدة تتجاوز السبعين ساعة أسبوعيًّا.

4) مستوى تدبير فوزي لقجع للوزارة المنتدبة لم يرقَ إلى نفس مستوى (النجاح) تدبيره لجامعة كرة القدم، فالرأي العام الوطني كان ينتظر إبداعًا أكثر لإخراج وصفة اقتصادية ومالية، تكون الأساس لإسناد بناء المغرب الجديد.

هذه الوصفة كانت تسمح من جهة للقطاع الخاص بالاستفادة من أرباح كبيرة، مع التزام الحكومة بعدم شرعنة الأسعار أو تسقيفها، ومن جهة أخرى العمل على التقليل من أثر الأثمان المرتفعة للمنتجات التي ينتجها القطاع الخاص، من خلال نهج سياسة استقرار أسعار المواد الأساسية عبر صندوق المقاصة، مع العمل كذلك على خلق فرص الشغل من خلال الإنعاش الوطني.

5) الصور الإعلامية المتداولة عن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة خلال تجمعه الأخير، هي صورة رجل يبتسم، وليست صورة رجل يريد أن يبصم على حضور سياسي قوي من خلال ما يطلق عليه في لغة الحروب “بالضربة الاستباقية” التي تعمل على تعبيد الطريق بقوة لاحتلال الصف الأول داخل المربع الحزبي، مما يعطي الانطباع للمتتبع للشأن العام أن الرجل ينتمي أكثر إلى مربع الفعل أكثر منه إلى مربع الكلام، وينتمي إلى مربع القرار العمومي وليس إلى مربع الجدل العمومي.

كما أن الاشتغال داخل وزارة المالية المعروف عنها أنها وزارة عابرة للوزارات نظرًا لطبيعة ونوعية مهامها، والاشتغال داخل مربع كرة القدم المعروف عنها أنها الرياضة الشعبية الأولى داخل المغرب، يجعله أقرب إلى نخب مربع الشعب الوطن والشعب الأمة منه إلى مربع نخب الشعب الانتخابي والشعب الحزبي. وبالتالي، فإن الباحث في علم السياسة سيصنف الرجل داخل مربع الإجماع منه إلى مربع الاختلاف والألوان السياسية، لكن الطموح السياسي للرجل من خلال التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة مؤخرًا، يعطي مؤشرات أن الرجل يريد الالتحاق بنخب مربع الشعب الانتخابي والشعب الحزبي.

والمعروف عن الزمن الطويل أنه زمن السياسات العمومية، بدل الاشتغال من داخل مربع الزمن السياسي المعروف عنه أنه زمن قصير. والدليل على ذلك أن نجاحاته في مربع كرة القدم تطلبت زمنًا يتجاوز الزمن السياسي المرتبط بالولاية التشريعية (خمس سنوات)، وبالتالي يطرح السؤال حول قدرة الرجل على نقل النجاحات التدبيرية المرتبطة بالزمن الطويل إلى مربع التدبير السياسي المتميز بكونه زمنًا قصيرًا. أما الاحتمال الثاني فيتمثل في رغبة العقل الاستراتيجي الرسمي المغربي في الاعتماد خلال المرحلة السياسية القادمة على رجال السياسة الذين يشتغلون من داخل الزمن السياسي القصير، من أجل خدمة الزمن التدبيري الطويل للسياسات العمومية أساسًا.

الانتماء إلى المدرسة الكينزية، مكَّن فوزي لقجع من تطوير فن التوافق في خدمة المصلحة العامة، حيث لعب دور مهندس التوافقات ومهندس البحث عن نقط الالتقاء، وبالتالي يصلح لقيادة الأزمنة السياسية التي تحتاج إلى رجال يجيدون صنع التوافقات، خصوصًا بعد أزمنة سياسية شهد فيها المغرب سياسيين لا يملكون خاصية صنع التوافقات.

الخلاصة

كل البلدان التي تعرف مرحلة إقلاع اقتصادي، من خلال تنفيذ مجموعة من السياسات العمومية والمشاريع الكبرى، تعرف أن هذه السياسات تفرز على أرض الواقع (مستفيدين – محرومين – محايدين)، والعقل السياسي الذكي هو الذي يعرف كيف يوسع شريحة المستفيدين، ويعمل على تعويض شريحة المحرومين، ويقلص من شريحة المحايدين. إبان استقلال المغرب، شرعن المغرب المستقل سياسة السدود وما نتج عنها من نزع أراضٍ وتغول في استعمال القوة، وقد كان تقييم الساكنة لهذه السياسات آنذاك معبرًا، حيث قالت: “عندما نهج المخزن سياسة تحديث الفلاحة وشرعن الحرث الجماعي، عمل على تثبيت سياسة تقوم على حمل الساكنة معه على الجرار – الجرار كوسيلة إنتاج وليس الجرار كلون سياسي -، ولكن عندما انتهج سياسة بناء السدود، عمل على تمرير الجرار على أجساد الساكنة”. لهذا، من المفروض ونحن على مشارف انتخابات قادمة أن نعمل على اختيار بروفايل سياسي لرئيس الحكومة القادم، قادر على أن يكون رئيس حكومة ينهج سياسة حمل السكان على الجرار بدل دهسهم بالجرار.

يقول يوفال نواه هراري، إنه خلافًا للقرن العشرين الذي أفرز لنا نخبًا مهتمة بحل مشاكل الفقراء لأنهم كانوا نضاليًّا واقتصاديًّا حيويين ومرتبطين بالقاعدة، إلا أن نخب القرن الواحد والعشرين تتوهم أن الاستراتيجية الأكثر فعالية تتمثل في التخلص من السيارات غير النافعة، المتشكلة من الطبقات الشعبية وجزء كبير من الطبقة الوسطى، والضغط على دواسة السرعة بصحبة السيارات الدرجة الأولى والسيارات الفارهة. ولكن الزمن السياسي المغربي القادم في حاجة إلى نخب تملك ثقافة نخب القرن العشرين لإصلاح الفوضى التي تركتها نخب القرن الواحد والعشرين على التماسك الاجتماعي.

ولكن، للأسف، اختارت الأحزاب السياسية المغربية زمن الاستعداد للانتخابات القادمة ليكون زمنًا لتأكيد وتثبيت استراتيجيتها المتمثلة في الاستمرار في تحويل الأزمنة الانتخابية إلى أزمة تشبه إلى حد كبير المحطات المغلقة، من خلال انغلاقها وعدم تجديد قيادتها، وأرسلت بالتالي إشارات سلبية للمغرب الانتخابي أنها تريد رهن مستقبل رئيس الحكومة للوجوه القديمة والمستهلكة والمجربة، والتي تنتمي إلى المغرب القديم والعاجزة عن تنزيل المغرب الجديد.

-باحث في المالية العامة والعلوم السياسية

بورتريه لرئيس الحكومة القادم Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة بورتريه لرئيس الحكومة القادم

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بورتريه لرئيس الحكومة القادم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بورتريه لرئيس الحكومة القادم.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار