يبدو أن أحداث سبتة المؤسفة والفاضحة قد عرّت في جانب منها عن المسكوت عنه في العلاقات المغربية الإسبانية، التي دخلت مرحلة من الشك والغموض خلال السنة الجارية، وبالضبط منذ أن بدأت المؤشرات تدل على تحسن مطرد في العلاقات الإسبانية الجزائرية. أحداث سبتة في يوليوز 2026 لا تذكرنا بأحداث مماثلة جرت في ماي 2021، بل تدفع إلى طرح السؤال التالي: لماذا تتكرر الأزمات بين البلدين رغم تشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية؟
تربط القراءة التقليدية بين زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر في 20 يوليوز الماضي، والتي أسفرت عن نتائج مفرحة للجزائر ولقوى ولوبيات الطاقة في البلدين، منها الاتفاق على عقد القمة العليا بين حكومتي البلدين في أكتوبر المقبل، والتي ظلت مجمدة منذ 2018، ومنها توقيع اتفاقيات في مجالات الطاقة والأمن والهجرة، إلى حد أن كلا البلدين تحدثا عن مرحلة استراتيجية جديدة في العلاقات بينهما.
لكن هذه القراءة تظل قاصرة، لأنها غير كافية لتفسير سبب تحول كل خطوة دبلوماسية إلى أزمة سياسية، فلو كان الأمر يتعلق بالمصالح وحدها، لما استمرت إسبانيا في اعتبار المغرب شريكها الأول في مكافحة الهجرة والإرهاب والتبادل التجاري، ولما حافظت في الوقت نفسه على دعمها الرسمي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية نزاع الصحراء.
من وجهة نظر بديلة، يبدو أن ما وقع من أحداث مؤلمة على الطريق بين الفنيدق وسبتة المحتلة، يكشف أن الخلاف لم يعد حول المصالح المشتركة بين البلدين، وإنما حول الكيفية التي تعرف بها كل دولة علاقتها بالأخرى. فقد شكل اتفاق مارس 2022 نقطة تحول في الإدراك المغربي لطبيعة العلاقات مع مدريد، اختزلتها عبارة “شراكة استراتيجية متميزة”، وعبّرت عنها خطوات مثل رسالة سانشيز إلى الملك محمد السادس حول قضية الصحراء، والتي تضمنت تعديلا قويا في الموقف الإسباني من الوحدة الترابية للمغرب، وهو الموقف الذي نظرت إليه الرباط باعتباره تحولا في السياسة الإسبانية، من سياسة تقوم على التوازن في علاقتها بالمغرب والجزائر إلى سياسة تقوم على أولوية المغرب في سلم العلاقات الإفريقية لإسبانيا.
وبناء على هذا الفهم، ربما كانت الرباط تتوقع أن تترجم “الشراكة المتميزة” مع مدريد إلى خطوات عملية، كأن تقوم الحكومة في اسبانيا بالتشاور المسبق في كل الملفات الحساسة مع الحكومة المغربية، وأن تراعي المصالح المغربية في أي خطوة استراتيجية لإسبانيا مع الجزائر على وجه الخصوص، وبالتالي عدم العودة إلى سياسة التوازن التقليدية التي طبعت السياسة الإسبانية في اتجاه المغرب والجزائر قبل مارس 2022.
لكن عند تحليل مخرجات زيارة سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليوز، يبدو لافتا قول الرئيس تبون، فيما معناه، أن الجزائر قد استرجعت اسبانيا بوصفها “البلد القريب من العقل والقلب”. ويبدو واضحا كذلك أن الزيارة التي جاءت تتويجا لخطوات متبادلة بين البلدين منذ مارس 2026، ستتلوها أخرى في الخريف المقبل، لم تكن سوى محاولة لاستعادة علاقة طبيعية مع شريك مهم في الطاقة والأمن.
وبالرغم من أن مخرجات تلك الزيارة لم تتضمن أي شيء معلن يفيد تراجع اسبانيا عن التزاماتها اتجاه المغرب، إلا أن القراءة المغربية يبدو أنها استنتجت أشياء أخرى لم تكتب ولم يصرح بها، فقد أوحت الاتفاقات بإعادة تفعيل القمة الحكومية الثنائية بين البلدين في أكتوبر المقبل، وكذا التعهد الإسباني المعلن بالرفع من واردات الغاز الجزائري أن التوافقات انتهت الى تعزيز النفوذ الجزائري داخل اسبانيا وإعادة بناء ورقة الضغط الجزائرية التي ضعفت بعد 2022، ما يعني أن إسبانيا تعود تدريجيا إلى سياسة التوازن التقليدية التي كان المغرب يعتقد أنها أصبحت جزءا من الماضي.
في هذا المستوى من التحليل تبدو المفارقة الأساسية كما يلي: أن إسبانيا يمكنها إقامة شراكة متميزة مع المغرب، وفي الوقت نفسه بناء علاقات قوية مع الجزائر، بمبرر أن مصالحها الاستراتيجية تقتضي الحفاظ على علاقات متوازنة مع كلا الجارين. في حين يرى المغرب أن “الشراكة المتميزة” لها دلالات خاصة، بحيث تقتضي نوعا من الأولوية السياسية، ولا يمكن أن تنسجم مع منح خصمه اللدود المكانة الاستراتيجية نفسها.
معنى ذلك أن البلدين يستخدمان المصطلح نفسه، لكنهما يقصدان معنيين مختلفين تماما. إنها نفس القصة تتكرر باستمرار منذ إعلان 27 أبريل 1956 حول استقلال المغرب ووحدته الترابية. تفهم اسبانيا أن الشراكة مع المغرب يمكن أن تكون إطارا مطاطا للتعاون لا يلغي تنويع تحالفاتها، ويفهم المغرب أن الشراكة حين تقترن بالتميز، تصبح التزاما سياسيا واضحا ودقيقا، يترتب عليه سلوك دبلوناسي لا مكان فيه للغموض والمناورة من الخلف.
وتفسر أدبيات العلاقات الدولية مثل هذه الحالات بالتمييز بين تضارب المصالح، وتضارب التوقعات. فالأزمات لا تنشأ لأن المصالح متعارضة، بل قد تنشأ لأن كل طرف يبني توقعات مختلفة حول مستوى الالتزام الذي تفرضه الشراكة. ومن هذه الزاوية، تبدو التوترات المتكررة بين المغرب وإسبانيا أقرب إلى “أزمة تعريف للشراكة” منها إلى أزمة مصالح.
وعليه، فإن مستقبل العلاقات بين البلدين لن يتحدد فقط بزيادة حجم المبادلات التجارية أو بتعزيز التعاون الأمني، بل بقدرتهما على التوصل إلى فهم مشترك لمعنى الشراكة الاستراتيجية وحدودها. فالسؤال الذي أصبح يفرض نفسه اليوم ليس: كيف يتعاون المغرب وإسبانيا؟ وإنما: ماذا يعني، واقعيا وسياسيا، أن يكون البلدان شريكين استراتيجيين؟
المغرب واسبانيا: هل هي أزمة تعريف للشراكة؟ صوت المغرب.
مشاهدة المغرب واسبانيا هل هي أزمة تعريف للشراكة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب واسبانيا هل هي أزمة تعريف للشراكة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب واسبانيا: هل هي أزمة تعريف للشراكة؟.
في الموقع ايضا :
- تقلبات جوية متباينة لطقس السعودية المتوقع اليوم السبت.. حرارة قياسية بالرياض والشرقية وأمطار رعدية جنوبًا
- مصادر فلسطينية: طيران الاحتلال المسير يشن غارة تستهدف حي الشيخ رضوان محيط شارع أحمد ياسين شمال مدينة غزة
- من جان-ماري إلى مارين لوبان... قصة تحوّل حزب "الجبهة الوطنية" اليمين المتطرف في فرنسا (3/1)