لكن خلف هذه الدينامية الإيجابية والمؤشرات الماكرو-اقتصادية الجذابة، تبرز مفارقة اقتصادية عميقة تستحق التأمل والتحليل. وفي هذا السياق، قدم يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، في تصريح مفصل لجريدة هسبريس، قراءة نقدية وبناءة للنموذج الصناعي المغربي، مشددا على أن الصناعة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع المعلنة أو بحجم الاستثمارات الأجنبية المستقطبة؛ بل بقدرتها الفعلية على خلق منظومة اقتصادية متكاملة ومستدامة.
وأشار المتحدث إلى أن القطاع الفلاحي لا يزال هو المقياس الأساسي والمحرك الفعلي للنمو الاقتصادي في البلاد، حيث يمكن لموسم فلاحي معتدل أن يحقق لوحده قفزة تنموية تصل إلى 10 في المائة من النمو.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن “هذه الأرقام تسلط الضوء على حاجة ماسة لمراجعة هيكلية تمنح الصناعة وزنا أكبر في توليد الثروة الوطنية، وتجعلها قاطرة حقيقية لا تتأثر بالتقلبات المناخية كما هو الحال مع الفلاحة.
واقترح المتحدث سالف الذكر مقاربة عملية لتحقيق هذا الإدماج، تتمثل في فرض بنود وشروط ضمن الاتفاقيات الاستثمارية المبرمة مع المستثمرين الأجانب، لافتا إلى أن “هذه البنود يجب أن تلزم الشركات العالمية بالتعامل المباشر مع النسيج المقاولاتي المحلي، سواء من خلال اقتناء المعدات أو شراء المواد الأولية الأساسية المستخدمة في بناء المصانع أو المساهمة في إطلاق مراحل الإنتاج وتصنيع المنتجات.
العدالة المجالية وتوسيع دائرة التسريع الصناعي
تطرق يوسف كراوي الفيلالي إلى إشكالية التفاوت المجالي في توزيع الاستثمارات الصناعية، مشيرا إلى أن المغرب يتوفر اليوم على ثماني جهات تحتضن مناطق للتسريع الصناعي؛ بفضل توفرها على بنية تحتية قوية، تشمل الطرق السيارة والسكك الحديدية والموانئ والمطارات. وفي المقابل، هناك أربع جهات لا تستفيد من ثمار هذه التنمية الصناعية، من بينها جهة بني ملال خنيفرة وجهتان في الأقاليم الجنوبية للمملكة.
وسجل الخبير الاقتصادي أن هذا التوجه يتطلب إقرار حزمة من التحفيزات الخاصة والاستثنائية لتشجيع المستثمرين والمصنعين الأجانب على الاستقرار في هذه المناطق الواعدة.
في تشخيصه لواقع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الداخلي الخام، أوضح المتحدث أن نسبة 15 في المائة تعكس واقعا مقلقا يتسم بضعف الصناعة التحويلية. ومن هذا المنطلق، يبرز التوجه نحو ضرورة تقوية هذا الصنف من الصناعات، الذي يشمل الصناعات الغذائية، وصناعة النسيج والألبسة، والصناعات الإلكترونية والمعدات، باعتبارها رافعات حقيقية لخلق القيمة المضافة العالية.
مفارقة التشغيل وفجوة الكفاءات المطلوبة
انتقل يوسف كراوي الفيلالي لتسليط الضوء على مفارقة غريبة يعيشها سوق الشغل في المغرب، حيث تسجل معدلات البطالة مستويات مرتفعة، لاسيما في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، إذ تبلغ بالتوالي 29 في المائة و19 في المائة. وفي المقابل، تعاني الشركات الدولية والمصنعون الأجانب المستقرون في المغرب من صعوبة بالغة في إيجاد الكفاءات المؤهلة.
لحل أزمة التشغيل وتوفير الموارد البشرية المؤهلة، وضع كراوي الفيلالي خارطة طريق تبدأ بإصلاح عميق وشامل للجامعة المغربية والمدارس العمومية. واقترح التركيز في السنتين الرابعة والخامسة من التعليم العالي على التداريب المهنية والتطبيقات العملية المكثفة، مع إدراج مواد تتماشى مع المتغيرات المتسارعة لسوق الشغل العالمي. وتشمل هذه التخصصات المطلوبة بشدة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والمالية المتقدمة والإحصائيات والدراسات التقنية ومراقبة التدبير.
وحذر الخبير عينه من استمرار الوضع الحالي، حيث تضطر الشركات، أمام غياب الكفاءات المحلية، إلى استقدام خبراء أجانب أو توظيف أشخاص غير مؤهلين وإخضاعهم لتكوينات تقنية مكلفة تستمر لأشهر طويلة. وهذا الوضع يشكل هَدْرا حقيقيا للوقت والموارد ويضيع فرص شغل ثمينة على المواطنات والمواطنين المغاربة.
البحث العلمي والابتكار نحو سيادة تكنولوجية
وللخروج من قوقعة الصناعة الداعمة والتجميعية، دعا المتحدث إلى رصد ميزانيات ضخمة ومهمة للابتكار داخل الجامعات والمعاهد الكبرى، مع دعم مبادرات القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي؛ فالهدف الأسمى هو خلق مقاولات وطنية مبتكرة قادرة على تصميم وتصنيع منتجات مغربية مائة في المائة، تحمل علامات تجارية وطنية خالصة. وشدد على أن هذا الانتقال من بلد مصنع يستقبل الاستثمارات إلى بلد مصمم ومبتكر يمتلك مفاتيح التكنولوجيا هو الرهان الحقيقي للنموذج التنموي المغربي الجديد؛ فنجاح الإقلاع الصناعي في المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو أرقام الصادرات، بل سيعتمد بشكل جذري على بناء صناعة وطنية أكثر إدماجا، ومقاولات أكثر ابتكارا، قادرة على تحويل النمو الاقتصادي العابر إلى تنمية شاملة ومستدامة تنعكس إيجابا على مستوى عيش كافة المواطنين وتضمن مستقبلا زاهرا للأجيال المقبلة.
الصناعة المغربية في مفترق طرق .. من التجميع إلى السيادة التكنولوجية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الصناعة المغربية في مفترق طرق من التجميع إلى السيادة التكنولوجية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الصناعة المغربية في مفترق طرق من التجميع إلى السيادة التكنولوجية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الصناعة المغربية في مفترق طرق .. من التجميع إلى السيادة التكنولوجية.
في الموقع ايضا :