من صولة طارق إلى سباحة اليائسين .. سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ومن خلال هذا التقاطع بين الشعر والواقع، يقارن الحجمري في مقال بعنوان “العبور والقبور” بين سبتة التي تخيلها المجاطي مدينة تنتظر من يستعيدها، وسبتة التي قصدها شباب رأوا فيها منفذا محتملا نحو حياة أخرى، مستحضرا صور البحر والسياج والعبور والانتظار، ومقاربة التحولات الاجتماعية والنفسية التي جعلت المدينة تنتقل من رمز للسيادة والذاكرة إلى مرآة تعكس أسئلة أكثر إلحاحا حول الكرامة والفرص والهجرة ومستقبل الشباب.

بيني وبينَ القُبورِ

إذن سوفَ تأتي

ستأتي متَى نَبتتْ شوكةٌ

من قصيدة ” سَبْتة” لأحمد المجاطي – ديوان ” الفروسية”

سَبْتة… مِنَ المجّاطي إلى يُوليوز 2026

يفتتح المجاطي قصيدته بصوت يقول: «أنا النهر، أمتهن الوصل». يمنح النهر وظيفة أخلاقية؛ يصل الحنين بالموسيقى، والغصن بالسحاب، والإنسان بما يشتاق إليه. لكن سبتة التي كشفتها أحداث يوليوز غيّرت وظيفة الماء. في أفقها يصطدم الحلم الشعري بواقع لا يعرف الرحمة. صنع المجاطي من الماء جسرًا، وصنع اليأس منه مخاطرة؛ منحه الشاعر ذاكرة، ومنحه العابرون طعم الملح والخوف. وحين يختار إنسان البحر لأنه لم يجد طريقًا على اليابسة، لا تعود المشكلة في الماء وحده؛ تظهر المشكلة في الحياة التي ضاقت حتى جعلت الغرق احتمالًا قابلًا للمُجازفة.

تمنح الربابة المستمع وقتًا كي يتأمل حزنه، وتدفع الخوارزمية المشاهد إلى الحركة قبل أن يحسِبَ الثمن. صارت الشاشة صهوة جديدة، وامتطى آلاف الشبان مقطعًا قصيرًا، ثم وجدوا أنفسهم داخل بحر لا يعترف بسرعة الإنترنت. لهذا تكتسب عبارة «أسرج همس الثواني» معنى معاصرًا قاسيًا. أسرجت المنصات ثوانيها، وركضت الصور أسرع من العقل، فتحوّلت الإشاعة إلى حشد، والحشد إلى اندفاع، والاندفاع إلى مأساة. يكرر المجاطي: «آتي على صهوة الغيم، آتي على صهوة الضيم».

من صولة طارق إلى سباحة اليائسين

هنا يستدعي المجاطي «صولة طارق»، فتقلب اللحظة المعاصرة صورة التاريخ. عبرَ طارق الماء نحو الشّمال وهو يحمل قوة ومشروعًا ووجهة واضحة. وعبر شباب اليوم الماء نفسه من دون جيش ولا راية ولا يقين. حمل بعضهم ثيابًا خفيفة، ووضع آخرون هواتفهم داخل أكياس، وترك كثيرون أسماءهم لدى أسر تنتظر مكالمة. تحرك طارق من موقع القوة، وتحرك المهاجر من موقع الحاجة. صنع الأول التاريخ، وحاول الثاني أن يجد مكانًا عند أطرافه. جمع الماء بين الحركتين، ثمّ كشف المسافة الحضارية بين من يعبر كي يفتح أرضًا ومن يعبر كي يبحث عن موطئ قدم. لهذا لا تؤدي «صولة طارق» وظيفة الزّينة التاريخية داخل القصيدة؛ إنها مقياس يفضح انقلاب الموقع. يستدعي المجاطي فارسًا صنع التاريخ، وتعرض اللحظة الراهنة شبابًا يطاردون فرصة عند هوامشه.

البحر لا يفتح الحدود

تمنح الإشارة إلى تطوان القصيدة صلة أخرى أكثر إيلامًا. يسأل المجاطي سبتة: «هل همست نسمة أن تطوان جارية؟». حملت النسمة في القصيدة أخبار المدن، وحملت أيام يوليوز أخبار المفقودين. تجمعت أسر في الفنيدق قرب الحدود، ورفعت صور أبنائها، وسألت كل عائد: هل رأيت ابني؟ هل رأيت أختي؟ هل عبر معك أخي؟ استقبل مستودع الجثامين في تطوان أجسادًا، وواصلت عائلات أخرى انتظار خبر يقطع الشك. ربط المجاطي تطوان بسبتة عبر نسمة، وربط الحدث المدينتين عبر الخوف والصور والانتظار والأسماء التي لم تجد أصحابها.

وتحمل كلمة «زنزانة» في القصيدة معناها الكامل. بدت سبتة لبعض العابرين بوابة، ثم وجدها كثيرون فضاء مغلقًا يفتقر إلى الطعام والمأوى ويدفعهم سريعًا إلى العودة. روى شبان أنهم قضوا ساعات في السباحة، ثم رجعوا جائعين وحفاة بعدما اكتشفوا أن الوصول لا يعني الاستقرار. تجمع المدينة صورتين متعارضتين: نافذة من الخارج، وزنزانة من الداخل.

من صهوة الغيم إلى حافة الغرق

تظل قصيدة المرحوم أحمد المجاطي مُدهشة لأنها منحت المدينة عيْنين وذاكرة وجرحًا. وتظل الأحداث مُفزعة لأنها منحت استعاراتها أجسادًا حقيقية. صار «مذبح النهر» شاطئًا، وصار «مصرع الكبرياء» شابًا يعود حافيًا، وصار «الشوق والثكل» أُمًّا تحمل صورة ابنها، وصار «العبور والقبور» خبرًا يوميًا. كتب المجاطي سبتة جرحًا في الأرض، وكشفت الهجرة جرحًا في الإنسان. يبدأ الحَلُّ حين يجدُ الشباب في وطنهم إمكانًا للحَياة لا يمرّ عبرَ الغَرق، وحين يشعُرون أنّ الكرامة لا تنتظرهم خلف سِياج، وأن المستقبل لا يحتاجُ إلى جَواز مُرور من البحر؛ عندها فقط يعود النهر إلى وظيفته: يَصِلُ الإنسان بوَطنه، ويصلُ الحُلم بالفُرصة، ويصلُ الكرامة بالحَياة. أمَّا قبل ذلك، فستظلُّ سبتة أكثر من مدينة يَدورُ حَولها نِزاعٌ؛ ستظلُّ مرآة تسألُ المغرب سؤالًا لا يستطيعُ تأجيلهُ: كيفَ يهْرَعُ أبناؤُه إلى جُرحِه، وهُمْ يَرْجُون النَّجاةَ مِن جِرَاحِهِمْ؟!

من صولة طارق إلى سباحة اليائسين .. سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة من صولة طارق إلى سباحة اليائسين سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من صولة طارق إلى سباحة اليائسين سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من صولة طارق إلى سباحة اليائسين .. سبتة بين حلم العبور وهاجس القبور.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار