سبتة.. معركة الوعي والسيادة ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

حب المغرب لا يعني أن أغمض عيني عن أخطائه، أو أصفق لكل قرار يصدر عن حكومة أو إدارة أو مسؤول. كتبت وانتقدت، وسأظل أفعل حين أرى أن النقد ضروري. لكن هناك فرق بين أن تنتقد بيتك لأنك تريد إصلاحه، وبين أن تساعد من يتربص به على إسقاط سقفه فوق رؤوس ساكنيه.

هناك اليوم ما يشبه استبداد الرأي السائد. وقد شرحَت نظرية دوامة الصمت منذ عقود كيف قد يتراجع الإنسان عن التعبير عن رأيه عندما يشعر أن البيئة المحيطة ستعاقبه اجتماعيا إن خرج عن الموقف المهيمن. لكن حرية التعبير لا تكون حرية إذا كانت متاحة فقط لمن يقول ما يصفق له الجمهور. وأنا لا أريد أن أكتب وأنا أنظر كل لحظة خلف كتفي لأرى من سيغضب.

هذه البلاد تقف عند تقاطع نادر بين المتوسط والأطلسي، وبين أوروبا وإفريقيا، وعلى أحد أهم الممرات البحرية في العالم. نحن عند ملتقى طرق التجارة والهجرة والأمن والطاقة والثقافات والحضارات.

فمن يقف عند مفترق الطرق يمر الجميع بالقرب من بيته. يمر التاجر… ويمر الغازي أيضا.

لا أذكر هذه الأرقام لكي ندخل في مسابقة طفولية حول “مَن أقدم مِن مَن”. أذكرها لأن المغربي يحتاج أحيانا إلى أن يتذكر أن هذه الأرض لم تكن هامشا ينتظر الآخرين لكي يمنحوه التاريخ.

لكننا لا نعلم أبناءنا دائما أن ينظروا إلى هذه الهوية المركبة بهذه الثقة. وكثيرا ما عرف المغربي تاريخ الآخرين وقضايا الآخرين وأدب الآخرين أكثر مما عرف تاريخ أرضه وتنوعها وخصوصيتها.

فالطفل الذي لا يعرف جيدا من يكون سيجد دائما من يأتي ليخبره من يكون، ولكن وفقا لمشروع ذلك الآخر ومصالحه.

لقد قاوم المغرب عبر تاريخه احتلالات وضغوطا عسكرية وسياسية مختلفة. أما أكثر أشكال الهيمنة نعومة اليوم فلا تحتاج إلى جيوش… يكفي أحيانا أن تنجح في جعل شعب يرى نفسه بعين غيره.

مِن حُكم قضائي دقيق إلى هاتف مكسور

كان الحكم دقيقا في موضوعه. لم يفتح الحدود، ولم يمنح كل من يصل إلى سبتة حقا عاما في البقاء، ولم يلغ مساطر الإرجاع المنصوص عليها في قانون الهجرة. لقد ميّز فقط بين الاعتراض في البحر وبين الحالات التي ينطبق عليها نظام الرفض عند الحدود، وأوجب سلك المسطرة القانونية العادية في الحالة الأولى.

لقد اختصرها أحدهم… وأساء فهمها آخر…. وأضاف إليها ثالث ما كان يتمنى سماعه… بينما اكتشف رابع أن العنوان المثير يجلب مشاهدات أكثر من الشرح القانوني. ثم انتقلت الجملة من مجموعة إلى أخرى حتى صارت عند جزء من الجمهور: إذا وصلت إلى سبتة فلن يستطيع أحد إرجاعك.

لا شك أن الإشاعة لم تخلق من الصفر الرغبة في الهجرة. هي لم تخترع الإحباط، ولا جاذبية أوروبا، ولا حب المغامرة، ولا الرغبة في الاستقلال عن الأسرة، ولا الخوف من المستقبل. فالدعاية لا تخترع دائما الشق، لكنها تستطيع أن تراه، وتتسلل منه، ثم توسعه.

ثم جاءت الصور. ومن أكثرها تداولا صورة فتاتين وصلتا إلى سبتة، ترفع إحداهما شارة النصر… لا يدل هندامهما ولا نوع هاتفيهما على انتمائهما لطبقة فقيرة، على عكس الصورة النمطية للمهاجر غير الشرعي. بالنسبة إلى بعض الناس كانت الصورة مؤسفة. وبالنسبة إلى مترددين آخرين، قد تكون حملت رسالة مختلفة تم ترديدها في الكثير من التعاليق: “هي وصلات ونتا باقي هنا؟!”

لا يمكننا إسقاط شبكات تهريب البشر من التحليل، وكأن عشرات الآلاف عرفوا اللحظة والمسار ونقط التجمع بالطريقة نفسها ومن باب المصادفة وحدها.

ووفق التحليل نفسه، استعملت الشبكة كلمات مفتاحية متغيرة، وروابط توضع في التعليقات بدل المنشورات، وحسابات مجزأة وخطوط اتصال عابرة للحدود. كما ظهرت أيضا عروض نقل من مدن بعيدة، وإعلانات مدفوعة، ومسار ربحي يجمع بين توسيع الجمهور وتقديم خدمات بمقابل. أي أننا قد لا نكون أمام قيادة هرمية واحدة، بل أمام علامة وسوق وشبكة موزعة تستطيع العمل حتى بعد اختفاء بعض صفحاتها.

بالنسبة إلي، هذا يعزز احتمال وجود بنية عابرة للحدود تستحق التحقيق الجدي. أما تحديد هوية من كان خلف الرقم، وطبيعة العلاقة بين مختلف العقد، وما إذا كان الأمر يصل إلى جهة مؤسساتية، فذلك يحتاج أدلة إضافية لا توفرها المعلومات المتاحة لحد الساعة وحدها.

كما لا يجب أن نغفل أن الفوضى نفسها قد تصبح فرصة اقتصادية لبعض الشبكات. فحين تنشغل أجهزة الأمن المغربية والإسبانية بالتعامل مع حشود هائلة تضم القاصرين، وبالإنقاذ وحماية الأرواح، يمكن لتلك الشبكات أن تستعمل الكتلة كغطاء لتمرير عملاء دفعوا المال وتلقوا تعليمات أدق. كما أعتقد أن اختيار يوم الاحتفال بعيد العرش كموعد للعبور الجماعي لم يكن اعتباطيا ولا وليد الصدفة… ربما لاستغلال انشغال عدد كبير من أجهزة الأمن بتأمين الاحتفالات بهذا العيد الوطني… ومن يدري ربما يكون لهذا الاختيار أبعاد أخرى رمزية تحيل إلى مؤامرة أكبر…

الفخ… كل حركة لها ثمن

خلافا لكثير من الاتهامات، فقد أقامت السلطات المغربية بالفعل حواجز واعترضت مرشحين للهجرة قبل وصولهم إلى الفنيدق، وعززت المراقبة، واعترضت محاولات سباحة، وشاركت في عمليات الإنقاذ. لكن حين صارت الكتلة البشرية هائلة، لم يعد منع كل عبور ممكنا من دون استعمال قدر أكبر بكثير من القوة.

ستختفي من الصورة كل الحواجز التي أقيمت قبل الوصول، وكل محاولات الإنقاذ، وكل التعقيد الأمني… وستبقى لقطة واحدة تتكرر ملايين المرات.

هذا هو الفخ. وضع على رقعة تتغير فيها الكلفة الأمنية إلى كلفة سردية ودبلوماسية في ثوان.

أما الأرقام، فيجب التعامل معها بحسب ما تقيسه كل جهة، لا بوصفها مباراة حسابية بين روايتين. المغرب أعلن نحو أربعين ألف دخول عاينه أو قدره في محيط الحدث، وإحدى عشرة وفاة وقعت في مياهه أو ترابه. إسبانيا أحصت أعدادا أكبر من عمليات العودة عبر معبرها، كما أعلنت وفيات وجثامين عاينتها سلطاتها في سبتة. اختلاف المجال واللحظة وطريقة العد يعني أن الأرقام لا تصف بالضرورة المتغير نفسه. وقد قالت السلطات المغربية إنها تواصل التحقق عبر قنوات التعاون الرسمية من الأعداد والهويات والجنسيات التي أعلنها الجانب الإسباني. لذلك لا يصح عرض الفرق تلقائيا بوصفه تناقضا، كما لا يصح جمع الأرقام المختلفة أو المقارنة بينها من دون تعريف ما الذي يعده كل رقم.

حين نبحث عن أزمة سبتة بالإسبانية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو حتى العربية، نجد الرواية الإسبانية والأوروبية في المقدمة، لأن أصحابها يملكون وكالات أكبر، وصحفا أكثر انتشارا، ومراسلين ومراكز بحث وآلة قادرة على توزيع الخبر بلغات العالم. حتى المصادر الناطقة بالعربية تحكي رواية منحازة أو محرفة ومكيفة حسب توجهات أصحابها… حيث إن الآلة الإعلامية لقنوات عابرة للقارات مثل الجزيرة أو العربية لا تحتاج إلى اختلاق واقعة لكي تؤثر. يكفي أن تختار أي واقعة تتصدر الشاشة، وأي خبير يشرحها، وأي سؤال يطرح عشر مرات، وأي سؤال لا يطرح إطلاقا.

كل رواية تختار أين تضع الكاميرا. ومن يملك الميكروفون لا ينقل القصة فقط… بل قد يقرر أي قصة ستصبح مهمة أصلا. وهذا بالضبط ما تعنيه نظريات “وضع الأجندة” في الإعلام.

هذا لا يمنح مصادرنا الوطنية حصانة من النقد، ولا يمنح المصدر الأجنبي ختم الحياد.

لا. وهل يعني ذلك أن الفقر والبطالة وانسداد الأفق لا دور لها؟ لا أيضا.

لقد زرت مناطق جبلية وقروية نائية في المغرب ورأيت أحيانا هشاشة لا تظهر كثيرا في الصور الفيروسية. هناك أشخاص لا يملكون أصلا ثمن رحلة مئات الكيلومترات إلى الشمال، ولا شبكة تخبرهم أين يذهبون، ولا حركية تسمح لهم بالمغامرة. هؤلاء أيضا هم المغرب، لكن لا أحد يصنع لهم كل يوم فيديو بمليون مشاهدة… وهؤلاء لم نرهم ضمن “الحراكة”…

كما أتيح لي السفر إلى عشرات البلدان، الغنية والفقيرة، في معظم القارات باستثناء أوقيانوسيا، سواء في إطار شخصي أو مهني، وتحدثت إلى مسؤولين ومواطنين عاديين بهذه البلدان، ولمست بنفسي مكامن ضعفها وقوتها… كما أتاح لي عملي أن أرى من الداخل بعض الملفات المؤسساتية، وأن أفهم أن القرار العمومي يخضع لقيود قانونية ودبلوماسية ومالية واستراتيجية لا تظهر كلها للجمهور. لذلك، أرفض المقارنات السريعة التي تصنعها الشاشة. فالمغرب ليس جنة. لكنه ليس تلك الخرابة التي تبنيها بعض الروايات أيضا.

أوروبا المتخيلة

الشاشة تعرض السيارة، ولا تعرض القرض. تعرض الرحلة، ولا تعرض ساعات العمل الطويلة. تعرض الراتب باليورو، ولا تعرض الإيجار والضرائب والوثائق. تعرض الحرية، ولا تعرض الوحدة والفشل والانتظار.

ولهذا أتعامل بشيء من السخرية مع خطابات تصدر من بلدان بعيدة جغرافيا عن أوروبا وتسأل بخبث لماذا يحاول مغاربة العبور. الجواب لا يحتاج إلى أطروحة كاملة: لأن أوروبا عند عتبة بيتنا. للمغرب حدود مباشرة مع المجال الأوروبي في الشمال، وضفة أخرى يمكن رؤيتها بالعين. ولو نقلنا حدود الاتحاد الأوروبي إلى أبواب بعض العواصم العربية التي تسخر منا اليوم، لهرب معظم سكانها، بما فيهم الشوفينيون منهم وحتى كبار مسؤوليهم.

حين أنظر إلى المغرب خلال السنوات الأخيرة، تتبادر إلى ذهني صورة عداء في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، من قبيل سعيد عويطة أو هشام الكروج.. عداء لا يظهر في البداية وسط الكوكبة أو خلفها، حتى نظن أنه لن يتقدم السباق أبدا، لكنه يراقب ويوزع جهده وينتظر اللحظة المناسبة ليرفع الإيقاع… لا يحتاج إلى الصراخ منذ الأمتار الأولى، ولا إلى الالتفات في كل لحظة نحو المدرجات ليتأكد أن الآخرين رأوه. يثبت خطوته، يراكم المسافة، حتى يبدأ الفارق في الظهور… ثم يأتي المنعطف الأخير، فيغير سرعته فجأة، ويتقدم تاركا باقي العدائين خلفه في ذهول…

لكن من يتابع ما ينشر عن المغرب من خلال بعض الحسابات على شبكات التواصل قد يظن أنه أمام بلد لا ينتج شيئا ولا يبني شيئا ولا يتقدم خطوة. مثل هذه المنشورات قد تصدر من ذباب إلكتروني مجيش من بعض الأعداء الخارجيين المفلسين فكريا وأخلاقيا واقتصاديا، وقد تصدر أحيانا من مواطنين جالسين بمقهى مكيف، بواسطة هاتف من الجيل الأخير، وعبر شبكة ألياف بصرية أنشأها البلد الذي يعلنون وفاته كل صباح.

وأبرز ما يفسر هذا التحول أن المغرب لم يبن منشآت متفرقة، بل منظومة اقتصادية وصناعية ولوجستيكية تتصل عناصرها ببعضها. فطنجة المتوسط، مثلا، لم يضف رصيفا كبيرا إلى الساحل فحسب، وإنما غيّر وظيفة المغرب داخل التجارة الدولية. لم يعد البلد واقفا على ضفة المتوسط يراقب السفن تعبر أمامه، بل صار يستقبلها ويوجهها ويربط حمولتها بالمصانع والمناطق الصناعية والأسواق، عبر شبكة من الطرق والطرق السيارة والسكك والمطارات والموانئ يجري توسيعها باستمرار. ومن المنطق نفسه خرج القطار فائق السرعة، وتوسعت شبكات النقل الحضري، وتأتي مشاريع 2030 لتسرع تجهيزات كان البلد يحتاج إليها أصلا، على أن تقاس قيمتها بما سيبقى للمواطن بعد انتهاء المباريات، لا بما سيلتقطه الزائر من صور خلالها.

لكن القوة لا توجد في الموانئ والمصانع وحدها. ففي عالم تتقلب فيه سلاسل الإمداد وتهدد الحروب والجفاف أسعار الغذاء، يصبح الفوسفاط أحد مفاتيح الأمن الغذائي العالمي. والمغرب، الذي يملك أكبر احتياطات الفوسفاط المعروفة عالميا، بنى حوله صناعة للأسمدة ومراكز للبحث وخبرة في تكييف التركيبات مع التربة والمحاصيل وحضورا إفريقيا متزايدا.

كما أصبح المغرب يتصدر الوجهات الإفريقية فيما يخص السياحة، متقدما على منافسيه التاريخيين، فالمغرب يقدم داخل بلد واحد تنوعا جغرافيا وثقافيا ولغويا وعمرانيا قل نظيره، فضلا عن شبكة المطارات والطرق والقطارات، والاستقرار والأمن، والقرب من أوروبا، وثقافة الاستقبال، ثم ملايين المغاربة الذين يحملون صورة بلدهم إلى الخارج. ثم جاءت كرة القدم لتوسع القوة الناعمة نفسها: بلوغ مراتب متقدمة وتقديم صورة مشرفة في منافسات قارية وعالمية، وحضور متزايد للأندية والمنتخبات واللاعبين المغاربة.

غير أن هذا لا يعفي المغرب من النظر إلى ما لم ينجح فيه بعد. فالتعليم والصحة يظلان، رغم محاولات الإصلاح، المجالين اللذين يشعر فيهما المواطن بوضوح بالفجوة بين الإنجازات والأعطاب.

ولقد طور المغرب قدراته الدفاعية الجوية والبرية والبحرية، ويواصل تحديث المراقبة والدفاع والصيانة ومحاولة بناء قاعدة صناعية محلية. والقوة لا تظهر فقط في سلاح يوجه إلى عدو، ولكنها تظهر أيضا حين تستعمل الطائرة لحماية قرية وغابة من النار. ويمنح أسطول طائرات كانادير ووسائل التدخل الجوي الأخرى البلد قدرة على اختصار الساعات الحاسمة بين اندلاع الحريق وتحوله إلى كارثة.

ففي السياق ذاته، يمكن لإسبانيا أن تعلن دعمها الشفوي لفلسطين وحتى أن تقدم مساعدات… هذه هي السياسة التي اختارها اليوم الحزب الحاكم… لكن هذا لا يمنع من أن نكشف التناقض بين خطاب إسباني مناهض للاحتلال والتمسك بسبتة ومليلية والجزر المغربية المحتلة ورفض فتح ملف هذا الإرث على الضفة الجنوبية للمتوسط. كما يحق للمغاربة أن يتعاطفوا مع الفلسطينيين ومع ضحايا الحروب في اليمن وإفريقيا وأوكرانيا وغيرها، من دون أن تتحول أي قضية خارجية إلى امتحان دائم لوطنيتهم، أو توضع فوق الصحراء المغربية وسبتة ومليلية وتنمية جبالهم وكرامة مواطنيهم. قوة الموقف المغربي ليست في الضجيج، بل في استمراره وفي محاولة الجمع بين التضامن والمصلحة الوطنية.

وهنا تبدأ السياسة الحقيقية.

فحين يجذب طنجة المتوسط خطا ملاحيا أو حصة من تجارة المضيق، لا يحدث ذلك في فراغ: موانئ الجزيرة الخضراء وفالنسيا وغيرها تراقب التحول لأنها تعمل في المجال البحري نفسه. وحين يجذب مصنع مغربي استثمارا، فهو ينافس مواقع في جنوب إفريقيا وتركيا ومصر وأوروبا الشرقية وغيرها. وحين تتوسع البنوك والمقاولات المغربية في إفريقيا، تدخل أسواقا تتنافس فيها قوى إفريقية ودولية، من جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر إلى فرنسا وقوى خليجية وصينية. وحين يعزز المغرب حضوره في غرب إفريقيا والساحل، فإنه يملأ جزءا من مساحات يتراجع فيها نفوذ فرنسي قديم ويصطدم بمصالح جزائرية تعتبر المنطقة امتدادا استراتيجيا لها.

أي أن نجاحنا، ببساطة، ليس خبرا سعيدا للجميع… ليس لأن العالم يستيقظ كل صباح وهو يفكر فينا، فنحن لسنا مركز الكون إلى هذه الدرجة المريحة. بل لأن الاقتصاد والسياسة يقومان على المصالح والمنافسة. في السباق، إذا بدأت تبتعد عن الكوكبة، لن يصفق لك كل من يركض بجانبك. قد يحاول منافس رفع سرعته، وهذا حقه. وقد يحاول آخر أن يجذب قميصك أو يضع قدمه أمامك.

هناك سمة في الشخصية المغربية نتشبث بها جميعا… إكرام الضيف.

لكن هذه الخصلة الجميلة تصبح خطرة عندما ننقلها حرفيا إلى العلاقات الدولية.

من الجميل أن يدعم المغرب الدول والشعوب “الصديقة” أو “الشقيقة”، بما فيها فلسطين أو كل قضية عادلة، وأن يظل في الوقت نفسه واضعا مواطنيه والصحراء المغربية وسبتة ومليلية وجباله ومصالحه الاستراتيجية في قلب أولوياته. يمكن أن نكون إنسانيين ومغاربة في آن واحد. فالكرم ليس أن تعطي الضيف مفتاح البيت ثم تنام أنت في الشارع.

العقلية المؤامراتية شيء… ووجود المؤامرات شيء آخر

سبق أن كتبت ضد العقلية المؤامراتية، وما زلت عند موقفي. العقلية المؤامراتية تجعل المؤامرة جوابا جاهزا لكل سؤال. فشلنا؟ تآمروا علينا. أخطأنا؟ دسوا لنا السم. لم ننجح؟ لأن العالم يخاف منا. هذا التفكير مريح، لأنه يعفينا من النظر في المرآة.

الفرق بالنسبة لي بسيط: المؤامراتي يبدأ بالمؤامرة ثم يبحث عن الأدلة. التفكير النقدي يبدأ بالوقائع، ثم يختبر عدة فرضيات، من بينها احتمال وجود تخطيط أو تدخل خارجي. وفي إدارة المخاطر، لا تكفي نسبة الاحتمال وحدها. قد تستحق فرضية ضعيفة الاحتمال الفحص إذا كان أثر تحققها شديد الخطورة. لذلك أرفض أن نقول نظرية مؤامرة كلما ظهر خيط غير مريح، كما أرفض أن نحول كل خيط إلى حكم نهائي.

لدينا معارض صادق، وصحفي يكشف خللا، ومواطن غاضب من قرار. هؤلاء ليسوا أعداء الوطن. النقد الجاد يخدم المغرب لأنه يكشف العطب قبل أن يصير مرضا مزمنا.

الوزير يرحل، والمدير يتغير، والموظف الفاسد قد يحاسب أو يتقاعد… أما المؤسسة والوطن فليسا ذلك الشخص.

وحين ينتقل الأمر إلى خدمة واعية لمصلحة أجنبية بقصد الإضرار بالمصالح الأمنية أو الدبلوماسية أو الترابية للمغرب، أسمي ذلك خيانة بالمعنى الأخلاقي والسياسي، حتى لا أسميها خيانة بمعناها القانوني، والتي تعتبر جريمة لها أركان يحددها القانون، ولا يحق لأحد أن يستعملها لقمع رأي أو إسكات نقد.

السياسة ليست بثا مباشرا على إنستغرام

المواطن يرى القرار النهائي. أما الدولة فقد ترى في اللحظة نفسها التزاما قانونيا، وحليفا، وضغطا دبلوماسيا، وميزانية، ومعلومة أمنية لا يمكن نشرها، ومقايضة، ومكسبا لن يظهر قبل سنوات.

قد أكون أنا أيضا لا أعرف سوى جزء مما يقع خلف الستار… لكنني على الأقل أعرف أن هناك ستارا.

المغرب يملك دبلوماسيين جيدين، وأجهزة راكمت خبرات مهمة، ومؤسسات تدبر ملفات شديدة التعقيد. لكننا ما زلنا أحيانا نتواصل بعقلية نشرة الثامنة. لقد انتهى ذلك العصر.

لا يكفي أن نصف المؤثر السطحي بالتافه ثم نطمئن إلى تفوقنا الأخلاقي. إذا حرك محتواه سلوكا جماعيا، صار فهمه مسألة عامة. يجب أن ندرس لماذا يصل… يجب أن ندرس الإيقاع، واللغة، والعاطفة، والسرد، والتكرار، والقرب، والإحساس بالأصالة، ومعرفة الجمهور…

المغرب لا يحتاج إلى مؤسسة جديدة تحمل اسما فخما ومكاتب كثيرة وتكتشف بعد أول أزمة أن كلمة المرور عند موظف في عطلة. ولكنه يحتاج إلى وظيفة دائمة، وقيادة واضحة، ومسار قرار قصير، وربط بين الموجود بدل إضافة طبقة بيروقراطية أخرى.

قبل الأزمة، ينبغي أن تعمل منظومة إنذار مبكر متعددة اللغات. ترصد الدارجة والعربية والأمازيغية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات حسب الحاجة، وتتابع السرديات والسلوك المنسق وانتقال المحتوى بين المنصات، في حدود القانون وبالتركيز على الفضاء العام والمؤشرات المجمعة لا على مراقبة الحياة الخاصة للمواطنين، بحيث يكون لديها سلم واضح لرفع الإشارة: محلل يرصد، وفريق يتحقق، ومسؤول مناوب يقدّر الخطر، ثم لجنة مصغرة تقرر خلال ساعات لا أيام.

ثم يأتي التحصين المسبق “debunking”… بحيث لا ننتظر أن تستقر الإشاعة في الذاكرة قبل تصحيحها. وإنما نشرح مسبقا التقنية التي قد تستعمل للتلاعب، ونقدم نسخة مبسطة من المعلومة الصحيحة. لقد أظهرت تجارب واسعة أن مقاطع قصيرة تحذر من أساليب مثل الاستقطاب العاطفي والثنائيات الزائفة قد تحسن قدرة الجمهور على تمييز التضليل. لكنها ليست لقاحا أبديا لأن أثرها يضعف مع الوقت، ويختلف باختلاف الجمهور والثقة في المصدر، ولذلك تحتاج إلى تكرار وتكييف واختبار محلي.

ولكل جمهور لغته وشكله. تنبيه قصير بالدارجة للشباب. شرح بالعربية والأمازيغية للجمهور الوطني. معطيات دقيقة بالإسبانية مثلا للرأي العام القريب. رسائل بالفرنسية والإنجليزية للشركاء والصحافة الدولية. فيديو قصير للخبر العاجل، وورقة قانونية كاملة للصحافي والباحث. لا قداسة للشكل… المهم أن تصل الحقيقة في الوقت الذي لا تزال فيه قادرة على المنافسة.

وفي المدرسة، لا تكفي حصة موسمية عن مخاطر الإنترنت. نحتاج إلى تعليم عملي حول فحص المصدر، والصورة المفبركة، والإحصاء المضلل، والمنطق، والخوارزمية، والتحيزات المعرفية، والتزييف العميق. ونحتاج بالتوازي إلى معرفة هادئة بتاريخ المغرب وتنوعه ومؤسساته، لا تلقينا وطنيا أجوف. الهوية الصلبة ليست ترديد شعارات، بل القدرة على فهم البلد بقوته وجراحه وتناقضاته.

وخارج الحدود، ينبغي أن تتحول الدبلوماسية الاقتصادية والجامعية والإعلامية إلى جزء من المناعة. فالشراكات والاستثمارات ومراكز التفكير والجامعات والجالية ليست زينة للقوة الناعمة. وإنما هي قنوات تضمن أن الرواية المغربية لا تصل إلى العالم في صيغة بلاغ مترجم بعد أن تكون العناوين قد استقرت.

وبعد الأزمة، يجب أن ينجز تقييم مكتوب لا طقس مجاملة. ما الإشارات التي تجاهلناها؟ من تكلم أولا؟ لماذا صدقه الناس؟ كيف انتقلت الرواية؟ أي فئة لم نصل إليها؟ ما الرد الذي نجح؟ من اتخذ القرار وفي أي وقت؟ وما الذي سيتغير قبل الموعد المقبل؟

ولكي لا تتحول مقاومة التضليل إلى ذريعة للرقابة العامة، يلزم قانون واضح ورقابة قضائية وبرلمانية، ومعايير منشورة للتدخل، وفصل بين الرأي المخالف والسلوك المنسق غير المشروع. الدولة الواثقة لا تخلط بين الناقد والعدو. وحماية المجتمع من التلاعب لا تكون بتعطيل الحرية التي نزعم حمايتها.

الملكية… ضمانة وليست مجرد رمز

أنظر إلى منطقة عرفت الانقلابات والحروب الأهلية والانهيارات وتفكك المؤسسات، وأسأل ما الذي وفر للمغرب الاستمرارية والتحكيم وبقاء الدولة فوق تغير الحكومات والأشخاص. بالنسبة إلي، كانت الملكية ولا تزال مركز ثقل. والدستور يجعل الملك ممثل الأمة الأسمى ورمز وحدتها، وضامن دوام الدولة واستمرارها.

وأنا لا أرى تناقضا بين التطور الديمقراطي وبين المحافظة على الملكية. فالاستقرار ليس نقيض الحرية، ولكن هو الأرض التي يمكن أن تبنى فوقها هذه الحرية من دون أن يسقط البناء كله.

معلومة قانونية تحولت إلى إشاعة… إشاعة أصابت رغبة كامنة… صورة خفضت الإحساس بالخطر… خوارزمية وسعت الرسالة… مجموعات مغلقة نسقت الحركة… مجندون صغار جمعوا الخلايا… شبكات جريمة رأت سوقا مربحة… شعبوية انتهازية داخلية وجدت مادة جاهزة… وسائل إعلام اختارت كل منها موضع الكاميرا الذي يناسبها… ثم وجدت دولتان نفسيهما تديران الحدود والإنقاذ والصورة والرأي العام في الوقت نفسه.

ربما حدثت أزمة جيل z في سياق مختلف، لكن الأزمتين تقولان شيئا مشتركا: الخلافات والحروب أصبحت تشن اليوم بوسائط جديدة… قد تبدأ في مجموعة واتساب، وفي صورة، وفي خبر محرّف أو مبتور، وفي شعور جمعي يجد فجأة موعدا ومكانا.

لا نستطيع منع كل يد من المحاولة. لكن نستطيع أن نحمي مسارنا، وأن نُحكِم ربط حذائنا، وأن نرى الحفرة قبل أن نصل إليها… والأهم ألا تكون اليد التي تسقطنا من داخل فريقنا.

البلد الذي يتأخر في رواية حكايته، سيجد نفسه في النهاية يقرأها بقلم غيره.

-حاصلة على ماستر في الترجمة وإجازة في اللغة الإنجليزية وآدابها.

تشتغل حاليا بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

إلى جانب مسارها المهني، تهتم بالكتابة النثرية والشعرية، ودراسات الترجمة، وبقضايا المجتمع والثقافة والعلاقات الدولية.

سبتة.. معركة الوعي والسيادة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة سبتة معركة الوعي والسيادة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سبتة معركة الوعي والسيادة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سبتة.. معركة الوعي والسيادة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار