رائحة الحبشة
هناك كانت سيدة إثيوبية تدير مقهى تقليديًا لا تزيد مساحته على بضعة أمتار؛ لكنه بدا أكثر دفئًا من كل المقاهي الحديثة التي مررت بها في ذلك الصباح.
والملوحة ذلك الجمال الذي يختصره المثل المغربي الدارج “لي زين زين وخا ما يعوم من الاثنين للاثنين”.. جمال الصدق، لا جمال الزينة.
امتزجت رائحة البن المحمص برائحة الجاوي المتصاعدة من مبخرة صغيرة، حتى بدا المكان كله غارقًا في عبق لا يشبه أي مقهى عرفته من قبل.
وعلى الأرض، كانت تنتشر أعواد من العشب الأخضر الطازج، كأن الطبيعة نفسها حضرت لتشارك في هذا الطقس. علمت فيما بعد أن نثر العشب جزء من مراسم القهوة الإثيوبية، يرمز إلى الحياة والبركة واستقبال الضيف، وأن إعداد القهوة هنا ليس مجرد تحضير لمشروب، بل احتفاء بلحظة اللقاء.
في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أدخل مقهى، بل دخلتُ فصلًا من الثقافة الإثيوبية؛ فالقهوة هنا لا تُشرب على عجل، ولا تُقدَّم لإطفاء العطش، بل لتمنح الزمن فرصة كي يتباطأ، ولتفتح باب الحديث بين الغرباء قبل الأصدقاء.
بادلتهم الابتسام، وحييتهم بالإنجليزية، فاكتفوا بابتسامات دافئة دون أن يقولوا شيئًا.
أشرت إلى صاحبة المقهى بيدي طالبًا فنجانًا من القهوة. كنتُ قد شربتُ رائحتها بأنفي، وحان الوقت أن أتذوقها بلساني.
ـ السلام… تريد قهوة؟
ـ الحمد لله… أول عربية ألتقيها هنا!
— لا… أنا من الحبشة.
ولم تقلها باعتبارها اسمًا في كتاب تاريخ، بل باعتبارها وطنًا لا يزال حيًا في وجدانها. ثم فتحت تلك الكلمة بابًا واسعًا في ذاكرتي.
لا أعرف إن ذُكرت الحبشة في فيلم “الرسالة” أم لا؛ لكنني تذكرت الكثير من أحداثه بمجرد أن نطقت سيدة القهوة كلمة “الحبشة”. فيلم “الرسالة” الذي تفرجت فيه ذات رمضان في طفولتي ذات ليلة قدر؛ لكن أحداثه بقيت في مخيلتي. كما أعادني كل هذا إلى دروس مادة التربية الإسلامية، وإلى قصة الهجرة الأولى، والنجاشي الذي آوى المسلمين الأوائل، وإلى تلك البلاد التي عرفناها في طفولتنا باسم الحبشة، قبل أن نتعرف إليها لاحقًا باسم إثيوبيا.
مدت إليّ فنجان القهوة، ثم أشارت إلى إناء صغير مملوء بالسكر وإلى ملعقة دقيقة، تاركة لي حرية أن أختار مذاقها كما أشاء. أدركتُ عندها أن الضيافة الحقيقية لا تفرض ذوقها على ضيفها؛ بل تترك له مساحة صغيرة ليكون على سجيته. لم أشرب القهوة على عجل، فالقهوة أخت الوقت، كما قال الشاعر؛ بل استمتعت بها وأنا أتأمل المكان والزمان. ولأول مرة شعرت بأنني لا أحتسي القهوة؛ بل أحتسي شيئًا من تاريخ هذا البلد.
يتبع
مشاهدات من أديس أبابا (3) .. فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة مشاهدات من أديس أبابا 3 فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مشاهدات من أديس أبابا 3 فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مشاهدات من أديس أبابا (3) .. فنجان قهوة إثيوبية تستدعي ذاكرة الحبشة.
في الموقع ايضا :