فخ التمدد الاستراتيجي المفرط ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

د. عثمان غازي قندمير - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس

لماذا تتراجع القوى الكبرى؟

تشكلت الإجابات التي قُدمت على هذا السؤال عبر التاريخ حول الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات التكنولوجية والانهيارات السياسية. غير أن هناك آلية أكثر جوهرية في قصص صعود بعض الدول وتراجعها. إذ تبدأ المشكلة عندما يختل التوازن بين القدرة الاقتصادية والصناعية المتاحة وبين الالتزامات العسكرية والجيوسياسية التي تضطلع بها الدولة.

إن مفهوم «التمدد الاستراتيجي المفرط»، الذي استخدمه الاستراتيجي العسكري بي. إتش. ليدل هارت عند وصفه وضع الإمبراطورية البريطانية العظمى، أصبح لاحقًا أحد المفاهيم المهمة في أدبيات العلاقات الدولية، بفضل دراسة مؤرخ جامعة ييل بول كينيدي المعنونة «صعود وسقوط القوى العظمى»، والتي نُشرت عام ١٩٨٧. وكانت أطروحة كينيدي الأساسية بسيطة: فالقوة العسكرية للدولة تعتمد في نهاية المطاف على قدرتها الإنتاجية الاقتصادية التي تمولها. وتبدأ المشكلة عندما تنمو التزامات الدولة الأمنية بوتيرة أسرع من قدرتها الاقتصادية.

والنقطة التي ينبغي الانتباه إليها هنا هي أن التمدد المفرط لا يعني فقط توسيع الحدود من خلال الفتوحات العسكرية. فاضطلاع الدولة بمسؤوليات أمنية في عدد كبير من المناطق يمكن أن يكون جزءًا من الآلية ذاتها. كما يمكن تقييم الحفاظ على وجود عسكري في الخارج، وتوسيع التحالفات، ومحاولة التدخل في الأزمات في مناطق جغرافية بعيدة ضمن هذا الإطار.

لكن لماذا تتجاوز الدول هذا الحد؟

يمكن إضافة مقاربة جاك سنايدر المتعلقة بالسياسة الداخلية إلى التفسير الاقتصادي الذي قدمه كينيدي. ووفقًا لسنايدر، فإن ما يدفع الدول إلى التوسع ليس دائمًا حاجة أمنية موضوعية. فقد تدمج البيروقراطية العسكرية، والصناعات الدفاعية، والأوساط الدبلوماسية، والنخب السياسية مصالحها المؤسسية الخاصة مع السياسات التوسعية. ومع مرور الوقت، يتوقف خيار معين في السياسة الخارجية عن كونه خيارًا ينبغي مناقشته، ويبدأ النظر إليه باعتباره ضرورة طبيعية للأمن القومي.

وبعد هذه المرحلة، يصبح التراجع صعبًا. لأن كل التزام جديد يخلق مجالًا جديدًا من المصالح يجب حمايته لاحقًا. فعندما يُنشأ وجود عسكري في منطقة ما، تصبح هناك حاجة إلى تأمين ذلك الوجود. وعندما تُبرم اتفاقية دفاع مع دولة ما، ينبغي أيضًا أخذ الأزمات المحتملة التي تدخل ضمن نطاق تلك الاتفاقية في الحسبان. وعندما يُكتسب نفوذ سياسي في منطقة ما، يصبح من الضروري تخصيص موارد دبلوماسية واقتصادية للحفاظ على ذلك النفوذ.

وهكذا، يمكن لمجموع القرارات الصغيرة أن يشكل عبئًا استراتيجيًا كبيرًا.

ويعرض التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك. فقد عجز آل هابسبورغ عن التخلص من الأزمات المالية، رغم عائدات المعادن النفيسة القادمة من الأمريكتين، بينما كانوا يخوضون في أوروبا صراعًا في الوقت نفسه مع القوى البروتستانتية والإمبراطورية العثمانية وفرنسا. واحتاجت الإمبراطورية الرومانية إلى موارد عسكرية ولوجستية متزايدة باستمرار من أجل حماية حدودها المتسعة. وكشفت حملة نابليون على روسيا عام ١٨١٢ حدود القوة العسكرية أمام الجغرافيا واللوجستيات. وفي الحرب العالمية الثانية، أظهر خوض ألمانيا واليابان الحرب في وقت واحد على جبهات واسعة للغاية بشكل أوضح عدم الانسجام بين القدرة الإنتاجية الاقتصادية والأهداف العسكرية.

أما قصة الإمبراطورية البريطانية فتوضح أن التمدد المفرط لا يقتصر على ساحات القتال. فقد واصلت لندن حماية طرق الملاحة العالمية ومستعمراتها وشبكتها التجارية، في الوقت الذي كانت فيه تفقد تفوقها الاقتصادي تدريجيًا أمام منافسيها. كما حدّ ثقل الحرب في أوروبا من قدراتها العسكرية في الشرق الأقصى. وكان سقوط سنغافورة عام ١٩٤٢ تحذيرًا جديًا بشأن استدامة الالتزامات العالمية.

وظهرت آلية مشابهة أيضًا في الاتحاد السوفيتي. إذ إن الحفاظ على مناطق النفوذ في أوروبا الشرقية، وحرب أفغانستان، والعلاقات مع القوى الوكيلة على مستوى العالم، وسباق التسلح مع الولايات المتحدة، فرضت أعباء إضافية على اقتصاد كان يعاني أصلًا من مشكلات في الكفاءة والإنتاجية. وبالطبع، ليس من الصحيح تفسير انهيار الاتحاد السوفيتي بالتمدد الاستراتيجي المفرط وحده. لكن عدم التوافق بين الأعباء العسكرية والجيوسياسية وبين القدرة الاقتصادية كان أحد العوامل التي زادت من هشاشة النظام.

لكن للنظرية هنا حد مهم. فالتمدد المفرط ليس مشكلة القوى الكبرى وحدها، إذ يمكن للدول التي تسعى إلى أن تصبح قوى كبرى أن تقع في الفخ نفسه أيضًا.

ولا يشترط لذلك أن تحاول دولة متوسطة الحجم توسيع حدودها من خلال الحروب. فيكفي أن تضطلع، قياسًا إلى قدرتها الاقتصادية، بمسؤوليات عسكرية وسياسية في مناطق كثيرة جدًا. فالانخراط في أكثر من التزام عسكري في المحيط القريب، وإنشاء قواعد دائمة في مناطق جغرافية مختلفة، وتوسيع الشراكات الدفاعية، وتحمل مسؤوليات متزايدة في حل الأزمات الإقليمية، كلها قد تخلق خطر التمدد الاستراتيجي المفرط بالنسبة إلى دولة متوسطة الحجم أيضًا.

وفوق ذلك، فإن هامش الخطأ لدى القوى المتوسطة أضيق منه لدى القوى الكبرى. فالاقتصادات الكبيرة تستطيع تحمل نفقات دفاعية مرتفعة لفترة طويلة، وقد تمتلك موارد مالية وتكنولوجية واسعة. أما في الدول متوسطة الحجم، فإن تباطؤ النمو الاقتصادي، والحاجة إلى العملات الأجنبية، وتكاليف الطاقة، أو أزمة عسكرية طويلة الأمد، يمكن أن تجعل الفجوة بين أهداف السياسة الخارجية والقدرة الاقتصادية أكثر وضوحًا وبسرعة أكبر.

والسؤال الذي ينبغي طرحه هنا ليس: «هل هذه الخطوة صحيحة أم خاطئة؟» بل ينبغي طرح سؤال أكثر هدوءًا وواقعية: هل تمتلك هذه الدولة القدرة على تحمل جميع الالتزامات التي قد تظهر في الوقت نفسه؟

إن التنافس الجيوسياسي الحديث يجعل هذا السؤال أكثر أهمية. فقد أظهرت دراسة نشرتها مؤسسة راند عام ٢٠١٩ حول روسيا، أنه من الممكن إرغام الخصم على المنافسة في مجالات مكلفة بدلًا من هزيمته عبر حرب مباشرة. وقد دُرست الضغوط الاقتصادية والعقوبات والمساعدات العسكرية ودفع الخصم إلى استثمارات دفاعية باهظة، بوصفها خيارات تهدف إلى استنزاف موارده.

وفي أيامنا هذه، قد يكون التمدد الاستراتيجي المفرط أحيانًا خيارًا تتخذه الدولة بنفسها. وقد يتحول أحيانًا أخرى إلى عملية يجرها إليها خصمها. فكلما تحملت دولة مسؤوليات على جبهات أكثر، أصبح من الأسهل على خصومها تحميلها أعباء جديدة.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية للتمدد الاستراتيجي المفرط. ففي المرحلة الأولى، يبدو التوسع وكأنه تعزيز للقوة. فالقواعد الجديدة، والاتفاقيات الجديدة، والقدرات العسكرية الجديدة، ومناطق النفوذ الجديدة، تعطي انطباعًا بأن الدولة في صعود. لكن بعد نقطة معينة، قد تبدأ هذه العناصر نفسها، بدلًا من زيادة القوة، في استنزافها.

وفي النهاية، فالقوة الاستراتيجية ليست القدرة على التواجد في كل مكان. إنما القوة الحقيقية هي القدرة على تحديد الالتزامات التي ينبغي تحملها، وتلك التي ينبغي رفضها.

 

مشاهدة فخ التمدد الاستراتيجي المفرط

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فخ التمدد الاستراتيجي المفرط قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فخ التمدد الاستراتيجي المفرط.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار