تمثل اتفاقية مكة للدفاع المشترك، الموقعة في 7 أغسطس 2026، تحولًا مهمًا في مفهوم الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، باعتبارها إطارًا ثلاثيًا يجمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في منظومة تقوم على الردع والتعاون الدفاعي المشترك. وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا.
وإذا نظرنا إلى منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، فسوف نجد أن هذه المنطقة عانت من أزمات وكوارث أمنية متواصلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م، وظلت من أكثر مناطق العالم هشاشة من الناحية الأمنية خلال فترة الحرب الباردة، كما تحولت إلى إحدى ساحات الاستقطاب بين قطبي النظام الدولي آنذاك: موسكو وواشنطن.
وقد وفرت تحالفات الحرب الباردة، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو، مظلات أمنية متباينة لأوروبا التي خرجت من مآسي حربين عالميتين. وفي الوقت نفسه، نجحت التحالفات التي قادتها الولايات المتحدة في شرق آسيا في بناء منظومة أمنية أسهمت في تحقيق قدر من الاستقرار النسبي.
وسمح هذا الاستقرار في أوروبا وشرق آسيا بتهيئة بيئة مناسبة لنهوض اقتصادي كبير في دول أوروبا الغربية، وكذلك في عدد من دول شرق آسيا.
وعلى مدى ثمانين عامًا، ظلت منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا تعاني من عدم الاستقرار الأمني، وشكلت مساحة جغرافية للتجاذبات بين القوى الكبرى. وأدى هذا الوضع إلى تبديد جزء كبير من ثروات المنطقة في سبيل تحقيق الأمن، ومع ذلك ظل الأمن الإقليمي نفسه مفقودًا أو هشًا.
ومن هنا يمكن القول إن اتفاقية مكة تمثل تحولًا مهمًا على المستوى الأمني لعدد من الأسباب.
أولًا: أن هذا الإطار الدفاعي الإقليمي جاء نتيجة احتياج واضح إلى مظلة أمنية إقليمية، في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
ثانيًا: أن الاتفاقية تجمع ثلاث دول كبيرة ومستقلة وذات قدرات عسكرية واقتصادية مؤثرة، ولا تقوم في جوهرها على اصطفاف مؤقت بقدر ما تعكس رغبة في بناء تعاون دفاعي طويل الأمد.
ثالثًا: أن هذا الإطار يلبي احتياجًا أمنيًا لدى شعوب المنطقة من جهة، ويفتح الباب أمام تأسيس منظومة أمنية إقليمية تعكس قدرًا أكبر من الاعتماد على الذات لدى الدول المؤسسة.
ومن الواضح أن الاحتياج الأمني للدول الثلاث كان أحد أهم الدوافع التي ساهمت في ولادة هذا الإطار.
وسوف نتوقف عند احتياجات كل دولة من الدول المؤسسة.
ستيفن كوك يكتب: نهاية النظام الإقليمي بقيادة واشنطن في الشرق الأوسط.. و«اتفاق مكة» يثبت ذلكتركيا
تُعد الجمهورية التركية الحالية من الدول التي تشكلت بعد سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة عام 1924م.
وقد أدى التحول الجذري الذي قاده مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، إلى إعادة صياغة هوية الدولة ومؤسساتها. واستمد أتاتورك جانبًا مهمًا من مشروعه من نموذج الدولة القومية الأوروبية ومن أفكار الثورة الفرنسية والحداثة الأوروبية.
وسعت تركيا، على مدى عقود طويلة، إلى الاندماج في المنظومة الأوروبية والغربية، كما انضمت إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952م، في ظل استقطابات الحرب الباردة.
وخلال العقود الأخيرة، ومع تعثر مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتغير البيئة الإقليمية والدولية، بدأت تركيا تعيد النظر في تموضعها السياسي والاستراتيجي وهويتها الإقليمية.
ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، بدأت تركيا في إعادة ضبط بوصلتها الإقليمية، وبرزت توجهات تدفع باتجاه تعزيز حضورها في محيطها الشرق أوسطي والإسلامي، مع تقديم تجربتها السياسية والاقتصادية باعتبارها نموذجًا يمكن أن يمتد تأثيره إلى المنطقة.
ومع النجاحات الاقتصادية التي حققتها تركيا خلال العقود الأخيرة، وترسيخ موقعها ضمن مجموعة العشرين، تزامن ذلك مع تحولات سياسية واجتماعية مهمة، ومحاولات لمعالجة عدد من الملفات الداخلية، ومن بينها القضية الكردية، عبر مسارات سياسية واقتصادية مختلفة.
وعلى الرغم من النجاح الاقتصادي والسياسي الذي حققته تركيا داخليًا، فإن أنقرة تنظر إلى وجود منظومة أمن إقليمي باعتباره ضرورة وطنية، وعاملًا مهمًا لضمان استمرار النجاحات الاقتصادية وحمايتها وتنميتها في منطقة مضطربة.
السعودية
وبالقدر نفسه، ينطبق جانب من هذا التحليل على المملكة العربية السعودية.
وتتشابه السعودية وتركيا في أن الدولتين استطاعتا بناء مؤسسات الدولة الحديثة عبر مسارات سياسية داخلية، بعيدًا عن نشأة الدولة الحديثة في عدد من دول المنطقة تحت الانتداب أو السيطرة الاستعمارية المباشرة.
وقد تأسست المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز آل سعود في العام 1932م وتراكم الاستقرار الداخلي فيها على مدى عقود طويلة ولعبت المملكة العربية السعودية ادوار مهمة على المستوى العالمي أسهمت في نمو الاقتصاد العالمي على مدى عقود طويله من خلال سياساتها المتزنة في مجال الطاقه وحرصها الدائم على حماية أسواق الطاقة العالمية من الأحتكار وتذبذب الأسواق ، وتحظى السعودية با احترم ومكانه ممتازه على المستويين العالمي و الأسلامي نتيجة سياساتها المتزنة وحرصها على دعم السلام الاستقرار في الأقليم والعالم ..
أسهم الاستقرار في الداخل السعودي الطويل والذي كان ثمرة لسياسات السعودية الحكيمة إلى بناء اقتصاد قوي جعل المملكة إحدى القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، وعضوًا في مجموعة العشرين.
وقد دفع هذا النجاح الاقتصادي المتراكم في المملكة إلى تبني رؤية جديدة لمستقبل الدولة والاقتصاد والمجتمع.
وهي الرؤية التي تبناها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وأطلق عليها رؤية السعودية 2030.
وقد نجحت الرؤية، خلال السنوات الأولى من عمرها، في إحداث تحولات واسعة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وأعطت ملامح هذا التحول الأولية مؤشرات إيجابية بشأن مستقبل الاقتصاد السعودي.
وتشير التطورات الاقتصادية والاستثمارية إلى أن الاقتصاد السعودي مرشح للاضطلاع بدور أساسي في التحولات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
غير أن الاضطرابات الأمنية في المنطقة تمثل تهديدًا لهذا التحول، الذي لا تقتصر آثاره المحتملة على المملكة، بل يمكن أن تمتد نتائجه إلى الإقليم بأكمله.
ومن هنا يمكن القول إن هناك تقاربًا واضحًا بين السعودية وتركيا في النظرة إلى أهمية بناء بيئة أمنية إقليمية أكثر استقرارا.
باكستان
وعند الحديث عن جمهورية باكستان، نجد أنها ولدت كدولة مستقلة عام 1947م في جغرافيا وهويات شديدة التعقيد، بوصفها كيانًا سياسيًا نشأ في شبه القارة الهندية لتمثيل المسلمين في منطقة متعددة الأديان والأعراق.
ومنذ استقلالها، وجدت باكستان نفسها مرتبطة بعمقها العربي والإسلامي، بحكم تكوينها السياسي والهوياتي والجغرافي.
ومن ثم فإن وجودها بوصفها الدولة الثالثة في اتفاقية مكة للدفاع المشترك يترجم جانبًا من هذا العمق الإسلامي إلى تعاون استراتيجي يمكن أن يسهم في بناء إطار أمني أكثر استقرارًا.
لقد شكل الهاجس الأمني، وفكرة ترسيخ البقاء الوجودي في مواجهة العواصف الإقليمية والدولية، عنصرًا أساسيًا في الاستراتيجية الأمنية والسياسية الباكستانية.
واستطاعت باكستان، على مدى تاريخها، بناء قدرات عسكرية وتطوير منظومات للردع والتوازن، وهو ما يجعل تجربتها أحد المصادر المهمة لفهم دوافعها للانخراط في اتفاقية مكة.
وخلاصة التجربة الباكستانية أن الأمن لا يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، وإنما عبر التوازنات الاستراتيجية والاعتماد على الذات وبناء الشراكات.
ومع ذلك، فإن مفهوم الأمن لم يعد مفهومًا وطنيًا خالصًا؛ فمهما امتلكت الدولة من قدرات عسكرية وردع، فإن طبيعة التهديدات المعاصرة تجعل الأمن على مستوى الدول والمناطق — مفهومًا جماعيًا.
اتفاقية مكة ليست تحالفًا أيديولوجيًا
ويمكن القول إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ليست، في جوهرها، تحالفًا أيديولوجيًا أو مشروعًا توسعيًا.
نعم، تحمل الاتفاقية رمزية إسلامية واضحة، بحكم توقيعها في مكة المكرمة، لكنها رمزية تتجاوز الانقسامات المذهبية، خاصة أن مكة تمثل قبلة الأمة الإسلامية ومركزها الروحي.
وعلى الرغم من أن الدول الثلاث الموقعة على الاتفاقية دول كبيرة ومؤثرة في العالم الإسلامي، فإن الإطار الذي أنشأته الاتفاقية يمكن أن يشكل نواة لمنظومة أمن إقليمي أكثر رسوخًا، قد تتضح ملامحها وقيمها وآليات عملها خلال المرحلة المقبلة.
كما أن الاتفاقية، وفق ما أعلنته تركيا، تفتح المجال أمام تطوير التعاون السياسي والعسكري، بما في ذلك التدريبات المشتركة والتعاون في الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية، مع إمكانية توسيع الإطار مستقبلًا. .
التحول في الحسابات الاستراتيجية
إن إعلان هذه الاتفاقية، وهي لا تزال في بداياتها، يمثل تحولًا مهمًا في الحسابات الاستراتيجية لكثير من دول المنطقة والعالم.
ويرتبط ذلك بسببين رئيسيين.
أولهما: حالة الاضطراب الأمني التي تعيشها المنطقة منذ عقود طويلة، وهي حالة تدفع عددًا متزايدًا من القوى الإقليمية إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر اعتمادًا على التعاون الإقليمي والقدرات الذاتية.
والواقع أن اتفاقية مكة تأتي في سياق إقليمي شهد تصاعدًا كبيرًا في المخاطر الأمنية، الأمر الذي جعل مفهوم الأمن الجماعي الإقليمي أكثر حضورًا في الحسابات الاستراتيجية للدول الثلاث…
وثانيهما: أن النظام الدولي الذي تبلور بعد نهاية الحرب الباردة، والذي اتسم لفترة طويلة بهيمنة أمريكية واضحة، يمر بمرحلة انتقالية نحو نظام دولي أكثر تعددًا في مراكز القوة.
وهذا التحول يزيد من أهمية الاتفاقيات والتحالفات الإقليمية، لأنها تمنح الدول قدرًا أكبر من القدرة على إدارة مخاطر المرحلة الانتقالية، وتقليل الاعتماد على قوة دولية واحدة في توفير الأمن.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها محاولة لبناء أمن إقليمي يعتمد بصورة أكبر على قدرات دول المنطقة وشراكاتها المباشرة، بدل الاعتماد الكامل على المظلات الأمنية الخارجية…
——————
*كاتب صحفي ونائب رئيس مركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية …
اتفاقية مكة للدفاع المشترك: نحو منظومة أمن إقليمي جديدة في الشرق الأوسط يمن مونيتور.
مشاهدة اتفاقية مكة للدفاع المشترك نحو منظومة أمن إقليمي جديدة في الشرق الأوسط
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ اتفاقية مكة للدفاع المشترك نحو منظومة أمن إقليمي جديدة في الشرق الأوسط قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على يمن مونيتور ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، اتفاقية مكة للدفاع المشترك: نحو منظومة أمن إقليمي جديدة في الشرق الأوسط.
في الموقع ايضا :
- To consolidate the “direct response” equation… Sana’a strikes Saudi facilities in response to airspace violations
- Dozens dead and wounded as Sana’a forces renew targeting of Saudi mobilizations and warehouses in Al-Mokha
- المنتخب السعودي للمواصفات يحقق 3 جوائز في الأولمبياد الدولي للمواصفات 2026 بكوريا الجنوبية من بينها الميدالية البلاتينية أعلى جوائز الأولمبياد