آلان باركر .. سينما تلاحق الجرح الإنساني وتختبر الهشاشة أمام قسوة العالم ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ولا يقدّم باركر شخصيات بطولية أو حلولاً أخلاقية، ولكنه يزرعنا داخل مأزق وجودي معقّد، حيث تُصبح اللغة غير كافية، والعدالة هشّة، والمجتمع مساحة تضاعف الانكسار بدل أن تداويه. ولا تمثل أفلامه فقط مرآة للواقع، بل شروخاً عميقة في تلك المرآة، تنعكس فيها النفس البشرية وقد تلاشت حدودها بين الجنون والمقاومة، بين الذنب والبحث عن الخلاص. وفي لحظة مكثفة من فيلم Angel Heart (قلب ملاك)، يواجه البطل حقيقته القاتمة حين يقول: “أنا هو… أنا الذي كنت أبحث عنه طوال الوقت”. ويختزل هذا الموقف مأساة البطل الباركري: أن يكتشف في نهاية المطاف أن الشر لم يكن خارجه، ولكنه يسكنه، وأن الجحيم ليس الآخرين فحسب، وإنما نحن أنفسنا حين نُجبَر على النظر في وجهنا الحقيقي دون قناع. فعلى أي ميكانزمات تتأسس سينما آلان باركر؟

وتنتمي سينما باركر إلى اتجاه يمزج بين الواقعية الاجتماعية والتجريب البصري، بين الكابوس السياسي والرمز السيكولوجي، وهي تُعبّر عن مزاج سينمائي لا يخضع لقالب جاهز، ولكن يخلق شكله وفق كل حكاية. وقد تأثّر بأسلوب المخرج كين لوتش الواقعي من جهة، وبالسينما الأمريكية ذات النفس الشعبي من جهة أخرى، لكنه كان واعياً دومًا بأن الشكل لا يمثل أداة تزيينية، بقدر ما هو فخٌ للوعي، وقدر ما كان قادراً على تصوير الجحيم النفسي كما في Pink Floyd – The Wall (الجدار)، كان قادراً أيضاً على تطويع الفيلم الموسيقي ليصبح شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية. ولا تهرب سينماه من السياسة، لكنها لا تسقط في الوعظ، ولكن تتخفى وراء التفاصيل، ترسم الخراب بلغة شعرية، وترينا وجوه المجرمين والضحايا دون أن تقول مَن هو مَن.

تمزق الذات بين المنظومات الكبرى

وتركز سينما باركر على العلاقة بين الفرد والنظام، بين الذاكرة والجماعة، بين الذنب والبراءة. ونرى في فيلم Mississippi Burning (1988) “مسيسيبي تحترق”، كيف تتجلى العنصرية الأمريكية كمنظومة اجتماعية وثقافية لا يمكن تفكيكها بالشرطي الطيب أو المحقق الذكي، ولكن لا بد من الغوص في الطبقات العميقة للعنف. ولا تعتبر الشخصيات هنا ملائكية، حتى المحقق الذي نتابعه يرتكب تجاوزات أخلاقية، لكن باركر لا يُصدر حكماً، وإنما يضعنا في قلب المعضلة: إلى أي مدى يمكن استخدام العنف من أجل كشف الحقيقة؟ إلى أي مدى يمكن أن تتورط الدولة في حماية الكراهية؟ الأسئلة لا تُطرح علناً، لكنها تشتغل في خلفية المشاهد، كصوت خفي يسكن في نظرات الضحايا وجلّاديهم.

أما في فيلم “قلب الملاك”، فيدفع باركر تجربته إلى حافة الغموض الميتافيزيقي، حيث يجمع بين الفيلم البوليسي والرعب والتأمل الديني، عبر شخصية محقق يكتشف تدريجياً أنه يبحث عن نفسه، وأنه هو نفسه القاتل الذي يطارده. ولا توجد هنا براءة، ولا هوية مستقرة، كل شيء مموّه، والسقوط حتمي. ويُجسّد هذا الفيلم شغف باركر بالغوص في أعماق الذات، لاكتشاف أنها ربما ليست ما نعتقد، وأن الشر لا يأتي من الخارج فقط، وإنما مما يسكن في الداخل. ويقدم الفيلم فكرة الجحيم لا كمكان، ولكن كحالة وعي، حيث يقول الشيطان في نهاية الفيلم: “نحن لا نأخذ الأرواح، نحن فقط نساعدكم على اكتشاف حقيقتكم”.

ويدخل المخرج في فيلم The Commitments (1991) (الملتزمون) إلى أجواء مختلفة، من خلال فرقة موسيقية في أحياء دبلن الفقيرة. ولا يوجد هنا عنف مباشر أو سلطة قمعية، لكن توجد هشاشة الحياة، وانهيار الأحلام، والصراع بين الطموح والواقع. وتُصبح الموسيقى لغة للفقراء، وسلاحاً للطبقة العاملة. وتتبدى في هذا الفيلم حساسية باركر الاجتماعية، وقدرته على تصوير الإنسان من الداخل، دون شعارات، حيث شخصياته تحب وتخطئ وتتناقض، لكنها في النهاية تقاوم.

ويطرح باركر في أفلامه اختبارات وجودية مؤثرة، يمرّ بها أبطاله، وتُختزل في لحظات حاسمة. ونسمع في فيلم “قطار منتصف الليل” بيللي يصرخ وهو يُجلد: “أنا أمريكي، عندي حقوق!”، لكن لا يعترف السجان بالحقوق، ولكن بمنطق القوة. ونرى في فيلم The Wall (1982) “الجدار” طفلاً صغيراً يصرخ تحت ضرب المدرّس، ويُبنى في خياله جدار عازل. ويُحدّق الشاب في فيلم “بيردي” في السماء: “أنا لست إنساناً، أنا طائر”. وينهار المحقق في فيلم Angel Heart (1987) “قلب الملاك” أمام المرآة: “أنا هو… أنا هو”. ولا يمكن اعتبار هذه العبارات ليست فقط درامية، بل مفاتيح لفهم السينما كأداة تحليل نفسي واجتماعي.

ومن الناحية التقنية، كان باركر بارعاً في استخدام الموسيقى كأداة درامية. ولم تكن الأغاني مجرّد خلفية، ولكنها عنصر جوهري في السرد. وفي فيلم “الجدار” تُغنّى الذاكرة والمأساة. وفي “إيفتا” تُغنّى السلطة والمجد. وفي فيلم “الملتزمون” تُغنّى الطبقة والهامش. وهكذا تحضر الموسيقى لا كمتعة، وإنما كأداة تحليل، وكأن باركر يقول إن الصوت أحياناً يعبّر أكثر من الصورة، وإن الإيقاع يُفضَح به النظام، ويُكشَف به القهر.

كائن هش في مواجهة الجحيم

يتجلى البطل في سينما آلان باركر ككائن مأزوم لا يصوغ ذاته من خلال البطولة التقليدية القائمة على النصر أو الهيمنة، ولكنه يُولد من رحم الانكسار ومن داخل الصراع مع مؤسسات القوة. في أفلامه لا نرى البطل الخارق أو المنقذ الذي يعيد للعالم توازنه، ولكن نرى الإنسان الذي تبتلعه المنظومات، ثم يحاول، بمرارة، أن ينتزع صوته أو صورته أو ظله في لحظة اختناق. ولا يبحث هذا البطل عن المجد، بل عن الهرب، لا يريد الثورة بقدر ما يحلم بالخلاص الشخصي. هو ضحية يتحرك داخل جحيم مركّب من القمع والعنف والمؤسسات المجهولة، وغالباً ما يكون محاصراً بين سلطة الدولة وسلطة الذات.

لا تنتمي شخصيات باركر إلى أبطال التاريخ، ولكن إلى الهامش، إلى المرضى، إلى المنبوذين، إلى أولئك الذين اختبروا الظل أكثر من الضوء. وفي فيلم “الطائر الصغير” (بيردي) نتابع شخصية شاب محارب يعود من فيتنام محطماً، لا يتكلم، لا يتفاعل، يتخيل نفسه طائراً. ويحاول صديقه إعادته إلى الواقع لكنه لا يستطيع. في لحظة عميقة يقول صديقه: “أنت لست طائراً، أنت إنسان”، فيرد عليه بعينين ساكنتين، كأنما يقول: ولماذا أكون إنساناً في عالم يرسلني إلى الحرب ثم ينساني؟ ولا يتمرد البطل هنا بالعنف، وإنما بالانسحاب، لا يقاتل النظام بل ينهار بصمت، وكأن الانهيار نفسه فعل مقاومة ضد منطق العالم.

ولا يمكن اعتبار البطل في سينما باركر بريئاً دائماً، فهو غالباً ما يكون غامضاً، متناقضاً، كما في فيلم “قلب الملاك”، حيث تبدأ القصة بمحقق يبحث عن مغنٍ مختفٍ، وينتهي الأمر باكتشافه أنه هو ذاته القاتل، وأن الشيطان الذي استأجره كان يقوده إلى إدراك حقيقته المظلمة. ويتفكك هنا البطل تماماً، تتحوّل الرحلة البوليسية إلى تفكيك للذات، إلى كشف عن الشر الداخلي. تقول شخصية الشيطان في نهاية الفيلم: “نحن لا نأخذ أرواحاً، نحن فقط نذكّركم بما أنتم عليه”. وفي هذا السياق، يُقدَّم البطل لا كضحية، ولكن كفاعل في الجريمة، ولكنه لا يعرف أن الشر يسكنه قبل أن يختاره.

ولا يوجد البطل في سينما باركر خارج النظام، ولكن في قلبه، يُخضعه النظام للعنف لكي يتكشّف. ولا ينتصر في الغالب، ولكنه ينجو بالكاد، لا يغيّر العالم، لكنه يفضح صورته، لا يصنع التاريخ، لكنه يترك ندبة فيه. وتلك الندبة هي ما يجعل من هذه الشخصيات بطولية بعمقها الإنساني، لا بإنجازها الخارجي. إنهم أبطال اللحظة الممزقة، لا اللحظة البطولية الكلاسيكية، أبطال الهزيمة التي تحمل في داخلها وميضاً ضئيلاً من النور.

سينما الفئات المهمشة والمُقصاة

تندرج سينما آلان باركر ضمن خطاب سينمائي مضطرب ومتجدد، يتقاطع مع السياسة والنفس والجسد والموسيقى في آن واحد. ولا يمكن فهم عمق تجربته إلا عبر تفكيك الأنساق التي تحكم ممارسته البصرية، إذ يندفع باركر إلى مناطق مجهولة من الألم الفردي والجماعي، ويتعامل مع السينما كأداة كشف وليست وسيلة تسلية. ولا تكتفي أفلامه بسرد حكايات، ولكن تعيد رسم خريطة القمع والتمزق في الذات البشرية، وهو ما يجعل من أفلامه فضاءً لقراءة تحولات الأيديولوجيا، تشكلات السلطة، الانهيارات النفسية، والانفجارات الرمزية التي تصيب الإنسان في قلبه وعقله.

وتشكل أفلام باركر سياسياً نقداً صارخاً للأنظمة القمعية والدولة الأمنية والتواطؤ المؤسسي. في فيلم “قطار منتصف الليل” يُصوّر المخرج تجربة الاعتقال في السجون التركية بوصفها كابوساً لا إنسانياً، حيث تنهار فكرة العدالة، ويتحوّل السجن إلى آلة لتحطيم الكرامة. وفي هذا السياق، لا تبدو السياسة مجرد خلفية، وإنما تتحول إلى جهاز عضوي يُنتج الألم ويُعيد إنتاجه. ويتناول المخرج في فيلم “مسيسيبي تحترق” مسألة العنصرية في أمريكا الستينات من القرن العشرين، من خلال تحقيق في مقتل نشطاء من حركة الحقوق المدنية، لكنه لا يركّز على القضية فقط، بقدر ما يسلّط الضوء على البنية العميقة للعنصرية، المتغلغلة في الثقافة والشرطة والعائلة والكنيسة. إنه يطرح سؤالاً مؤلماً: هل يمكن للمجتمع أن يتصالح مع ذاته إذا كانت العدالة نفسها مشروطة باللون والانتماء؟

ولا يقل البعد النفسي في سينما باركر حضوراً، إذ غالباً ما تشتغل أفلامه على تفكيك الهوية وتشريح الذات في لحظات انهيارها. وفي فيلم “الطائر الصغير” يُصوّر صداقة بين جنديَين، أحدهما يعود من الحرب مصاباً في الجسد والآخر في الروح، ويُحوّل باركر موضوعة الحرب إلى تجربة نفسية مشوّهة، تُدمّر الذاكرة وتُحيل الجسد إلى رمز للخذلان. ويرغب أحدهما أن يصبح طائراً ليهرب من عبء الوجود، بينما يحاول الآخر أن يُعيده إلى الواقع دون جدوى. ويدور الفيلم كله في المستشفى، في الذاكرة، في التداعي، في محاولة الإمساك بالذات وهي تتبخر. إنها سينما تتعامل مع اللاوعي لا بوصفه خلفية، وإنما كمحرّك للسرد، حيث لا يمكن اعتبار الجنون مرضاً، ولكنه آلية دفاع أمام واقع فاسد.

وتعتبر الرمزية هي الأداة الأهم في سينما باركر، وهي ليست رمزية مغلقة أو نخبوية، وإنما ذات طابع عضوي يولد من الصورة والحدث. ويُوظّف باركر في فيلم “قلب الملاك” عناصر من الغموض والفيلم الأسود والرعب والدين ليبني رحلة بوليسية تنتهي بكشف الهوية الحقيقية للمحقق: أنه القاتل نفسه. وتتحوّل القصة هنا إلى مرآة مزدوجة يتقاطع فيها الشر الخارجي مع الشر الداخلي. ولا يفرض الشيطان على البطل فعلاً، ولكنه يكشف له ما فعله. الرمز هنا ليس خارجياً، وإنما متجذر في البنية النفسية. ولا تعتبر الحكاية عن الجريمة، ولكن عن الهوية، عن الوعي المزدوج، عن فكرة أن الإنسان، وهو يهرب من ذاته، لا من عدوه.

وتعتبر سينما آلان باركر، من الوجهة النقدية، مشروعاً نقدياً لا يهادن، تسكنه روح التمرد وتقلقه الأسئلة الوجودية، وتجمع بين شعرية الصورة وعنف العالم. وهي سينما تُربك لأنها لا تمنح أجوبة جاهزة، ولكنها تضعنا في قلب التناقض. وهي السينما التي ترى في الغناء وسيلة للبكاء، وفي الجدار مرآة، وفي الجسد نصاً، وفي البطل شخصاً مكسوراً لا يملك إلا أن يواصل الصراخ حتى النهاية. إنها سينما تقاوم بالصورة، بالصوت، بالذاكرة، وتُعلمنا أن خلف كل كادر قصة تُوجع أكثر مما تُقال.

ختاماً

آلان باركر .. سينما تلاحق الجرح الإنساني وتختبر الهشاشة أمام قسوة العالم Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة آلان باركر سينما تلاحق الجرح الإنساني وتختبر الهشاشة أمام قسوة العالم

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ آلان باركر سينما تلاحق الجرح الإنساني وتختبر الهشاشة أمام قسوة العالم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، آلان باركر .. سينما تلاحق الجرح الإنساني وتختبر الهشاشة أمام قسوة العالم.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار