المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ومن هنا تبدأ مغامرة الدرقاوي مع المدينة، لا باعتبارها خلفية للحكاية، وإنما باعتبارها قلباً نابضاً داخلها. فالدار البيضاء التي تدخل أفلامه لا تبحث عن جمال الواجهات، ولا تستعير بريق الصورة السياحية؛ إنها مدينة تتنفس من شقوق الجدران، وتخرج من أصوات الباعة والعمال والعابرين، ومن المقهى الذي يتحول إلى برلمان شعبي، ومن الحي الذي يحتفظ بذاكرة الذين مروا فيه ثم غادروا. إنها مدينة ترى نفسها في المرآة، فتكتشف تفاوتاتها الاجتماعية والطبقية وندوبها وأسئلتها المؤجلة.

وهكذا تتحول الدار البيضاء إلى شخصية درامية لها ذاكرة ومزاج وجسد وصوت. وتمنح المدينة للإنسان الحلم، ثم تضع أمامه شروطها القاسية؛ تفتح له الشارع، ثم تكشف حدود حريته؛ تجمعه بالآخرين، ثم تضع بينه وبينهم مسافات الطبقة والمال والعمل والسلطة. ومن خلال هذه المدينة، يطرح الدرقاوي سؤاله الأكثر إلحاحاً: هل نحن الذين نصنع المدينة، أم أن المدينة، في صمتها وضجيجها، هي التي تصنعنا؟

في سينما مصطفى الدرقاوي (الميلاد 1944 – الوفاة 20 غشت 2026 الدار البيضاء)، لا تدخل المدينة إلى الصورة من باب الديكور، ولا تظهر الشوارع والأحياء والمقاهي والأرصفة باعتبارها أمكنة محايدة تتحرك داخلها الشخصيات ثم تغادرها الكاميرا. وتتشكل المدينة لديه ككائن سينمائي له ذاكرة وصوت وملامح وتناقضات، كأنها شخصية أخرى تشارك في صناعة الحدث، وتدفع الشخصيات إلى الكلام والصمت والصدام والبحث عن معنى وجودها داخل مجتمع يتحول باستمرار. ولذلك يصعب النظر إلى أفلام الدرقاوي من دون التوقف طويلاً عند علاقتها بالمدينة، خصوصاً الدار البيضاء التي حضرت في تجربته بوصفها مختبراً اجتماعياً وجمالياً وسياسياً.

وتلك المدينة التي يصورها الدرقاوي تبدو دائماً في حالة توتر. إنها مدينة تتحرك بسرعة، بينما يظل كثير من سكانها عالقين في أسئلة الفقر والعمل والسلطة والكرامة. ولذلك فإن الشارع عنده يؤدي وظيفة تتجاوز الجغرافيا. إنه فضاء للاحتكاك بين الطبقات والأفكار، ومكان تتقاطع فيه أحلام الأفراد مع صرامة الواقع.

ولهذا أصبحت الدار البيضاء في أفلامه أكثر من مكان. فقد صارت سؤالاً عن المغرب نفسه: كيف يعيش الإنسان داخل مدينة تتسع بسرعة؟ كيف تتغير العلاقات حين تتحول الأزقة إلى أحياء كبرى؟ ماذا يحدث للإنسان حين يصبح العمل والمال والسلطة محددات أساسية لقيمته الاجتماعية؟ وكيف يمكن للسينما أن تقترب من هذه الأسئلة من دون أن تسجنها داخل حكاية جاهزة؟

“أحداث بلا دلالة”.. في الشارع بحثاً عن المجتمع

يحتل فيلم «أحداث بلا دلالة» موقعاً مركزياً في العلاقة بين مصطفى الدرقاوي والمدينة، لأن الفيلم يجعل الشارع نفسه جزءاً من عملية التفكير في السينما والمجتمع. ولا يكتفي فريق الفيلم بالتحرك داخل الدار البيضاء بحثاً عن مواقع للتصوير، وإنما يدخل إلى المدينة كي يسأل سكانها عن السينما التي يريدونها، وعن وظيفة الفن، وعن علاقتهم بالصورة والحياة. وهنا تصبح المدينة فضاءً للحوار، وتتحول الكاميرا إلى أداة لاستنطاق الواقع.

ثم تأتي حادثة العامل الذي يقتل رئيسه في العمل لتعيد ترتيب علاقة الفيلم بالمدينة. ويتحول الواقع الاجتماعي من خلفية إلى قوة درامية، ويظهر العمل والسلطة والطبقة والاحتقان الاجتماعي داخل فضاء حضري لا يستطيع إخفاء تناقضاته. ويصبح المكان شاهداً على الصراع، وتصبح المدينة نفسها طرفاً في الحكاية.

لقد فهم الدرقاوي مبكراً أن المدينة لا يمكن تصويرها من بعيد. ولذلك اقترب منها، وترك للكاميرا حرية الحركة، وجعلها تتنفس مع الناس. وتمنح الحركة المحمولة واللقطات القريبة والمونتاج المتقطع المشاهد إحساساً بأن المدينة غير مستقرة، وأن الواقع نفسه يرفض أن يتحول إلى صورة مرتبة.

إنها سينما تمشي في الشارع بحثاً عن الإنسان، ثم تكتشف أن الإنسان يحمل داخل جسده المدينة كلها: ذاكرة الحي، قسوة العمل، أحلام الصعود، الخوف من المستقبل، والرغبة في أن يكون له صوت.

ويحمل العنوان نفسه في «كازابلانكا باي نايت» دلالة لافتة. ولا يمكن اعتبار الليل مجرد توقيت للأحداث، وإنما حالة بصرية ونفسية. وتصبح المدينة حين يحل الظلام مختلفة، وتبدو الواجهات المألوفة في النهار تكتسب غموضاً، والأشخاص الذين يتحركون في الضوء يصبحون أكثر التباساً في الليل. وتتحول الشوارع إلى فضاءات للقاء والانتظار والمغامرة والهروب، وتصبح الإضاءة جزءاً من بناء المعنى.

وهذا التقابل البصري يكشف تطور علاقة الدرقاوي بالمدينة. ففي مرحلته الأولى كان يريد أن يسأل: كيف يمكن للسينما أن تفكر في المجتمع؟ وفي مرحلة لاحقة أصبح السؤال أكثر ارتباطاً بكيفية جعل المجتمع يرى نفسه داخل سينما تستطيع الوصول إلى جمهور أوسع. وتغيرت الأدوات، لكن المدينة بقيت حاضرة.

وهذا ما يمنح الصورة الحضرية عنده قيمة اجتماعية. فيكشف المكان الطبقة، وطريقة اللباس تكشف الموقع الاجتماعي، وطريقة الكلام تكشف الانتماء، وحتى حركة الجسد داخل الشارع يمكن أن تكشف علاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.

لقد عرف الدرقاوي أن المدينة لا تمنح أسرارها دفعة واحدة، بقدر ما تحتاج إلى كاميرا تصبر عليها، تمشي معها، تصغي إلى أصواتها، وتراقب وجوهها. ولذلك تظل الدار البيضاء في أفلامه مدينة مفتوحة على احتمالات متعددة، مدينة لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

الشارع والمقهى والحي الشعبي.. جغرافيا الإنسان

ويبدو الشارع عند الدرقاوي هو أكثر الأمكنة ديمقراطية من الناحية السينمائية. إنه يجمع الناس من دون أن يسألهم عن خلفياتهم. ويمشي العامل إلى جانب الموظف، والبائع إلى جانب الطالب، والغني يمر أمام الفقير، والعاشق يعبر أمام رجل فقد الأمل. وتستطيع الكاميرا أن تجمع هؤلاء داخل كادر واحد، لكنها في الوقت نفسه تكشف المسافات الاجتماعية التي تفصل بينهم.

ويحتفظ الحي الشعبي بدوره بوصفه ذاكرة اجتماعية. إنه مكان يختزن أثر الطفولة والعمل والفقر والعلاقات الإنسانية. وحين تصوره الكاميرا، فإنها لا تصور مبانيه فقط، وإنما تصور تاريخاً اجتماعياً. وتحمل الجدران آثار سكانها، والأبواب تفصل بين عوالم مختلفة، والأزقة تضيق وتتسع بحسب حركة الناس. ولهذا تبدو الأمكنة عند الدرقاوي قادرة على الكلام. والجدار ليس جداراً، والباب ليس باباً، والمقهى ليس مقهى، والشارع ليس شارعاً. كل شيء يحمل معنى اجتماعياً. وهذه النظرة تجعل سينماه قريبة من فكرة أن العمارة نفسها يمكن أن تكون وثيقة تاريخية. وتتغير المدينة، لكن آثار التحولات تبقى في تفاصيلها الصغيرة.

وهذه الرؤية تجعل الدرقاوي قريباً من سينما الشارع، لكنها لا تختزل تجربته في الواقعية. إنه يمزج الواقع بالتجريب، ويضع الشخصيات داخل فضاءات يمكن أن تتحول فجأة إلى مسرح، أو إلى مساحة للتأمل، أو إلى مجال مفتوح للارتجال.

يمثل انتقال مصطفى الدرقاوي من التجريب إلى مخاطبة الجمهور الواسع واحدة من أكثر التحولات إثارة في علاقته بالمدينة. وكان يمكن لهذا الانتقال أن يؤدي إلى التخلي عن الأسئلة الاجتماعية والجمالية التي ميزت بداياته، غير أن أفلامه اللاحقة احتفظت بدرجات مختلفة من ذلك الوعي بالمكان وبالشخصيات التي تعيش داخله.

ومع فيلم «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت» يصبح اسم المدينة نفسه في العنوان. إنها لحظة يمكن قراءتها باعتبارها اعترافاً بأن المدينة أصبحت أحد أبطال السينما الدرقاوية. ولم يعد مطلوباً من المشاهد أن يكتشف حضور الدار البيضاء خلف الشخصيات، فالمدينة تدخل إلى العنوان مباشرة، وتفرض نفسها منذ اللحظة الأولى.

لقد كان الدرقاوي يعرف أن المدينة تتغير مع الزمن، وأن السينما مطالبة بتغيير أدواتها حتى تظل قريبة من هذا التحول. ولذلك لم يتعامل مع أسلوبه الأول باعتباره عقيدة لا يمكن تجاوزها. فقد انتقل، جرب، اقترب من الجمهور، واشتغل في التلفزيون، وكتب ومثل وأنتج، لكنه حافظ على شيء جوهري: الإيمان بأن السينما تستطيع أن تضع الإنسان أمام صورته.

وتحمل الدار البيضاء الحديثة وعوداً كثيرة: العمل، الحب، النجاح، المال، الشهرة، الحرية، لكنها تحمل أيضاً العزلة والضغط والانتظار والتفاوت. وهذه الثنائية تمنحها قيمتها الدرامية. إنها مدينة تمنح الإنسان فرصة، ثم تطالبه بثمنها.

وهكذا لم تكن العودة إلى الدار البيضاء في أفلامه المتأخرة عودة إلى مكان قديم، وإنما عودة إلى مدينة تغيرت، وإلى مجتمع تغير معها. وتتقدم المدينة عند الدرقاوي في العمر، لكنها لا تفقد قدرتها على طرح الأسئلة.

المدينة ذاكرة السينما المغربية

وفي فيلم «أحداث بلا دلالة»، كان الشارع مختبراً للسؤال السينمائي. وفي الأفلام اللاحقة، صار المكان أكثر ارتباطاً بالحكاية وبالجمهور. ومع فيلم «كازابلانكا باي نايت» و«كازابلانكا داي لايت» أصبحت المدينة حاضرة في العنوان نفسه، كأن المخرج أراد أن يقول إن الدار البيضاء لم تعد قادرة على البقاء في الخلفية، لأنها أصبحت جزءاً من الحكاية الوطنية الحديثة.

ولهذا تبدو مدنه السينمائية قابلة لإعادة الاكتشاف. ويمكن للمشاهد أن يعود إلى فيلم «أحداث بلا دلالة» بعد عقود، فيرى مدينة تغيرت، لكنه يكتشف أن كثيراً من الأسئلة ما زالت حية. وهذه إحدى علامات السينما الكبرى: أن تتغير المدن، بينما تستمر بعض الأسئلة في مطاردة الإنسان.

ويمكن القول إن المدينة عنده كانت مرآة للحرية أيضاً. فالشارع فضاء مفتوح، لكنه يكشف حدود الحرية. ويستطيع الإنسان أن يمشي، أن يتكلم، أن يلتقي، لكنه يصطدم دائماً ببنى اجتماعية واقتصادية تحدد خياراته. ولذلك تصبح المدينة في أفلامه مكاناً للصراع بين الرغبة والقيود، بين الحلم والواقع.

رحل مصطفى الدرقاوي، لكن المدن التي صورها ستظل تمشي داخل أفلامه. ستظل المقاهي تحتفظ بأصوات الشخصيات، وستظل الأزقة تحمل آثار الكاميرا، وستظل الدار البيضاء تظهر مرة في الليل ومرة في النهار، مرة كحلم ومرة كجرح، ومرة كسؤال لا يريد أن يجد جواباً.

المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي السينما تمشي في شوارع البيضاء

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي السينما تمشي في شوارع البيضاء قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي .. السينما "تمشي" في شوارع البيضاء.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار