بقلم : أ.د.جمال زاهر
(أستاذ الأدب والنقد ـ جامعة قناة السويس)
عزت القمحاوي روائي مصري ،دائم التجريب، متنوع التأليف، لم يحصر نفسه في قالب واحد، ولم يصنفه النقاد ضمن جيل أدبي معين، وإن اشتركت أعماله في خطوط عامة،واهتمت بقضايا محددة،وانشغالات متكررة.
مارس القمحاوي العمل الصحفي إلى جانب الإبداع الأدبي، وترجمت أعماله إلى العديد من اللغات العالمية.
تتنوع مؤلفاته، وتتعدد اتجاهاته، وتتوزع اهتماماته بين الرواية – التي أخرج منها تسع روايات- من ناحية، والقصة القصيرة – وله منها ثلاث مجموعات قصصية- من ناحية ثانية، والنصوص المفتوحة التي يصعب تصنيفها لانفتاحها على جميع الأنواع الأدبية، كتب لا تلتزم بالحدود الفاصلة، ولا تخضع للتجنيس الأدبي، ولا تكترث بنظرية الأنواع الأدبية، بل تعبرها وتهدم الحدود الفاصلة بينها، روحها السرد, وعمودها الحكاية، – وله من هذا النوع ستة كتب- من ناحية ثالثة.
إن المتفحص لأعمال عزت القمحاوي الروائية سيرى أنها تعلي من قيمة الحرية ،وسيلحظ أنه مشغول بالتعبير عن حرية الإنسان وسعادته ،لذا سعى إليها أبطاله، منذ روايته الأولى ( مدينة اللذة- 1997م ) حتى روايته الأخيرة ( بخلاف ما سبق – 2025م ) وإن ظهرت في تمثلات مختلفة.
في رواية ( بيت الديب ) يلحظ القارئ حفاوة الكاتب بالحرية الشخصية لدى أبطال الرواية، فعلى سبيل المثال نرى ( مباركة ) تسعى- عن طريق إشباع غرائزها وتلبية نداء عواطفها وتسليم نفسها لـ ( ناجي ) ابن زوجها- إلى تحقيق ذاتها ،والتحرر من سطوة التقاليد، وتحدي السلطة الذكورية ،والانتقام من زوجها( مجاهد ) الذي حال بينها وبين الاقتران بـ ( منتصر ) الذي أحبته.
انتقام ( مباركة ) من ( مجاهد ) اتخذ عدة صور بداية من ( رفسه ) ليلة الزفاف، والتأبي عليه والرغبة عنه ،والزهد فيه، والنفور منه ،مرورا بعدم الاستجابة لمداعباته، وعدم الامتثال لرغباته، تتعمد إهانته في فراشه، تتمدد بجواره كالموتى، لا تأتي بحركة تشي بقبول، ولا فعل ينم عن رغبة، وقد بلغ الانتقام ذروته حين سلمت نفسها لغيره، وسعت إلى إنجاب أبناء ليسوا من صلبه.
ليست (مباركة) وحدها التي تسعى إلى الحرية، بل ( مسعدة ) كذلك رأيناها تتمرد على العبودية الذكورية، وتأبى أن تساق من الدوار إلى السراي كما يساق القطيع ،مفضلة أن تمارس حريتها مع زوجها ( علي ) وأن تطلق صياح المتعة الذي يغطي على صوت أذان الفجر كل ليلة دون حسيب أو رقيب .
( عطية ) – طالبة الطب- هي الأخرى مارست حريتها وهربت مع حبيبها النجار ،وتزوجته دون علم الأسرة أو موافقتها :
( قضوا شهرين في انتظار عودة عطية التي اختفت مع نجار استأجروه لإصلاح بعض الأثاث في الشقتين، لم يعرفوا كيف أقنع النجار طالبة الطب بالهرب معه، كيف تفاهم معها؟ …. تركت عطية رسالة مقتضبة تخبرهم بزواجها من النجار وتطلب ألا يتعبوا أنفسهم في البحث عنها وأن يتابعوا حياتهم لأن قلبها اختار).
في رواية ( يكفي أننا معا ) انشغل القمحاوي بقضية حرية الإنسان، بطل الرواية ( جمال منصور) يؤمن بأن ثلاثة أرباع كرامة الإنسان تكمن في الحرية, فهي وحدها التي تضمن احترامه لمجرد أنه إنسان وليس لسلطته أو اسم عائلته أو أي شيء آخر, ولأنه لم يتنفس هواء الحرية منذ فتح عينيه على الدنيا, فهو يدرك تماما أنه يستيقظ من نومه فاقدا ثلاثة أرباع كرامته.
وفي هذه الرواية تحديدا اهتمام بالغ بحرية العقل والحواس، عندما سافر ( جمال ) إلى إيطاليا عاش الحياة بحرية, يفعل ما يحلو له, لا يراقبه أحد, ولا يحتاج أن يتلفت يمنة ويسرة , يتجول بحبيبته ( خديجة ) في شوارع إيطاليا, يمسكها من خاصرتيها ويشدها نحوه, يقبلها على جبهتها, لم يكن يشعر أنه يريد أن يفعل ذلك حقيقة, لكنه يريد أن يختبر إحساس الحرية, ويدرب نفسه على الانسجام مع هذه الحالة الجديدة :
( شد ذراعيه حول خصرها تتنازعه البهجة والقلق وحملها, قبلها على شفتيها, أنزلها برفق, واستأنفا السير “الحرية جميلة” يعرف أن الاحتضان والتقبيل في الشارع من الأمور العادية في أوروبا, لكن المعرفة لا تعني شيئا دون أن يختبرها المرء بنفسه, همس:
– أشعر أنني إنسان .
وأخذت أصابعه تتلمس كفها في يده ) .
في رواية ( ما رآه سامي يعقوب ) بطلها( سامي ) حريص على حريته, ساع إليها منذ طفولته, أينما يجدها يذهب إليها ولو في غرفة ( أبو شفيع ) البواب , كان يغافل أمه لينزل ويلعب مع ( شفيع ) وعندما دخل غرفة البواب أحس بالحرية لأنه يستطيع أن يتلمس ويستكشف كل شيء .
وعندما مات أبوه لم يستجب لتوسلات أمه ورغبات أخيه كي يرحل إليهما ويعيش معهما في ألمانيا مفضلا أن يبقى بمصر حرا طليقا بعيدا عن تأنيب أمه ومراقبة أخيه, ومع ( فريدة )- التي وقع في غرامها- جرب حرية جسده, وعرف أقصى حدود المتعة.
هذه الحرية التي حرص عليها طفلا, وسعى إليها شابا, لم ينعم بها مع حبيبته ( فريدة) حتى النهاية, بل صادرها رجال الأمن, قبضوا عليه, استكثروا سعادته, استنكروا ابتسامته, فتشوا الكاميرا, نزعوا الصور.
في رواية ( غرفة ترى النيل ) ليس الموت فقط هو الذي صادر الحرية, بل كانت الرغبة في الحرية سببا في مصادرة الحرية, دخلت الشلة المعتقل بسبب دفاعهم عن الحرية, وداخل المعتقل كان كل سجين يعرف ما تعنيه الحرية بالنسبة له, وقرر ألا يسمح لأحد بحرمانه منها, حتى ولو بدت في صورة سيجارة أو كوب شاي أو زجاجة بيرة أو فرشاة أسنان:
وفيها كذلك مارست ( روز ) حريتها, سارت خلف جموح جسدها, استمتعت برجال كثيرين كانوا على استعداد لقضاء بقية أعمارهم تحت قدميها, يتضرعون كي يقتربوا من محرابها ويعيشوا بجانبها،وما أكثر ما كان ( عيسى ) يشم فيها روائح أصدقائه.
في رواية ( الحارس ) الحرية تصادرها العبودية الطوعية، عندما يضع الإنسان نفسه في خدمة الغائب, الحارس ( وحيد ) عاش يحرس الهواء، وظل يحلم على مدى الرواية بتجلي المحروس، ويحيا على أمل أن يرى الرئيس لكنه لم يحظ بمتعة النظر في عينيه، ولم يحقق شيئا في حياته الخاصة، مثله مثل سائر الحراس:
رواية ( مدينة اللذة ) تدعو إلى الحرية وتعالج الكبت, وتناقش المسكوت عنه, وتحتج على أشكال العجز والصمت والزيف, من خلال إقامة مدينة غريبة تحرسها آلهة اللذة,
( لكن من اعتاد النظر إلى العمق سيرى المدينة في رسوخها القديم, ويستمع – من تحت صمتها- إلى صخب التراتيل والتأوهات ونداءات الغواية, ويرى في الميادين- التي تبدو لعابر خالية- القواعد الضخمة لتماثيل لا مرئية لأعضاء اللذة في أشكال لحيات منتصبة وأهلة متوهجة وشموع تسيل منها نار الرغبة, ونوافير على شكل تفاحات مقضومة تدفق ماؤها, وأهل هذه المدينة سعداء ).
وهكذا بدا القمحاوي مشغولا بفكرة الحرية, مهموما بها, مؤمنا بقيمتها, على يقين أن الناس ولدوا بحظوظ يُفترض أن تكون مُتساوية في الحرية والسعادة ، وظهر أبطاله حريصين على أنسام الحرية, متطلعين إلى عذوبة الهواء ونقاء الفضاء.
من ناحية أخرى فإن القمحاوي- المؤمن بالحرية , الساعي إليها , الحريص عليها- يمارس حريته لحظة الكتابة فيخرج على طرق الكتابة التقليدية, ويتمرد على نظرية الأنواع الأدبية, ويلجأ إلى الكتب المتمردة على القوالب الأدبية، ويبدع أعمالا يصعب تصنيفها لانفتاحها على كل فنون الكتابة، يبدو هذا في كتبه: ( ذهب وزجاج ) ، ( كتاب الغواية ) ، ( العار من الضفتين ) ، ( غرفة المسافرين ) , ( الطاهي يقتل .. الكاتب ينتحر ) ، ( الأيك في المباهج والأحزان ) ،
يقول القمحاوي:( أحب أن أمارس حريتي لحظة الكتابة، وهذا ما يدفعني إلى الخروج على النوع), ويضيف:” يشغلني القمع والموت وحرية الجسد”، ألا يعكس هذا ذروة الغرام بالحرية؟.
ظهرت المقالة عزت القمحاوي .. عاشق الحرية ومانحها أبطال رواياته أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة عزت القمحاوي عاشق الحرية ومانحها أبطال رواياته
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عزت القمحاوي عاشق الحرية ومانحها أبطال رواياته قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عزت القمحاوي .. عاشق الحرية ومانحها أبطال رواياته.
في الموقع ايضا :
- وزير الطاقة الأمريكي: رفعنا الإنتاج إلى أعلى مستوى ما جعل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز في العالم
- طلاب جامعة كفر الشيخ تألقوا فى مهرجان «ملهمون الجامعات المصرية ” قادرون باختلاف» بمعهد إعداد القادة بحلوان
- محافظ كفرالشيخ تابع تطوير وتجميل المدخل الشرقي لعاصمة المحافظة وبوابة «محور 30 يونيو» لتعزيز الهوية البصرية