د. بدر البلوشي يكتب: مخالفة في شركة فتتوقف بقية سجلاتك.. ظلم أم حماية للسوق؟ اقرأ الحقيقة قبل أن تحكم ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (صحيفة المسار العُمانية) -

المسار  |  مقالات الرأي

الدكتور  بدر بن أحمد البلوشي

لم تعد إدارة الأسواق الحديثة تقوم على فكرة أن كل سجل تجاري يعيش في جزيرة منفصلة عن بقية الكيانات المرتبطة بصاحبه أو مديره أو المستفيد الحقيقي منه. فمع تطور الأنظمة الرقمية، واتساع نطاق الربط بين الجهات الحكومية، أصبح من الطبيعي أن تنظر الدولة إلى النشاط التجاري باعتباره منظومة متكاملة ترتبط فيها المسؤولية بالشخص والكيان والالتزام معا.

ومن هنا ظهر في عدد من الدول ما يعرف تنظيميا بمفاهيم مثل الربط المتقاطع بين الكيانات التجارية (Cross-Entity Blocking)، إلى جانب أنظمة تتبع المستفيد الحقيقي، وهي آليات تهدف في جوهرها إلى منع استخدام تعدد الشركات أو السجلات كوسيلة للتهرب من الالتزامات القانونية أو العمالية أو الضريبية أو التنظيمية.

الفكرة في أصلها بسيطة؛ فالجهات الحكومية، مثل وزارات التجارة والعمل، والجهات الضريبية والجمركية، والشرطة والجهات الأمنية، والبلديات، والجهات المختصة بالتراخيص والإقامة والعمل وغيرها، أصبحت تعتمد على أنظمة إلكترونية تربط المنشآت بالأشخاص المرتبطين بها من خلال الرقم المدني أو الهوية الوطنية أو جواز السفر، بما يكشف بصورة واضحة علاقة المالك أو الشريك أو المدير أو المفوض بالتوقيع أو المستفيد الحقيقي بمختلف الكيانات التجارية.

وهنا يأتي السؤال الذي يطرحه البعض: لماذا قد يتأثر سجل ملتزم بسبب مخالفة سجل آخر؟

الإجابة تكمن في فلسفة الإجراء نفسه. فإذا ارتكب سجل تجاري مخالفة جسيمة؛ كعدم دفع أجور العمال، أو التهرب من التزامات ضريبية، أو ترك الشركة منتهية دون تجديد أو تصفية قانونية، أو تراكم مخالفات تستوجب إيقاف بعض الخدمات، فإن بعض الأنظمة التنظيمية لا تكتفي بالنظر إلى اسم الشركة فقط، وإنما تنظر كذلك إلى الشخص المسؤول أو المرتبط بها.

وعندما يكون الشخص ذاته مالكا أو شريكا أو مديرا أو مفوضا بالتوقيع في كيانات أخرى، فقد تترتب على المخالفة قيود تنظيمية تمتد إلى بعض معاملاته أو خدماته في تلك الكيانات إلى أن تتم تسوية المخالفة الأصلية، وذلك بحسب نوع المخالفة والتشريعات والأنظمة المعمول بها في كل دولة.

وقد يشمل ذلك، في بعض الحالات، وقف أو تقييد تجديد بعض التراخيص، أو إصدار تصاريح وتأشيرات عمل جديدة، أو تعديل عقود التأسيس، أو تأسيس كيانات جديدة، أو إجراء معاملات حكومية مرتبطة بوضع الشخص أو المنشأة، وقد تمتد الآثار في بعض الأنظمة إلى إجراءات مصرفية أو تنظيمية تتطلب سلامة الوضع القانوني.

والأهم هنا أن نفهم أن فلسفة هذا الإجراء ليست معاقبة النشاط السليم لمجرد وجود مخالفة في نشاط آخر، وإنما منع تحويل تعدد السجلات إلى طريق مختصر للهروب من المسؤولية؛ فلا يستقيم تنظيميا أن يترك شخص شركة محملة بحقوق العمال أو المخالفات أو الالتزامات، ثم ينتقل بكل بساطة إلى شركة أخرى يمتلكها أو يديرها ويواصل نشاطه وكأن شيئا لم يكن.. عجيب.. وفي المملكة العربية السعودية، تقوم الأنظمة الحكومية على ربط واسع لبيانات المنشآت وأصحابها، ومن بينها الرقم الموحد للمنشأة وأنظمة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية ووزارة التجارة وغيرها من الجهات. وعند وجود مخالفات مرتبطة بالتوطين أو حماية الأجور أو أوضاع العمالة أو غيرها من الالتزامات، قد تفرض قيود على بعض خدمات المنشأة أو الكيانات المرتبطة بها وفقا لطبيعة المخالفة والضوابط المنظمة لها.

وفي سلطنة عمان، أدى التطور الرقمي في منصة عمان للأعمال، وما يرتبط بها من أنظمة وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ووزارة العمل وغيرها من الجهات، إلى تعزيز القدرة على معرفة جميع المنشآت المرتبطة بالشخص الواحد من خلال الرقم المدني أو صفته كشريك أو مدير أو مفوض بالتوقيع.

كما أن المنظومة الحكومية لا تعمل بمعزل بين جهة وأخرى؛ فهناك، بحسب طبيعة المعاملة، ارتباط وتكامل بين جهات متعددة، من بينها شرطة عمان السلطانية، وجهاز الضرائب، والبلديات، والجهات المختصة بالتراخيص والإقامة والعمل وغيرها من المؤسسات الحكومية.

هذا الربط يمثل أحد أهم أدوات الإدارة الحديثة؛ لأنه يسمح للجهة المختصة بمعرفة ما إذا كان الشخص يمتلك سجلات أخرى، أو يدير كيانات متعددة، أو توجد عليه التزامات لم تتم تسويتها، ويمنع في الوقت ذاته استخدام الانتقال من سجل إلى آخر كوسيلة لتجاوز المخالفات القائمة.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، تمثل منظومة حماية الأجور WPS نموذجا مهما للرقابة على التزام المنشآت بحقوق العاملين، إلى جانب الربط بين ملفات المنشآت وأصحاب العلاقة بها. وعند وجود مخالفات جسيمة في الأجور أو تصاريح العمل أو الالتزامات العمالية، يمكن أن تفرض قيود على خدمات المنشأة، وقد تمتد آثار بعض الإجراءات، بحسب الحالة والأنظمة المعمول بها، إلى منشآت أخرى مرتبطة بالأشخاص أنفسهم.

أما في المملكة المتحدة وسنغافورة، فقد تختلف الأدوات القانونية عن مفهوم “إيقاف الخدمات” المتعارف عليه إقليميا، لكن المبدأ العام حاضر بوضوح من خلال أنظمة استبعاد أو منع المديرين من ممارسة أدوار إدارية في شركات أخرى عند ثبوت مخالفات جسيمة أو إخفاقات قانونية متكررة.

ففي المملكة المتحدة يبرز مفهوم Director Disqualification، بينما تطبق سنغافورة آليات Debarment، والغاية في الحالتين واحدة تقريبا: لا ينبغي أن يستطيع المدير الذي ثبتت مسؤوليته عن إخفاقات أو مخالفات جسيمة في شركة أن ينتقل إلى شركات أخرى ويمارس الإدارة بالطريقة نفسها وكأن مسؤوليته توقفت عند حدود الكيان الأول.

وهذا يقودنا إلى نقطة جوهرية كثيرا ما يثار حولها النقاش؛ وهي أن استقلال الشخصية الاعتبارية للشركة مبدأ قانوني مهم، لكنه لا يعني انعدام المسؤولية الشخصية أو المهنية للمدير أو المالك أو المفوض بالتوقيع في كل الأحوال.

فالأنظمة القانونية الحديثة تفرق بين الذمة المالية المستقلة للشركة وبين مسؤولية الأشخاص عن أفعالهم وقراراتهم وإدارتهم والتزامهم بالقوانين. وبالتالي، فإن استقلال الشركة لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يسمح بإساءة استخدام تعدد الكيانات أو إهمال الالتزامات القائمة.

ولعل أهم أهداف هذا النوع من التنظيم هو منع التهرب من المسؤولية. فالشخص الذي يترك شركة غارقة في الالتزامات أو المخالفات ثم ينتقل إلى شركة أخرى لا ينبغي أن يحظى بالمساحة نفسها التي يتمتع بها المستثمر الملتزم الذي رتب سجلاته وسدد حقوق العمال والدائنين والتزم بالقانون.

كما أن هذه الآليات تسهم في حماية العمال والدائنين والمال العام، لأن ربط الخدمات بالالتزام يجعل تسوية الحقوق أولوية فعلية، بدلا من أن تبقى المخالفات معلقة سنوات بينما يستمر أصحابها في ممارسة النشاط من خلال كيانات أخرى. وهي كذلك وسيلة مهمة لـحماية السوق من الشركات الوهمية أو المهجورة؛ فهناك فارق كبير بين مستثمر يفتح عدة شركات نشطة ومنظمة وملتزمة، وبين شخص يفتح مجموعة من السجلات ثم يترك بعضها دون تصفية أو التزام أو نشاط حقيقي، وينتقل بينها وفقا لما يخدم مصالحه.

ولذلك، فإن الحديث عن هذه الأنظمة لا ينبغي أن يصور على أنه مواجهة بين الحكومة والقطاع الخاص، ولا باعتباره تضييقا على المستثمر أو رائد الأعمال. بل إن السوق المنظم هو في الحقيقة أكثر حماية للمستثمر الجاد نفسه؛ لأنه يمنع المنافس غير الملتزم من الحصول على ميزة غير عادلة عبر تجاهل الأجور أو الالتزامات أو الرسوم أو القوانين.

كما أن الربط الحكومي الحديث يعالج مشكلة قديمة كانت تعاني منها الإدارات التقليدية، وهي أن كل جهة كانت تعمل وكأنها جزيرة منفصلة: وزارة العمل لديها ملف، ووزارة التجارة لديها ملف، والشرطة لديها بيانات، والضرائب لديها بيانات أخرى، والبلديات لديها تراخيصها. أما اليوم، فإن الاتجاه العالمي يسير نحو تكامل البيانات والصورة الموحدة للمنشأة وصاحب العلاقة بها.

وهذا لا يعني أن التطبيق لا يحتاج إلى العدالة والدقة؛ بل على العكس، كلما توسعت سلطة الأنظمة الإلكترونية في الربط والإيقاف، ازدادت الحاجة إلى وجود مسارات واضحة وسريعة للتصحيح والتظلم، وتحديث البيانات، ومعالجة الحالات الاستثنائية، ورفع الحظر فور زوال سببه. فالغاية من التنظيم ليست تعطيل الأعمال، وإنما دفعها إلى الالتزام، والغاية من الإيقاف ليست العقوبة لذاتها، وإنما تصحيح الوضع وإعادة المنشأة إلى المسار السليم.

ومن هنا، فإن المعادلة التي ينبغي أن يتقبلها الجميع واضحة ومتوازنة: من حق المستثمر أن يفتح شركة واثنتين وعشرا، وأن يتوسع ويكبر ويحقق النجاح، ومن واجب الدولة أن تسهل له ذلك؛ لكن في المقابل من حق العامل والدائن والسوق والدولة أن تكون تلك الكيانات جميعها ملتزمة بالقانون.

إن تعدد السجلات التجارية حق مشروع، وتنوع الاستثمارات أمر محمود، واستقلال الشركات مبدأ قانوني معتبر، لكن ذلك كله لا ينبغي أن يتحول إلى منافذ متعددة للهروب من مسؤولية واحدة.

والرسالة في نهاية المطاف ليست: لا تفتحوا سجلات تجارية، وإنما:

افتح ما تشاء، واستثمر وتوسع وازدهر، لكن رتّب سجلاتك، صحّح مخالفاتك، أوفِ بالتزاماتك، ولا تجعل الشركة السليمة مظلة للاختباء من مسؤولية الشركة المخالفة. فهكذا فقط يمكن أن نبني بيئة استثمارية قوية: تمنح المستثمر المساحة، وتحمي العامل، وتصون الحقوق، وتغلق أبواب التحايل، وتجعل الالتزام ميزة تنافسية لا عبئا على من يلتزم.

مشاهدة د بدر البلوشي يكتب مخالفة في شركة فتتوقف بقية سجلاتك ظلم أم حماية للسوق

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ د بدر البلوشي يكتب مخالفة في شركة فتتوقف بقية سجلاتك ظلم أم حماية للسوق اقرأ الحقيقة قبل أن تحكم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صحيفة المسار العُمانية ( عمان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، د. بدر البلوشي يكتب: مخالفة في شركة فتتوقف بقية سجلاتك.. ظلم أم حماية للسوق؟ اقرأ الحقيقة قبل أن تحكم.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار