بقلم فاهم بوكدوسفي ظل الندرة المتزايدة للمياه المعدنية واضطراب التزويد بها، لا ينبغي أن يقتصر دور الإعلام، وخاصة الإعلام العمومي، على نقل تصريحات المسؤولين أو إعادة نشر البلاغات الرسمية. هذه لحظة يفترض فيها أن يتحول الإعلام إلى أداة للبحث والتفسير والمساءلة، لا إلى مجرد منصة لترديد الرواية الرسمية أو نقل حالة التذمر من الشارع.
ان المواطن الذي يجد صعوبة في الحصول على قنينة ماء لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أن هناك «اضطرابًا في التزويد»، وإنما يحتاج إلى معرفة أسبابه وحجمه ومداه: كم تبلغ كميات الإنتاج؟ ما حجم المخزون؟ هل المشكلة في الإنتاج أم النقل أم التوزيع؟ ما علاقة انقطاعات الكهرباء بتعطل بعض الوحدات؟ وهل توجد اختلالات في مسالك التوزيع أو ممارسات احتكارية؟ وماذا تفعل الجهات المعنية، ومتى يمكن أن يعود التزويد إلى نسقه الطبيعي؟
ومن هنا تبدأ مسؤولية الإعلام العمومي، فالمهنية في مثل هذه الظروف لا تعني الوقوف على مسافة واحدة بين الحقيقة والإشاعة، ولا تعني منح المسؤول المصدح ثم اعتبار المهمة منتهية، كما لا تعني تحويل نشرات الأخبار إلى سلسلة من التصريحات الرسمية المتعاقبة، أو الاكتفاء بتصوير طوابير المواطنين ورفوف المحلات الفارغة من دون تفسير أسبابها، فنقل الأزمة ليس تحقيقًا فيها، وتصوير مظاهر النقص ليس تفسيرًا له.
ومن الممارسات المهنية التي يتم تجنبها أيضًا البحث عن الإثارة من خلال عناوين من قبيل «أزمة عطش» أو «المياه مفقودة» من دون تدقيق في نطاق الظاهرة وحجمها، أو تقديم شهادات فردية باعتبارها معطى عامًا، أو إعادة تداول منشورات مواقع التواصل الاجتماعي قبل التثبت منها. وفي المقابل، فإن التطمين غير المستند إلى أرقام ومعطيات لا يقل خطورة عن التهويل، لأن وظيفة الإعلام ليست تهدئة المواطن بأي ثمن، وإنما تمكينه من معرفة ما يحدث فعلًا.
ان المطلوب في هذه الظروف هو التحقيق الصحفي الميداني، من المنبع إلى المصنع ومن المصنع إلى نقاط التوزيع، والصحافة التفسيرية التي تجعل الأرقام مفهومة، وصحافة البيانات التي تقارن الإنتاج والاستهلاك والأسعار والمخزون بتطورها خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى التغطية الميدانية التي تنقل الواقع من مختلف المناطق لا من العاصمة فقط.
ويفترض كذلك أن تكون هناك متابعة يومية للمسؤوليات والوعود: ماذا أعلنت وزارة التجارة ؟ ماذا نُفذ؟ ما الذي تغير منذ الإعلان؟ وأين بقي الخلل؟ فالمساءلة لا تكون بتوجيه سؤال للمسؤول مرة واحدة، وإنما بالعودة إليه عندما لا تتحقق الإجابة أو عندما تكشف الوقائع عكسها.
كما أن للإعلام دورًا مهمًا في التمييز بين نقص حقيقي في مادة أساسية وبين المضاربة أو الاحتكار أو التخزين غير المشروع، وفي تقديم معلومات عملية للمواطن حول الأسعار القانونية، وطرق التبليغ عن التجاوزات، والجهات المسؤولة عن التدخل.
والأهم أن أزمة المياه المعدنية يجب ألا تُفصل عن أزمة المياه الأوسع في البلاد، فحين يصبح المواطن أكثر اعتمادًا على المياه المعلبة بسبب انقطاعات مياه الشرب أو تراجع الثقة في انتظام التزويد، فإن السؤال لا يعود فقط: أين اختفت قوارير المياه؟ بل يصبح: لماذا أصبح المجتمع أكثر اعتمادًا عليها أصلًا؟وهنا ينبغي للإعلام العمومي أن يفتح النقاش حول الموارد المائية، وتغير المناخ، وتراجع المخزونات، وشبكات التوزيع، والحوكمة، والاستعداد لفترات الذروة، بدل أن ينتظر الأزمة التالية ليعيد الأسئلة نفسها.
ان الإعلام العمومي في مثل هذه الظروف ليس مطالبًا بأن يكون مع الحكومة أو ضدها، وإنما أن يكون مع المعلومة الدقيقة ومع حق المواطن في المعرفة، فوظيفته أن يفسر، ويتحقق، ويحقق، ويسائل، ويتابع، وينبه إلى المخاطر المقبلة. وعندما تكون مادة أساسية مثل الماء محل أزمة، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام هو أن يكتفي بوصف الأزمة، أو أن يتحول إلى مكبر صوت للسلطة، أو إلى مكبر صوت للهلع الشعبي، ان المطلوب إعلام يذهب إلى مكان الأزمة، ويبحث عن أسبابها، ويواجه المسؤول بالأرقام، ويعود إلى المواطن بإجابة واضحة: ماذا يحدث، لماذا يحدث، من يتحمل المسؤولية، وماذا سيُفعل حتى لا يتكرر؟
فاهم بوكدوس المدير التنفيذي للنقابة الوطنية للصحفيين
ظهرت المقالة أزمة المياه المعدنية: ماذا يفعل الإعلام العمومي؟ أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة أزمة المياه المعدنية ماذا يفعل الإعلام العمومي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أزمة المياه المعدنية ماذا يفعل الإعلام العمومي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أزمة المياه المعدنية: ماذا يفعل الإعلام العمومي؟.
في الموقع ايضا :