كتب: د. مسعود عمشوش
وسط سيئون الطوية، كان الليل إذا نزل على حي السريسار فأنه لا يشبه ليل أي مكان آخر. ففي السريسار تغلق الأبواب الخشبية الثقيلة، وتخفت أصوات الرجال العائدين من الأسواق، وتنسحب النساء إلى داخل البيوت، ولا يبقى في الأزقة إلا ضوء مصباح يتيم يتدلى مدخل أحد بيوت الأثرياء، أو نباح كلب يقطع سكون الحارة ثم يسكت فجأة، كأنه تذكر شيئًا لا ينبغي له أن يتذكره. وكان أهل السريسار يقولون إن للّيل أسراره، وإن بعض البيوت لا ينبغي الاقتراب منها بعد صلاة العشاء، خصوصًا تلك الخرابة القديمة الملاصقة لبيت آل الفتيني. كانت الخرابة بيتًا كبيرًا في زمان مضى، ثم تهدمت جدرانه، وسقط سقفه، وبقيت منه غرفتان نصفهما قائم ونصفهما الآخر مفتوح على السماء. وكانت النساء يقلن إنه (بيت السِّكِن)، وإن آخر من سكنه رجل مات فيه وحيدًا، وبعد موته لم يجرؤ أحد على إعادة بنائه. أما الرجال فكانوا يضحكون من كلام النساء. لكنهم، رغم ضحكهم، كانوا يتجنبون المرور بجانب الخرابة بعد منتصف الليل. *** في ذلك البيت المجاور للخرابة كانت تعيش سعاد، زوجة مهدي زين الفتيني. وكانت سعاد، كما يقول أهل السريسار، من أجمل نساء الحارة. وجه مشرق، وعينان واسعتان، وصوت هادئ لا يكاد يسمعه من حولها. تزوجت مهدي وهي في مقتبل العمر، وانتقلت من تريس إلى سيئون، وعاشت مع زوجها وأبيه زين وأمه رقية. مرت السنة الأولى. ثم الثانية. ثم الثالثة. وكان الناس يظنون أن حياتها تمضي كما تمضي حياة النساء في ذلك الزمان: طبخ وغسيل، وماء من الزانة، ومجالس نساء في المناسبات، وزيارات متقطعة إلى أهلها في تريس. لكن سعاد كانت تحمل في داخلها سؤالًا لم تكن تستطيع أن تسأله. لماذا كان زوجها ينام بعيدًا عنها؟ ولماذا كان يتحاشى النظر في عينيها حين تتحدث عن الأطفال؟ ولماذا كلما جاء ذكر الحمل والذرية تبدلت ملامح أمه رقية، ونهض أبوه زين من مجلسه كأن أحدًا ناداه؟ كانت تسكت. فالمرأة في ذلك الزمن كانت تعرف أن للصمت أبوابًا، وأن بعض الأبواب إذا فتحت لا يمكن إغلاقها. ثم بدأت الأصوات. في البداية كان صوتًا واحدًا. سمعته سعاد ذات ليلة وهي تستعد للنوم. صوت امرأة تتحدث من ناحية الخرابة. جلست في فراشها وأصغت. لم تفهم الكلام. كان مثل همهمة بعيدة، ثم توقف. قالت لمهدي: —”أنت سم” قال: — «ماذا؟» — «امرأة تتكلم.» ضحك. — «نامي. ربما قطة.» لكن الصوت عاد في الليلة التالية. هذه المرة كان أوضح. امرأتان تتحدثان. ثم ضحكة. ثم شيء يشبه الزغرودة القصيرة. جلست سعاد في فراشها، وشعرت بأن الدم انسحب من وجهها. هزت مهدي. — «مهدي… مهدي!» فتح عينيه. — «ماذا؟» — «اسمع!» أصغى. لم يسمع شيئًا. قال: — «لا يوجد شيء.» لكن سعاد كانت متأكدة. كانت تسمع. وفي الليلة الثالثة سمعت رجالًا يغنون. وفي الرابعة سمعت بكاء طفل. وفي الخامسة سمعت امرأة تقول: — «يا سعاد…» قفزت من فراشها. لم تنم حتى أذن الفجر. في الصباح ذهبت إلى أمها شفاء في تريس. قالت لها: — «يا أمي، هناك شيء في البيت.» سألتها شفاء: — «ماذا؟» — «أصوات.» — «أصوات من أين؟» — «من الخرابة.» خفضت شفاء صوتها: — «قلت لك لا تقتربي منها.» — «أنا لا أقترب.» — «إذن لا تسمعي.» رفعت سعاد رأسها وقالت: — «وكيف لا أسمع؟» لم تجد شفاء جوابًا. وبعد أن قصت عليها ما يحدث، قالت امرأة كانت جالسة عندها: — «خذيها إلى علي البحر.» سألت شفاء: — «علي البحر؟» — «نعم. الرجل يعرف هذه الأمور. وقد عالج ناسًا كثيرين.»
وكان علي البحر شيخًا تجاوز السبعين، يعيش في تريس. وكان الناس يروون عنه حكايات لا تنتهي. يقولون إنه يستطيع أن يعرف اسم الجني من صوت المصاب. ويقولون إنه إذا دخل بيتًا عرف من أول خطوة إن كان فيه شيء. ويقولون إن الجن أنفسهم كانوا يخافون منه. ولم يكن أحد يعرف أين تنتهي الحقيقة وتبدأ الحكاية. ذهبت شفاء بابنتها إليه. نظر الشيخ إلى سعاد طويلًا. ثم قال: — «منذ متى؟» أخبرته. سأل: — «هل أنت متزوجة؟» — «نعم.» — «منذ متى؟» — «ثلاث سنوات.» نظر إلى أمها. ثم عاد إلى سعاد. — «هل عندك أولاد؟» خفضت سعاد رأسها. — «لا.» سألها: — «هل زوجك سليم؟» رفعت رأسها فجأة. ولم تجب. ابتسم الشيخ ابتسامة صغيرة. وقال: — «كنت أعرف أن الحكاية ليست في الخرابة.»
طلب علي البحر حضور أبي سعاد وزوجها. وحين جاء مهدي، جلس بعيدًا. كان رجلاً هادئًا، قليل الكلام، لا يحب مجالس الرجال ولا المزاح الذي يدور بينهم. قال الشيخ: — «يا مهدي، ماذا حدث لك وأنت صغير؟» تغير وجهه. نظر إلى أبيه. وكان زين الفتيني قد عرف أن السر الذي دفنوه منذ أكثر من عشرين عامًا بدأ يخرج من قبره. قال: — «وقع عليه ماء مغلي.» ثم قص الحكاية. كان مهدي في الثالثة من عمره يلعب بالقرب من أمه رقية وهي تحضر الشاي. سقط البخاري. وانسكب الماء المغلي بين فخذي الطفل. حاولت الأسرة علاجه في البيت. أعشاب. زيوت. كمادات. رقية تبكي. وزين يذهب ويجيء. ثم اشتدت الإصابة، فنقلوه إلى مستشفى سيئون. لكن العلاج لم يكن كما ينبغي. ومرت أيام عصيبة انتهت باستئصال الخصيتين. كبر الطفل. وكبر معه السر. ولم يعرف أحد كيف يقول له الحقيقة. وحين بلغ الخامسة والعشرين، قال له أبوه: — «يا بني، حان وقت الزواج.» كان مهدي يعرف في داخله أن الأمر لن يكون سهلًا. لكنه وافق. أما زين ورقية، فقد كان لهما حساب آخر. كانا يريدان زوجة للبيت. امرأة تساعد رقية. وتطبخ. وتغسل. وتقوم بما تقوم به النساء في البيوت. واختارا سعاد. حين انتهى زين من روايته، كان وجه سعاد قد تغير. قالت: — «إذن… كنتم تعرفون؟» لم يجب أحد. قالت: — «وأنا؟» ظل الصمت. — «لماذا لم يقل لي أحد؟» قال زين: — «يا بنتي… خفنا أن تتركيه.» ضحكت سعاد. لكنها لم تكن ضحكة فرح. كانت ضحكة امرأة فهمت فجأة أنها عاشت ثلاث سنوات داخل كذبة. قالت: — «فخفتُم أن أتركه… فتركتموني أعيش كالميتة.» ثم خرجت.
بعد تلك الليلة انتشرت الحكاية في السريسار. لكن الناس لم يقولوا إن سعاد اكتشفت سر زوجها. قالوا: — «الجن ظهروا.» وقال آخر: — «الخرابة فيها عرس جن.» وقالت امرأة: — «سمعت الزغاريد بنفسي.» وبدأت الحكاية تكبر. كلما رواها شخص أضاف إليها شيئًا. واحد قال إن الجن كانوا يرقصون. وآخر قال إنهم كانوا يعقدون عرسًا. وثالث أقسم أنه رأى امرأة بيضاء تخرج من الخرابة قبل الفجر. حتى أصبح الناس يقولون إن «جن السريسار» اختاروا سعاد بالذات. لكن الحقيقة كانت أبسط وأشد قسوة. سعاد لم تكن بحاجة إلى طرد جن. كانت بحاجة إلى أن يخرج السر من البيت.
بعد أيام رجعت إلى بيت زوجها. دخلت غرفتها. وضعت ثيابها في صندوقها. ثم وقفت أمام مهدي. قالت: — «أنا لا أكرهك.» رفع عينيه. — «لكنني لا أستطيع الاستمرار.» قال: — «أعرف.» — «كنت تستطيع أن تقول لي الحقيقة.» — «كنت خائفًا.» — «وأنا أيضًا كنت خائفة.» سكتا طويلًا. ثم قالت: — «لكن خوفي كان من حياة بلا زوج، وأنت كنت تعرف منذ البداية أن هذه هي حياتي.» لم يجد مهدي جوابًا. وفي اليوم التالي ذهب زين إلى بيت والد سعاد. وبعد أيام قليلة تم الطلاق. خرجت سعاد من بيت الفتيني، ولم تحمل معها إلا ثيابها وبعض الحلي التي أعطاها لها أهلها. وعندما مرت بجانب الخرابة، سمعت زغرودة. توقفت. نظرت إلى المكان. ثم ابتسمت. وقالت لنفسها: — «حتى الجن عرفوا أنني راحلة.»
بعد الطلاق تغيرت سعاد. عادت إلى أهلها في تريس، ثم أخذت تزور سيئون بين الحين والآخر. وكان من بين الذين يعرفون قصة مهدي شاب من أبناء السريسار اسمه سالم. كان سالم قد عرف الحكاية منذ طفولته. كان يوم الحادثة قريبًا من بيت آل الفتيني. وكان يعرف أن مهدي لا يستطيع الإنجاب. وكان يعرف أيضًا أن زواج سعاد منه لم يكن زواجًا كاملًا. لكنه ظل صامتًا. وعندما طلقت سعاد، ذهب إلى أبيها. قال: — «أنا أريد سعاد.» نظر إليه محمد الهادي طويلًا. — «وهل تعرف قصتها؟» — «أعرف.» — «وتعرف قصة مهدي؟» — «أعرف.» — «ولا تخاف أن يقول الناس؟» ابتسم سالم: — «الناس قالوا إن الجن أخذوها. فماذا بقي يخيفني من كلامهم؟» ضحك أبوها للمرة الأولى منذ شهور.
تم الزواج. وفي ليلة العرس امتلأت أزقة السريسار بالزغاريد. قالت النساء: — «زغردن لسعاد!» وقالت عجوز: — «الله يعوضها خيرًا.» وكان صوت الزغاريد يصل حتى الخرابة. وفي منتصف الليل مر أحد الصبية قرب البيت المهجور، ثم عاد راكضًا وهو يصيح: — «سمعت الجن! الجن يزغردون!» فضحكت النساء. وقالت إحداهن: — «دعهم يزغردون. اليوم عرس سعاد.» ومنذ تلك الليلة لم تعد سعاد تسمع شيئًا في الخرابة. لا نساء يتحدثن. ولا رجالًا يغنون. ولا طفلًا يبكي. ولا زغاريد. وبعد سنوات، حين كبر أولادها، كان أهل السريسار إذا جلسوا في مجلس الليل يروون حكاية «جن الخرابة». وكانوا يختلفون في تفاصيلها. لكن سعاد، إذا سمعتها، كانت تبتسم. فهي وحدها كانت تعرف الحقيقة. لم يكن في الخرابة لا جن ولا سكن. كان فيها صمت الناس. وكانت الأصوات التي سمعتها طوال تلك السنوات هي أصوات خوفها، ووحدتها، وحياتها التي لم تجد طريقها إلى الكلام. أما الجن الحقيقيون، فلم يكونوا يسكنون الخرابة. كانوا يسكنون في السر. وحين انكشف السر… خرجوا من البيت والسريسار إلى الأبد.
شرح جن في السرِيسار سما نيوز.
مشاهدة شرح جن في السر يسار
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ شرح جن في السر يسار قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، شرح جن في السرِيسار.
في الموقع ايضا :