غزوان مصري - خاص ترك برس
قد لا تكون أهمية الاتفاق السوري–التركي لإنشاء منطقة صناعية وحرفية على مساحة 1500 دونم في محافظة الرقة في المصانع التي ستُبنى هناك فقط، بل في سؤال أكبر بكثير: هل نشهد بداية انتقال العلاقة الاقتصادية بين سوريا وتركيا من عبور الشاحنات إلى تكامل المصانع، ومن تبادل السلع إلى تقاسم سلاسل الإنتاج؟
الاتفاق الذي وُقّع بين محافظة الرقة وهيئة الاستثمار السورية وشركات تركية خلال الدورة الـ63 لمعرض دمشق الدولي، لإنشاء منطقة صناعية وحرفية بمساحة تصل إلى 1.5 مليون متر مربع، ينبغي ألا يُقرأ باعتباره مشروعاً محلياً منفصلاً، وإنما كجزء محتمل من خريطة صناعية جديدة تتشكل في سوريا.
ففي شمال البلاد توجد اليوم مناطق صناعية نشأت أو تطورت خلال سنوات الثورة بالقرب من الحدود التركية، في الباب والراعي وأعزاز وإدلب وغيرها، وفي حلب تقف مدينة الشيخ نجار، أكبر المدن الصناعية السورية وأحد أهم مراكز الصناعة والإنتاج في البلاد. واليوم تأتي الرقة لتضيف نقطة جديدة إلى هذه الخريطة.
وهنا يظهر السؤال الحقيقي: هل نترك هذه المناطق تعمل كجزر منفصلة، وربما تتنافس على المستثمر نفسه، أم نحولها إلى شبكة صناعية متكاملة، تتخصص فيها كل منطقة وفق ميزتها النسبية؟
سوريا لا تحتاج إلى عشر مدن صناعية تؤدي الوظيفة نفسها، بل إلى منظومة صناعية وطنية مترابطة. يمكن للشيخ نجار أن يستعيد دوره بوصفه القلب الصناعي الكبير في الشمال السوري، بما يمتلكه من خبرة صناعية حلبية متراكمة وبنية تحتية ومساحات واسعة، بينما تتحول مناطق الباب والراعي وأعزاز وإدلب إلى حزام صناعي ولوجستي قريب من تركيا والمعابر الحدودية.
أما الرقة، بما تمتلكه من موقع استراتيجي وقاعدة زراعية وامتداد نحو شرق سوريا، فيمكن أن تتخصص بصورة أكبر في الصناعات الزراعية والغذائية، والحبوب والأعلاف، والتعبئة والتغليف، والتخزين والتبريد، إلى جانب مواد البناء والصناعات المعدنية والبلاستيكية والطاقة ومستلزماتها.
وبذلك يمكن أن تتشكل أمامنا خريطة اقتصادية جديدة تبدأ من المراكز الصناعية التركية، وتعبر المعابر إلى إدلب وأعزاز والراعي والباب، ثم تصل إلى حلب والشيخ نجار والرقة وشرق سوريا، ومنها مستقبلاً إلى العراق ودول الخليج. وعندها لا نكون أمام مجرد خريطة طرق ومعابر، بل أمام ممر صناعي ولوجستي وسلاسل إنتاج مترابطة.
وهنا تأتي النقلة الأهم: الانتقال من الشاحنة التركية إلى المصنع المشترك.
بلغ حجم التجارة بين تركيا وسوريا نحو 3.75 مليارات دولار خلال عام 2025، وهناك طموح معلن لرفعه إلى 10 مليارات دولار. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس فقط: متى نصل إلى عشرة مليارات؟ بل: ممَّ ستتكون هذه العشرة مليارات؟
إذا كانت الزيادة تعتمد بصورة رئيسية على تدفق السلع الجاهزة، فنحن أمام نمو تجاري مهم، لكنه يبقى محدود الأثر في بناء القاعدة الإنتاجية السورية. أما إذا أصبحت هذه المليارات تشمل الآلات والاستثمارات ومدخلات الإنتاج والمشروعات المشتركة والخدمات والصادرات السورية، فإننا نكون أمام تحول اقتصادي استراتيجي.
المعادلة التي ينبغي العمل عليها واضحة: رأس المال والخبرة والتكنولوجيا التركية، إلى جانب رأس المال السوري، والعمالة والمواد الأولية السورية، يمكن أن تنتج صناعة مشتركة قادرة على المنافسة.
وبدلاً من أن تعبر الحدود شاحنة تحمل منتجاً نهائياً صنع بالكامل في تركيا، يمكن أن تعبر الآلات والتكنولوجيا ومدخلات الإنتاج، بينما يجري جزء متزايد من عملية التصنيع داخل سوريا. عندها ينتقل العامل السوري من مستهلك للمنتج المستورد إلى شريك في إنتاج القيمة المضافة.
وهذا التحول لا يمثل مصلحة سورية على حساب تركيا. على العكس، التكامل الاقتصادي المستدام يجب أن يقوم على المصالح المتبادلة. فالشركات التركية تستطيع بيع الآلات ومدخلات الإنتاج والخدمات الهندسية، والدخول في استثمارات ومصانع مشتركة، والاستفادة من سوق سورية تحتاج إلى إعادة بناء قاعدة إنتاجية واسعة. كما يمكن للولايات التركية الجنوبية، وفي مقدمتها غازي عنتاب وكيليس وهاتاي ومرسين، أن تستفيد من نمو اقتصادي وصناعي على الجانب السوري من الحدود.
لكن المكسب الأكبر يتجاوز السوقين السورية والتركية إلى الجغرافيا نفسها. فتركيا تسعى إلى توسيع حضورها في الأسواق العربية، وسوريا تمثل ممراً برياً طبيعياً باتجاه العراق والأردن والخليج. وفي الاتجاه الآخر تحتاج سوريا إلى التكنولوجيا ورأس المال والأسواق الخارجية، وتمثل تركيا إحدى أقرب بواباتها نحو أوروبا والأسواق العالمية.
بهذه المعادلة يمكن أن تتحول سوريا تدريجياً من مجرد سوق للمنتجات التركية إلى شريك في سلسلة قيمة تركية–سورية–عربية، وأن تتحول تركيا من مصدر رئيسي للسوق السورية إلى شريك في إعادة بناء قدرتها الإنتاجية.
وهنا نصل إلى مفهوم إعادة الإعمار نفسه. فكثيراً ما نختصر إعادة إعمار سوريا بالإسمنت والطرق والجسور والمباني، بينما يبقى السؤال الأهم: من سيمول كل ذلك على المدى الطويل؟
لا تستطيع دولة إعادة بناء نفسها بالإنفاق وحده. إنها تحتاج إلى مصانع تنتج، وعمال يعملون، وشركات تصدر، واستثمارات تخلق قيمة مضافة، واقتصاد يولد إيرادات حقيقية للدولة والمجتمع. لذلك فإن إعادة إعمار سوريا لا تعني فقط إعادة بناء ما تهدم، بل بناء اقتصاد قادر على تمويل إعادة الإعمار.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع الرقة، ولكن تخصيص الأرض وتوقيع الاتفاقيات وحدهما لا يكفيان. المستثمر يسأل قبل أن يضع أمواله عن الكهرباء والمياه والطرق والمصارف وتحويل الأموال والجمارك والضرائب وحماية الملكية وسرعة التراخيص وآليات تسوية النزاعات. ولذلك تحتاج المناطق الصناعية الجديدة إلى نافذة استثمارية واحدة تختصر الإجراءات، وإلى قوانين مستقرة وشفافة تمنح المستثمر القدرة على اتخاذ قرار لعشر أو عشرين سنة، وليس لعدة أشهر.
والفرصة الحقيقية اليوم هي ألا نتوقف عند مشروع الرقة، بل أن نذهب نحو تأسيس ممر صناعي سوري–تركي يبدأ من المراكز الصناعية التركية، ويرتبط بالمناطق الصناعية التي نشأت في الشمال السوري، ثم بالشيخ نجار في حلب، وصولاً إلى الرقة وشرق سوريا، ومنها مستقبلاً إلى العراق والأسواق الخليجية.
عندها يمكن للمناطق الصناعية التي تأسست خلال سنوات الثورة أن تنتقل من واقع فرضته ظروف الحرب إلى جزء أصيل من الاقتصاد الوطني السوري، ويمكن للعلاقة بين دمشق وأنقرة أن تنتقل بدورها من تجارة تتأثر سريعاً بالظروف السياسية إلى شبكة أعمق من المصالح والاستثمارات والمصانع والعمال والموردين وطرق النقل والمعابر.
فالاقتصاد لا يستطيع إلغاء الخلافات السياسية، لكنه يستطيع أن يصنع مصالح مشتركة تجعل المحافظة على الاستقرار والتعاون مصلحة للطرفين.
إن مشروع الرقة قد يبدأ بـ1500 دونم، لكن الرؤية يجب أن تكون أكبر بكثير. لا نريد حدوداً تعبرها البضائع فقط، بل فضاءً اقتصادياً تتكامل فيه المصانع. ولا نريد أن تكون تركيا مجرد مصدر لسوريا، ولا سوريا مجرد سوق لتركيا؛ بل أن ينتج البلدان معاً، وأن ينطلقا معاً نحو سوق إقليمية أوسع.
ربما عندها لا نكون أمام منطقة صناعية جديدة في الرقة فحسب، بل أمام بداية فصل جديد في الاقتصاد السوري–التركي: من تجارة الجوار إلى شراكة الإنتاج، ومن اقتصاد الحدود إلى اقتصاد التكامل.
مشاهدة من 1500 دونم في الرقة إلى ممر صناعي سوري ndash تركي هل تبدأ مرحلة الإنتاج
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من 1500 دونم في الرقة إلى ممر صناعي سوري تركي هل تبدأ مرحلة الإنتاج المشترك قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من 1500 دونم في الرقة إلى ممر صناعي سوري–تركي: هل تبدأ مرحلة الإنتاج المشترك؟.
في الموقع ايضا :