أنا والأوغاد الذين أحب للشاعر اليمني عادل العامري ...اليمن

اخبار عربية بواسطة : (موقع يمنات الأخباري) -

yemenat

يمنات

حميد عقبي

يمكننا أن نصنف الشاعر اليمني عادل العامري من الأصوات الإبداعية التي ما تزال خارج دوائر الشهرة، يكتب من تماس مباشر مع الفقر والحرب والوحدة وحياة المدن اليمنية المنهكة.

وتكشف مجموعته المنشورة «أقف عاريًا على حافة من هذيان» عن عالم تتكرر فيه صورة المتشرد والجائع والحالم، ويحضر القات والسجائر والرصيف والجن والدمعة، وكل هذه العناصر أجزاء من سيرة داخلية، وليست زينة محلية.

وتأتي قصيدته «أنا والأوغاد الذين أحب» سنة 2025 كأنها خلاصة مكثفة لهذا العالم وإعادة نظر ساخرة فيه.

ـــــ أناوالاوغاد الذين احب مازلت أنا ذلك المتشرد الذي يستدين قاته وسجايره وينام على الأرصفة ذلك المجنون المولع بكتابة خواطره وهلوسات اخر الليل ويدعي بأنه شاعر حداثي يتميز عن الآخرين ذلك الصعلوك المتشرد المعجون بماء الايدلوجيا وطحين الواقع المرير ذلك المحب لاوجاعه والضياع المحب للوهم وللسراب والفاتنات من الجن والاخيلة اغازل دمعة تحتجب عن أعين المارة وعن لواعجي مازلت محب مفتون بالحب وبالاصدقاء الاوغاد المنتشرون كالنجوم في سموات الكون أولئك الاوغاد الذين لايفترون عن نكزي ووضع اللايكات على تاوهاتي المتخمون بعضهم حتى الثمالة والجوعى مثلي حتى الموت على الأرصفة يجمعنا الحب والشعر والضياع وكل النفاق واللعنات٠ ـــ ـــ ـــــ

يبدأ النص بعبارة «ما زلت»، ويعلن أن الزمن لم يغيّر موقع صاحبه، فهو يستدين قاتَه وسجائره وينام على الأرصفة، لكنه يواصل كتابة خواطره ويدّعي أنه شاعر حداثي. كلمة «يدّعي» تأتي لتهدم صورة الشاعر لحظة بنائها؛ فهو يسخر من طموحه ومن حداثة لا تمنح صاحبها خبزًا أو مأوى أو اعترافًا. وربما تبلغ القصيدة مركزها في صورة «الصعلوك المتشرد المعجون بماء الأيديولوجيا وطحين الواقع المرير». كأن الشعارات هي التي صنعت وعيه، لكن الواقع عجن جسده بالفاقة والخذلان والتشرد، فخرج منهما شاعر وليس بطلًا سياسيًا.

طريقة في رؤية الحب والصداقة والكتابة

يمتلك العامري طريقته الخاصة في التعبير عن بعض المفاهيم، فمثلاً كلمة «الأوغاد» هم أصدقاؤه ومراياه أيضًا. يحبهم ويمكنه أن عاتبهم، وهم لا يملكون أمام تأوهاته سوى النكزات والإعجابات. هنا ينتقل الرصيف إلى الشاشة، ويتحول التضامن إلى أثر رقمي عاجز عن إطعام الجائع. بعض الأصدقاء متخمون، وبعضهم يموت مثله على الأرصفة، ولذلك لا يبرئهم في ختام نصه، يصورهم بأن عناصر هامة ولطيفة تجمعهم كالحب والشعر والصداقة والفضاء الفايسبوك، ولكن يجمعهم أيضًا الضياع والنفاق واللعنات.

سنلمس أن العامري لا يقدم الفقر موضوعًا اجتماعيًا منفصلًا عن ذاته، ولكنه يخلق منه طريقة في رؤية الحب والصداقة والكتابة؛ فالحرمان يدخل اللغة ويشوّه العلاقات، ويجعل الشاعر محتاجًا دومًا ولو إلى اعتراف ضئيل، حتى عندما يعرف أن الإعجاب الإلكتروني لا يغيّر مصيره ولا يبدد وحدته الطويلة.

عبارة «أنا والأوغاد الذين أحب» متداولة، لكنها هنا في نص يتميز باجتماع السخرية الذاتية والتفصيل اليمني والخذلان الرقمي. فنحن هنا مع قصيدة خشنة وغير مكتملة الصقل، لكنها تحمل بصمة صاحبها، وتكشف شعرًا يمنيًا حيًا يبقى بعيدًا عن المؤسسات والمنابر، كأن الرصيف الذي ينام عليه الشاعر هو نفسه المكان الذي تُرك فيه صوته، ومنه يخلق شعره المتقشف وغير المتخم بالبلاغة.

لم ترتكز هذه القصيدة على حادثة تتطور دراميًا، وإنما قامت على كشف متدرج وشجاع للذات. المتكلم يقف أمام نفسه كأنه يعدد طبقاته واحدة بعد أخرى، لنتأمل صفاته (المتشرد، المجنون، كاتب خواطر الليل، مدّعي الحداثة، الصعلوك، المحب، الصديق والجائع). تتابع هذه الصفات لم يبني صورة مستقرة أو بنية هرمية، لكنه يكشف هذه الذات التي لم يُكتب لها الاستقرار داخل تعريف واحد. وكلما سمّى الشاعر نفسه، أضاف وصفًا ينقض الوصف السابق أو يوسعه. فهو مثلًا متشرد، لكنه يملك وعيًا ساخرًا بتشرده؛ ومجنون، يعي ويراقب جنونه؛ ويدّعي الشعر، لكنه قادر أن يكتب قصيدة تثبت أنه شاعر. لذلك لا يمكننا أن نقرأ اعترافًا بسيطًا أو هلوسة مضطربة، وإنما نرى ذاتًا تنقسم بين الإنسان الذي يعيش البؤس والآخر الذي يتأمله ويصوره ثم يحوّله إلى كلام.

وهناك عبارات لها ثقلها الخاص كعبارة «ذلك المتشرد»، فهي تؤدي وظيفة حساسة؛ لأن الشاعر يبدأ بضمير المتكلم: «ما زلت أنا»، ثم يختار أن يشير إلى نفسه باسم الإشارة المخصص للبعيد: «ذلك».

ونفهم من هذا إنه حاضر في القصيدة، لكنه بعيد عن ذاته، أو سيكون من الأقرب القول إنه يبحث عنها. وكأن سنوات الفاقة جعلته ينظر إلى نفسه باعتبارها شخصًا يعرفه ولا يستطيع إنقاذه. تتكرر «ذلك» فتقيم مسافة بين المتكلم وصورته، غير أن هذه المسافة ليست هروبًا من المسؤولية، وإنما طريقة قاسية لمعاينة الذات من الخارج. يصبح الشاعر شاهدًا على نفسه، ويرى حياته كما قد يراها عابر يمر بجواره على الرصيف.

كسر للدراما وشعر متقشف يأتي القات والسجاير في بداية النص لتمنع هذه التجربة من التحول إلى فقر مجرد أو فقر مقبول. فالشاعر لا يقول إنه فقير فقط، وإنما يكشف أن حاجاته اليومية نفسها مكلفة وتقوم على السلف. كما أنه لا يختار الخبز مثالًا، يختار مادتين ترتبطان بالكيف والمتعة والتهدئة وتمضية الوقت، وربما في اليمن كبلد تعصف به حروب وصراعات فالناس تركض نحو الكيف والمخدر، فالقات والسجائر عند البعض قبل الخبز والعصيد.

هنا تظهر نوع من المفارقة الإنسانية لا تخلو من إدانة الذات والواقع، دون أن يقول الحرب فعلت بنا هذا، وكذلك فالمتكلم الذي لا يجد مكانًا ينام فيه لا يتخلى عن قاتِه وسجائره، وهو ليس الوحيد من يفعل ذلك، وهو لا يقدم نفسه ضحية مثالية نموذجية درامية، ولا يطلب منا أن نوافق على اختياراته. يعرض ضعفه كما هو، وبهذا فإننا مع شخصية تصبح أكثر صدقًا وتعجز عن تفكيك تعقيداتها أو تعقيدات ما حولها، فلا هي تحمل الحل لنفسها ولا لغيرها، كذلك لم تحبس نفسها في تنظيم أو جماعة في يمن ممزق فقدنا فيه كل شيء، حتى هويتنا الثقافية يشكلها لنا الغير.

سنلمس في النص مدى أهمية الليل بالنسبة للشاعر، وربما يمكننا فهمه بأنه الزمن المستتر في القصيدة، حتى عندما لا يتكرر اسمه. ففي آخر الليل يكتب خواطره وهلوساته، وعلى هذه الأرصفة الموحشة ينام، وفي الأخيلة يرى الفاتنات من الجن. أي إننا في زمن تتراجع فيه سلطة الواقع كثيرًا، فتخرج اللغة مثقشفة بلا زينة من داخل هذا الحرمان المستمر.

لكن القصيدة تعود لتسخر حتى من هذه الكتابة نفسها، تسميها «خواطر» و«هلوسات»، وكأن صاحبها يخشى أن يمنحها مكانة الشعر كاملة. ثم تأتي عبارة «شاعر حداثي يتميز عن الآخرين» بنبرة تهكمية على الأوصاف التي يصنعها الشعراء لأنفسهم. فالحداثة هنا ليست إنجازًا جماليًا يمكن أن ندّعي بأنه أصبح محسومًا، وإنما دعوى تصطدم بحياة لم تتغير بفعل القصيدة.

وتكشف صورة العجين طبيعة الصراع بين الفكر والحياة. فالماء والطحين لا يبقيان منفصلين عندما يختلطان، ولذلك لا يستطيع الشاعر فصل الأيديولوجيا التي آمن بها عن الواقع الذي سحقه. غير أن ترتيب الصورة مهم، فالأيديولوجيا كما يبدو لنا هي الماء، أي إنها سائلة وقابلة للتشكل وربما للتبخر وربما نمتصها بدون أن نعرف، بينما الواقع طحين كثيف يلتصق بالجسد.

وما ينتج ليس فكرة، نحن مع كائنٍ معجونٍ، تم تشكل دون ارادة كاملة منه وتحت ضغط المادتين، في بلد يستحيل أن تملك حريتك الكاملة ولابد من تنازلات لتعيش.

الصعلوك هنا ليس امتدادًا رومانسيًا لصعاليك التراث وحدهم وحياة الصعلكة في اليمن ليست مبهجة، ولسنا مع متمرد حر اختار البرية؛ إنه صعلوك المدينة اليمنية التي ضاقت بأهلها حتى صار الرصيف مسكنًا، الرصيف الذي لا يتطور ولكنه يتسع ويزداد الدمار حوله.

وحين يقول إنه «محب لأوجاعه والضياع»، لا ينبغي فهم ذلك على أنه تمجيد ساذج للألم. فالحب هنا يكشف طول المعايشة؛ لقد صارت الأوجاع الشيء الذي لا يتركه، ولذلك يتعلق بها كما يتعلق الإنسان بالشيء الذي يعرفه، ولو كان مؤذيًا. أما الوهم والسراب والجن والأخيلة، فهي عوالم غير منفصلة عن الجوع، قد تكون تعويضات يصنعها المحروم. الشاعر لا يمتلك المرأة التي يحبها ولا العالم الذي يتمناه، فيستدعي فاتنات غير واقعيات. لكنه أيضًا لا يدّعي أن الخيال يمكنه أن ينقذه ويقدم له متعة دائمة، كأننا نلمس أن هذا الخيال يضاعف ورطته ويعمق حرمانه من الحب أو الجنس؛ وتبقى الدمعة محتجبة حتى عن لواعجه، ويعجز شعوره ولا يكتمل ظهوره.

مع وصول القصيدة إلى الأصدقاء، تتبدل حركة النص. لم تعد الذات وحيدة تمامًا، لكنها لم تدخل جماعة مطمئنة أيضًا. كلمة «الأوغاد» تحمل المودة والغضب وتكشف عن واقع يمني معاش بطريقة غريبة يصعب لأي ساحر أن يفك رموزه؛ أعود إلى كلمة «الأوغاد» وأجد إنها تسمية لا يستخدمها المرء غالبًا إلا مع أشخاص قريبون منه ويستطيع أن يشتمهم من داخل الحب.

وعندما يشبههم بالنجوم، يرفعهم إلى السماء، لكنه يؤكد تفرقهم وبعدهم أيضًا. النجوم كثيرة ولامعة، غير أنها لا يمكنها أن تنزل إلى الأرض. كذلك أصدقاؤه، فهم يحيطون به على الشاشة، يضعون الإعجابات على تأوهاته، لكن حضورهم لا ينتقل من الضوء الرقمي إلى الرصيف.

وتمنح عبارة «على تأوهاتي» فعل الإعجاب معاني ساخرة واحساسًا مؤلمًا، وكأنها أيضًا تشير لوجودهم في هذه الحياة. فالإعجاب كأنه تم تصميمه لمقابلة الأشياء التي تسر المتلقي، لكنه يوضع هنا على الألم. وهكذا تكشف هذه القصيدة خلل اللغة الرقمية التي حتى يصعب أن نفهمها. لا نشعر بأن الشاعر يتهم أصدقاءه بالقسوة الخالصة؛ فقد تكون الإعجابات أقصى ما يستطيعون فعله، ومع ذلك تظل علامة بلا جسد. نقرة تصل إلى الشاشة، وأيادٍ قد لا تصل إلى طعام ولا إلى قات وسجاير. ومن هنا سنلمس أن المسافة بين الرمز والفعل تولد الخذلان.

ثم يشق الانقسام الطبقي جماعة الأصدقاء نفسها، فمنهم المتخمون حتى الثمالة، والجائعون حتى الموت. فالشعر في اليمن لا يجمع أصحابه في مصير واحد ولا مظلة واحدة. يختار الشاعر «الثمالة» لوصف التخمة، كأن الوفرة نوعًا من السكر الذي يحجب رؤية الآخرين. في الجهة المقابلة يصل الجوع إلى الموت، ويعود الرصيف الذي ظهر في البداية ليغلق الدائرة. فلقد بدأت القصيدة بشاعر ينام عليه، وتنتهي بجائعين يموتون فوقه؛ وهكذا يمنح الشاعر هذا الرصيف تدرجات متعددة، أي من مكان للنوم إلى حافة للفناء.

لم تمنحنا خاتمة القصيدة نهاية سارة ولا درامية، ولا يمكننا أن نصل لمفاهيم رومانسية أو فلسفية عن الحب والشعر والصداقة، حيث سنجد بجوارهم يقف الضياع والنفاق واللعنات، وتذكر كل هذه العناصر بشكل فوضوي من دون محاولة لترتيب هذه العناصر أخلاقيًا. ويبدو لنا بأن حرف العطف المتكرر كأنه أشبه بحبل يجمع المتناقضات داخل عقدة واحدة. إنهم يحبون بعضهم وينافق بعضهم بعضًا، يكتبون الشعر ويتبادلون الاعترافات الضئيلة، يتقاسمون الضياع من دون أن يتقاسموا الخبز ولا القات ولا السجائر. لهذا تنتهي القصيدة ولم تحمل الخلاص ولا الحكمة. أي إنها تترك الجماعة في تناقضها العبثي، وتترك الشاعر على رصيفه، لكنه لم يعد صامتًا.

في ختام هذه المادة يمكن القول بأن العامري لم يقدم صورة شاعر يراقب الفقراء من الخارج أو يملك لهم أو لنفسه حلًا، وإنما إنه يكشف نفسه ورفاقه معًا، ويضع الشعر داخل الحاجة الإنسانية. لذلك يمكن أن نصف القصيدة كوثيقة شعورية عن هامش يمني لا تصله المنابر، ولا تقام فيه مهرجانات، ولا نقاد يرحبون بنصوص من ليس لهم ظهر أو سند، أغلب نقادنا تفرغوا لدراسة ما يكتبه أبناء الذوات ومن يفوزون في المهرجانات الخليجية، وقد تكون القصيدة خطرًا تقذف بصاحبها إلى السجن أو القبر، وحتى شعراء الرصيف فهم مراقبون ومعرضون للخطر.

yemenat

مشاهدة أنا والأوغاد الذين أحب للشاعر اليمني عادل العامري

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أنا والأوغاد الذين أحب للشاعر اليمني عادل العامري قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أنا والأوغاد الذين أحب للشاعر اليمني عادل العامري.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار