إسبرطة.. حين تمتزج رائحة الورد والخزامى بعبق التاريخ ...الشرق الأوسط

اخبار عربية بواسطة : (ترك برس) -

ترك برس

في قلب منطقة البحيرات جنوب غربي تركيا، تبدو إسبرطة كأنها لوحة جمعت الطبيعة والتاريخ في مشهد واحد؛ فمن حقول الورد والخزامى الممتدة على سفوحها، إلى مياه بحيرة إغيردير الهادئة، والجبال التي تحتضنها، وصولًا إلى المدن الأثرية التي تحفظ آثار حضارات متعاقبة، تقدم الولاية لزوارها تجربة تجمع بين الاسترخاء والمغامرة، وبين سحر الطبيعة وثراء الذاكرة التاريخية.

وتُعرف إسبرطة منذ عقود بلقب «حديقة الورود في تركيا»، إذ ارتبط اسمها بإنتاج الورد وزيته، غير أن حقول الخزامى البنفسجية أضافت في السنوات الأخيرة بعدًا جديدًا إلى هويتها السياحية. ومع حلول موسم الإزهار، تتحول مساحات واسعة من الولاية إلى بحر من اللون البنفسجي، يستقطب آلاف الزوار الراغبين في الاستمتاع بالمشهد والتقاط الصور وسط الحقول العطرة.

ولا تقتصر جاذبية إسبرطة على الورد والخزامى، إذ تجمع الولاية بين السياحة الطبيعية والثقافية والرياضية، وتوفر لزوارها وجهات مختلفة على مدار العام. ففي الصيف، تستقطب بحيرة إغيردير عشاق الطبيعة والأنشطة الخارجية، بينما تتحول جبال دافراز في الشتاء إلى وجهة لمحبي الرياضات الثلجية.

بحيرة إغيردير.. هدوء يتغير مع الضوء

تعد بحيرة إغيردير إحدى أبرز الوجهات الطبيعية في إسبرطة، وتتميز مياهها الهادئة بألوان تتغير على مدار اليوم ومع اختلاف الفصول، ما يمنح المكان مشاهد متجددة تجمع بين زرقة المياه وخضرة الطبيعة المحيطة.

وتضم البحيرة جزيرتي يشيل آدا (الجزيرة الخضراء) وجان آدا، ولكل منهما طابع خاص. وتقع الجزيرة الخضراء على بعد نحو 1.5 كيلومتر من مركز إغيردير، وتحافظ على نسيجها التقليدي بمنازلها الخشبية ذات القواعد الحجرية وأزقتها الضيقة ومينائها الصغير للصيادين. كما تشتهر ببيوت الضيافة والمطاعم التي تقدم الأسماك.

وتحتضن الجزيرة كذلك كنيسة آيا ستيفانوس، التي بنيت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتتميز بتصميمها المستطيل ذي الأروقة الثلاثة والحنيّة، وقد خضعت لأعمال ترميم شملت سقفها وجدرانها وأجزاءها الخشبية الداخلية.

أما جان آدا، فتقع بين إغيردير والجزيرة الخضراء، وتبلغ مساحتها نحو 7 آلاف متر مربع، ولا تضم مباني، وقد أُهديت إلى مصطفى كمال أتاتورك خلال زيارته للمنطقة.

وعلى مقربة من البحيرة، تقف قلعة إغيردير شاهدة على تاريخ المنطقة، إذ تتكون من قلعة داخلية وأخرى خارجية، فيما تشير بقاياها الحالية إلى العصر البيزنطي. وتقع القلعة على شبه جزيرة تمتد داخل البحيرة، وتظهر على أجزاء من أسوارها مساكن بنيت في فترات لاحقة.

مدينتان هادئتان في قلب إسبرطة

تضم إسبرطة مقاطعتي يالواج وإغيردير اللتين حصلتا على لقب «المدينة الهادئة» ضمن شبكة «Cittaslow»، التي تضم مدنًا حول العالم تسعى إلى الحفاظ على نمط حياة هادئ ومستدام، مع حماية هويتها المحلية وتراثها الطبيعي والثقافي.

وتجمع إغيردير بين الطبيعة والتاريخ، من بحيرتها وجزرها إلى غابات البلوط الكاسناك وغابات الصمغ، فضلًا عن بساتين التفاح وفراشة أبولون التي تشتهر بها المنطقة.

أما يالواج، فتحمل إرثًا تاريخيًا يمتد إلى آلاف السنين، بعدما استضافت حضارات متعددة منذ عصور ما قبل التاريخ. ويتيح التجول فيها اكتشاف طبقات متعاقبة من الحياة في الأناضول، بدءًا من الآثار القديمة وصولًا إلى الحرف اليدوية والعادات والتقاليد المحلية.

دافراز.. الثلج في الشتاء والطبيعة في الصيف

وعلى ارتفاع يبلغ 2635 مترًا، يوفر مركز دافراز للتزلج فرصة لعشاق الرياضات الشتوية للاستمتاع بالتزلج الألبي والشمالي، والتزلج السياحي والتزلج على الجليد.

ويمتد طول مسارات التزلج في المركز إلى نحو 25 كيلومترًا، وتناسب مستويات مختلفة من المتزلجين، كما تمنح بعض المسارات إطلالات على بحيرة إغيردير.

ولا يتوقف النشاط في دافراز عند فصل الشتاء، إذ تتحول المنطقة خلال الأشهر الدافئة إلى مساحة لممارسة كرة القدم وتسلق الجبال وركوب الدراجات الجبلية والرحلات الجبلية والطيران الشراعي، لتصبح وجهة مفتوحة أمام محبي الطبيعة والمغامرة طوال العام.

آثار تحكي آلاف السنين

وإلى جانب طبيعتها الخلابة، تحتفظ إسبرطة بإرث أثري غني يعكس تعاقب حضارات مختلفة على المنطقة.

ومن أبرز هذه المواقع مدينة أدا القديمة في منطقة سوتشولار، على بعد 89 كيلومترًا من إسبرطة. ويرد اسم المدينة في نقش لمعاهدة تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، بينما شهدت أوج ازدهارها خلال العصر الإمبراطوري الروماني. ولا تزال فيها بقايا معابد ومسرح ومبانٍ رسمية وكنيسة ومنشآت أخرى، بينها معبد تراجان ومعبد «الأباطرة وزيوس ميغستوس-سيرابيس».

وفي أولوبورلو، تقع مدينة أبولونيا القديمة التي عُرفت بهذا الاسم منذ العصر الفريجي وحتى نهاية العصر البيزنطي، وتُنسب إلى سلوقس الأول. ومن أبرز معالمها بقايا قلعة أولوبورلو وقنوات جيريمبولو المائية التي شُيدت في القرن التاسع عشر لنقل المياه إلى القلعة.

أما مدينة أنطاكيا بيسيديا القديمة في يالواج، فتكتسب أهمية خاصة لارتباطها بتاريخ انتشار المسيحية، إذ يُعتقد أن القديس بولس ألقى فيها أول عظة مسجلة له. وتضم المدينة كنيسة مكرسة له، إلى جانب بقايا معبد أغسطس والكنائس والمسرح والحمام الروماني وساحة تيبيريوس والشارع ذي الأعمدة وقنوات المياه.

وعلى بعد نحو 5 كيلومترات جنوب شرقي أنطاكيا، تقع منطقة مين المقدسة، التي كانت مكرسة للإله مين، أحد أبرز الآلهة في مناطق فريجيا وبيسيديا في العصور القديمة. وتحيط بالمنطقة جدران «تيمينوس» التي تحمل نقوشًا وزخارف مرتبطة بالقمر.

متاحف تحفظ ذاكرة المكان

ولا تكتفي إسبرطة بحفظ تراثها في المواقع الأثرية، بل تعرض جانبًا واسعًا منه في متاحفها.

ويقدم متحف البروفيسور الدكتور توران يازغان للإثنوغرافيا، الواقع عند مدخل منطقة غوكشاي للتنزه، مجموعة كبيرة من السجاد والبسط التقليدية، إلى جانب الأزياء الشعبية والأدوات المنزلية والزراعية القديمة وخيام البدو الرحل وأنوال النسيج ومعدات إنتاج زيت الورد وغيرها من المقتنيات التي تعكس الحياة التقليدية في المنطقة والعالم التركي.

كما يروي متحف يالواج قصة الاكتشافات الأثرية في المنطقة، ولا سيما تلك المرتبطة بمدينة أنطاكيا بيسيديا القديمة. وبدأت الحاجة إلى إنشاء المتحف مع تزايد القطع المكتشفة خلال أعمال التنقيب، قبل أن يفتتح مبناه الحالي أمام الزوار عام 1966.

وفي إسلام كوي، على بعد نحو 24 كيلومترًا من مركز إسبرطة، يقع متحف سليمان ديميريل للديمقراطية والتنمية، الذي يضم مقتنيات وصورًا وهدايا ووثائق مرتبطة بحياة الرئيس ورئيس الوزراء التركي الراحل سليمان ديميريل، إلى جانب أرشيف ومكتبة تضم آلاف المواد المتاحة للباحثين.

آثار سلجوقية وإسلامية

وتحتفظ إسبرطة أيضًا بمعالم تعود إلى العهدين السلجوقي والحميدي، من بينها مدرسة دندار بك في إغيردير، التي شُيدت في الأصل خانًا عام 1237 خلال عهد السلطان السلجوقي غياث الدين كيخسرو الثاني، قبل تحويلها إلى مدرسة عام 1301 على يد دندار بك الحميد أوغلو.

وتتكون المدرسة من طابقين تتوسطهما باحة تضم 30 حجرة، فيما يتميز مدخلها ببوابة حجرية مزينة بزخارف هندسية ذات طابع سلجوقي.

كما يقع خان أرطوقوش في منطقة غيليندوست، على الطريق التاريخي للقوافل الذي كان يربط إغيردير بقونية. ويعود تاريخ تشييده إلى عامي 1203 و1204، وفق النقش الموجود على بوابته، وقد شيده مبارز الدين أرطوقوش ليكون محطة للقوافل والمسافرين.

أما مسجد خضر بك، المعروف محليًا باسم «الجامع الكبير»، فيحمل بدوره آثارًا من تاريخ إغيردير. وتشير الروايات إلى أن المسجد تعرض للحريق في عام 1814، قبل أن يعاد بناؤه بمساعدة السكان وبما يحافظ على طرازه القديم.

إسبرطة.. رحلة تتجاوز جمال الصورة

بهذا التنوع، تبدو إسبرطة أكثر من مجرد وجهة موسمية لمشاهدة الورود أو حقول الخزامى؛ فهي منطقة تتجاور فيها الطبيعة مع التاريخ، وتلتقي فيها مياه البحيرات بقمم الجبال، بينما تتوزع بين مدنها وبلداتها آثار حضارات تركت بصماتها على الأناضول عبر آلاف السنين.

ومن حقول الورد والخزامى إلى بحيرة إغيردير، ومن مسارات دافراز إلى المدن الأثرية والمتاحف والخانات والمساجد، تمنح إسبرطة زائرها فرصة لاكتشاف وجه مختلف من تركيا، حيث يمكن للمرء أن يجمع في رحلة واحدة بين هدوء الطبيعة، ومتعة المغامرة، وعبق التاريخ.

 

مشاهدة إسبرطة حين تمتزج رائحة الورد والخزامى بعبق التاريخ

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ إسبرطة حين تمتزج رائحة الورد والخزامى بعبق التاريخ قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، إسبرطة.. حين تمتزج رائحة الورد والخزامى بعبق التاريخ.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار