سيبحث أمسُنا عن رائحة الخبز، عن صوت الجار، عن كتاب مفتوح، عن أغنية تهز القلب، عن نقاش يرفع حرارة المجلس، سيجد بدل ذلك مجموعة عائلية على واتساب تضم سبعة وأربعين عضوا لا يملك أي واحد منهم وقتا لزيارة أمّه.
في أمسنا الثّقافي، كان الفَقر يقضم وقت المبدع، وكانت الأبواب تغلق طريقها أمام أصوات كثيرة. ومع ذلك، احتفظ الفن بكرامته. كان المغني يحمل همَّ الناس، لا حقيبَة الإشْهار. وكانت القصيدة تعرف خصمها، وكان المسرح يفتح نافذة في جدار الخوف، وكان الكاتب يخسر راحته كي يربح القارئ سُؤالا جديدا.
نقرأ العنوان، نعجب بالغلاف، نلتقط الصورة، ثم نترك الصفحات تنام في سلام أبدي. امتلأت الرفوف بالكتب، وفرغت النقاشات من الأفكار. نقيم مهرجانا للتراث، ثم يهدم المقاول دارًا عتيقةً كي يبني موقِفا للسَّيارات. نلتقط صورة أمام باب خشبي قديم، ثم نستبدله في بيوتنا بباب من الألمنيوم.
السياسة في موسم الوعود
وفي السياسة، يزداد السؤال لَسْعًا: واش حنا هما حنا؟
أما اليوم، فقد تحوّلت بعض المقرات إلى وكالات موسمية تفتح أبوابها عند اقتراب الانتخابات، مثل محلات بيع لوازم العيد. يدخلُ المرشح الحيَّ باسِما، يصافح الجميع، يقبّل الأطفال، يسأل المرضى عن صحتهم، ويقسم أنه ابن المنطقة.
في أمسنا، كان الجارُ يعرف متى يمرض جارُه، ومتى يحتاجُ إلى طبق طعام، ومتى يُخفي حزنه وراء ابتسامة. عندما يسقطُ شخصٌ، تمتدُّ نحوه أيدٍ كثيرة. اليوم نعرف أخبارَ أشخاصٍ يعيشُون في قارّات بعيدة، ونجهَل اسْم الجار الذي يسكن خلف الجِدار.
يحتاج الفقير إلى الطعام، فيمنحُه المُحْسِن لَقطة مُصوَّرة أيضا. يأخُذ الإنسان نَصيبه من المساعدة، وتأخذُ الكاميرا نصيبها من كرامته.
هويةٌ بِعْنَاها بالتَّقسيط
الحقيقة أن أحدا لم يسرق هويتنا في ليلة واحدة. نحن بِعْنا أجزاء منها بالتّقسيط: جُزءا للسرعة، وجزءا للمصلحة، وجزءا للخَوف، وجزءا للرّغبة في التَّشبه بمن لا يعرفنا ولا يهتم بنا. أبقينا التراث للزينة، والأخلاق للخُطب، والوطنية للمباريات، والدّين للمواعظ، والحداثة للملابس، ثم تركنا الإنسان يبحث عن مكانه بين هذه الواجهات.
المرآة لا تجامل أحداً
نكونُ نحنُ عندما يخدمُ المسؤول المواطنَ ولا يسْتخدمه، وعندما يكتبُ المثقف ما يؤمن به لا ما تطلبه المنصّة، وعندما يصنعُ الفنّان الجمال من وجَع الناس لا من جُوع السُّوق. فإذا عاد أمسُنا يوما وطرق بابنا مرة أخرى، نريد أن نفتح له بوجهٍ إنسانيّ، وأن نجلسه إلى مائدة تتَّسع للجميع، وأن نقولَ له: نعمْ، تغيَّرنا، أخطأْنا، تعثَّرنا، لكننا لم نفرِّط في آخر خيط يصلنا بأنفسنا.
وعندها سيرتفعُ صوتٌ غيوانيٌّ من عُمق الجُرح: واشْ حْنا هُما حْنا؟ لنْ ينتظر السُّؤالُ جوابًا؛ فالمرآةُ، هذه المرّة، ستُجِيبُ.
وَاشْ حْنَا هُمَا حْنَا؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة و اش ح ن ا ه م ا ح ن ا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ و اش ح ن ا ه م ا ح ن ا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، وَاشْ حْنَا هُمَا حْنَا؟.
في الموقع ايضا :