إلى العزيز عبد اللطيف اللعبي وهو يواجه بشجاعة محنته الصحية
وبما أن المهام الملقاة على عاتق شعراء ذلك الزمان كانت مما تنوءُ عن حِمله الجبال، احتاج الشعراء دائما إلى من يسندهم في مهامهم. لذلك، اتخذ كل واحد منهم لنفسه شيطانًا يشدد به أزره ويشركه في أمور قصيدته. هكذا اعتقد العرب في الجاهلية أن لكل شاعر شيطانًا، فللنابغة الذبياني شيطانٌ اسمه مدرك بن راغم. أما طرفة بن العبد فشيطانه أبو الخطار. فيما اختلف الرواة حول شيطان امرئ القيس: هل كان اسمه عقيبة بن نوفل أم لافظ بن لاحظ؟
إني وكل شاعر من البشر / شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
ولي صاحبٌ من بني الشيعبان / فطَوْرًا أقول وطورًا هُوَه
إني ليُلقي عليَّ الشعرَ مكتهلٌ / من الشياطين إبليس الأباليس
هكذا، إذن، تحوّل الشيطان مع كثيّر إلى قرين. والقرينُ لغةً هو المصاحب والملازم. فقرين المرء مصاحبٌ له لا يفارقه؛ لكن الظاهر هو أن القرين في الإسلام ليس بريئا تمامًا. جاء في سورة الزخرف: (ومن يعْشُ عن ذكر الرّحمن نُقيّضْ له شيطانا فهو له قرين) الآية 36. ثم في الآية 38: (حتّى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بُعدَ المشرِقَيْنِ فبئسَ القرين).
هذا القرين ظل دائما هناك، يغرّر بالبشر أجمعين؛ لكنه يرتاح أكثر كلما وجد نفسه بصحبة شاعر. حتى قُيِّض له الشاعر عبد اللطيف اللعبي الذي اختار أن يدخل لأول مرة في مواجهة مفتوحة مع قرينه. نوع من المكاشفة تتيح لهذين الخصمين العنيدين أن يتكاشفا ويتواضحا، أن يختلفا ويألتفا فيما يحاوران أحدهما الآخر في أكثر من قصيدة وديوان؛ ولكن أساسًا في قصيدة اللعبي الطويلة “عزيزي القرين”. ففي القصيدة نتعرف بوضوح أكثر على هذا القرين الذي:
يحشُر نفسه
لغة شياطيني
باحة للعب
في منطقة محرّرة
إذن، باللغة يحرّر الشاعر الذات والوجدان من اللغة. كأنه يطبّق وصية أبي نواس: “وداوني بالتي كانت هي الداء”. واللغة هنا الداء والدواء. فالشعر يخلق آثاره في اللغة وباللغة؛ بل إن ماهية الشعر، بلغة هولدرلين، لا يمكنها أن تتجسد إلا في اللغة وعبرها. فاللغة مادة الشعر وهي مجال اشتغال الشاعر. لذلك، من الطبيعي أن يرتاب الشاعر في اللغة التي يتلقاها من المجتمع؛ بل يشتغل عليها فاتحا إياها على ممكنات تعبيرية جديدة. هكذا نضبط عبد اللطيف اللعبي رفقة قرينه متلبّسين بـ”ترصُّد الكلمات” و”التربّص” بها:
ندعو منها التي تلتحف علانيةً
أن تخلع ثيابها
تلك التي تملأ الفراغ
نتعرّف
المنبوذة
“الغريبات” منها (أي من الكلمات)
حق اللجوء
بامرأة أو رجل
وهذه أفضل طريقة لها للتجدُّد
إلى أن لغة الآخر
لن تكون أبدا وطني
يتجاهلونني أيَّما تجاهل
هكذا حينما انفتحت البوابة العملاقة للسجن المركزي بالقنيطرة يوم 18 يوليوز 1980، خطا اللعبي خارج “قلعة المنفى” خطوات وجدها واثقة تماما. فقد “أصبحتُ، أخيرًا، أستعملُ ساقيَّ الاثنتين لكي أسير”؛ لكن القرين اللئيم حريص على النيل من هذا الانسجام الذي يستشعره الشاعر في إقامته الخلّاقة بين لغتين، وفي غبطته بتمكّنه أخيرًا من النهل من معينيهما في ذات الآن. ثم إن القرين يبدو أحرص ما يكون على تعكير مزاج الشاعر وهو يسرُّ له بأنه ما زال لم يبلغ المكانة التي يستحقها لدى القارئ المغربي، المُعرَّب تحديدا. فالقرين يعرف دون شك أن لعبد اللطيف اللعبي انشغالًا خاصًّا بترجمة شعره إلى العربية وإيصاله للقارئ المغربي، يفعل ذلك بهمَّة المناضل الذي يفعل المستحيل لكي يصل صوته لعموم الناس وتنفُذ فكرته إلى وجدان شعبه. والغريب هو أنه اكتشف مرة وهو في فلسطين، في لقاء مفتوح مع الجمهور في بيت لحم، أن الفلسطينيين كانوا أعرف به من المغاربة. يقول في “شاعر يمر”: “تأكدّتُ مرة أخرى من أن بعض مؤلفاتي المتعلقة بتجربة الاعتقال قد قُرِأت في السجون الإسرائيلية أكثر مما قُرأت في مدارس المغرب الثانوية وجامعاتها”.
هو يزعم أنه أرجنتيني
في أن أعدّ نفسي فرنسيًّا
كمُعفىً من أية جنسية
أن تعثر على أكثر مغربية منه.
هي شراكة واعية، إذن، بين الشاعر وقرينه. لهذا، ربما وسّع الشاعر من المجال الحيوي للقرين، وعدّدَه بالأسماء والصفات منذ اسم الطفولة القديم “ناموس” الذي كشف لنا عنه في روايته السيرية “قاع الخابية”، إلى الأسماء المستعارة التي كان يتخذها لنفسه أيام النضال والعمل السري: فهو “الشفشاوني” حينًا، “الأندلسي” أحيانًا. دون أن ننسى اسم علي غسان، المستعار الذي سبق للعبي أن نشر تحته “قصة مغربية” في طبعتها الأولى بفرنسا.
في كتابه “شاعر يمر” يحكي اللعبي “أنني رأيت نفسي أبكي في الحلم. بسبب من؟ أو ماذا؟ لا أعرف. من الواضح أن قناة لا شعوري مشفرة”.
يجيب عبد اللطيف اللعبي في قصيدته “عزيزي القرين”:
داخل الغرفة السوداء
إذا لم يكن ثمة قِطّ.
في المشهد الخامس من مسرحية “تمارين في التسامح” اجتاز شاعرٌ الخشبة في هدوء. علّق الممثل الأول: “شاعرٌ يمُرّ”، أضاف الثاني: “لكن شعره لن يكتسي أية قيمة إلا بعد موته”. فأمَّن الأول على كلامه مؤكّدًا: “الشاعر الجيّد هو الشاعر الميّت”.
الشاعر عبد اللطيف اللعبي.. قرين القصيدة وأسئلة اللغة والهوية والمنفى Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الشاعر عبد اللطيف اللعبي قرين القصيدة وأسئلة اللغة والهوية والمنفى
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الشاعر عبد اللطيف اللعبي قرين القصيدة وأسئلة اللغة والهوية والمنفى قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الشاعر عبد اللطيف اللعبي.. قرين القصيدة وأسئلة اللغة والهوية والمنفى.
في الموقع ايضا :