إن صفة تونس الراهنة كرئيسة لمجلس جامعة الدول العربية تفتح أمامها باب قيادة مبادرة وساطة ودية بالحسنى بين الجزائر و الإمارات العربية المتحدة، وفي حال تعثرها، فإن الانكفاء نحو مربع الحياد البنّاء يغدو الخيار الوحيد لحماية استقلال قرارها السيادي. (الصورة: محمد بن زايد وعبد المجيد تبون).
إلياس القصري *
تشهد المنطقة المغاربية حالة من الاستقطاب الدبلوماسي إثر القرار الذي اتخذته الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بناءً على تقييماتها الخاصة لمعادلة أمنها ومحيطها الإقليمي. ويضع هذا المستجد الدبلوماسية التونسية أمام ضغوط موضوعية تمليها طبيعة الجوار الجغرافي للتناغم مع الموقف الجزائري، سواء بدواعي التضامن والترابط الثنائي أو انطلاقاً من قراءات تشير إلى انعكاسات سلبية محتملة لتلك التجاذبات على الاستقرارات المحلية. إن هذا الوضع يفرض على تونس موازنة دقيقة تتطلب الفصل المنهجي والصارم بين مقتضيات الجوار، وبين صون السيادة الوطنية واستقلالية القرار الدبلوماسي للدولة.
محددات التحرك المتاحة:
– الوساطة بالحسنى أو الحياد البنّاء: تتزامن هذه الأزمة الإقليمية مع تسلّم تونس رئاسة مجلس جامعة الدول العربية، وهي صفة قانونية تمنح البلاد مشروعية سياسية ودبلوماسية للتحرك وفق مقاربة متزنة تبعدها عن الاستقطاب الثنائي:
– تفعيل مبادرة الوساطة بالحسنى: يتيح الموقع الحالي لتونس كرئيسة لمجلس الجامعة العربية طرح مبادرة مسؤولة للحوار والتشاور وتقريب وجهات النظر بين الطرفين الشقيقين (الجزائر والإمارات)، انطلاقاً من دورها الطبيعي في دعم العمل العربي المشترك والنأي بالمنطقة عن الانقسامات.
– التمترس خلف الحياد البنّاء : في حال رفض هذه المساعي أو عدم توفر الحاضنة السياسية لإنجاحها من أي طرف من طرفي الخلاف، فإن الموقف التونسي يجب أن ينحصر بشكل قطعي وصارم في مربع “الحياد البنّاء”. يقتضي هذا الخيار التصدي الحازم والمستمر لأي محاولة لجرّ البلاد إلى هذا النزاع أو توظيف ساحتها السياسية كطرف فيه، حفاظاً على استقلالية القرار الوطني ومؤسسات الدولة.
الخلفيات السياسية للأزمة:
تشير العديد من القراءات والتحليلات السياسية—بما فيها مقاربات تتبناها أطراف ونخب جزائرية مستقلة—إلى وجود مظاهر تسرع ومغالاة من جانب القيادة السياسية في الجزائر في إدارة هذا الملف.
وترى هذه القراءات الموضوعية أن تبني خيارات دبلوماسية حادة تجاه شركاء خارجيين ينطوي على شبهة التمادي في “سياسة إدارة الشؤون الداخلية عبر تصدير الأزمات واختلاق الصراعات الخارجية”؛ وهي استراتيجية تهدف في المقام الأول إلى إلهاء الرأي العام المحلي، وتغيير وجهة السجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي المتصاعد داخل الجزائر.
وبناءً عليه، فإن ارتهان الموقف التونسي لخطوات محكومة بحسابات وتوازنات داخلية لدولة أخرى يمثل مجازفة غير مأمونة العواقب ومساساً مباشراً بالمصلحة الوطنية التونسية.
المحددات القانونية والسيادية للموقف التونسي:
– مبدأ المساواة في السيادة والندية: يمثل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها والندية الكاملة في التعامل، الركيزة الأساسية في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق، فإن انخراط تونس في خلافات ثنائية بين أطراف شقيقة، أو تبنيها لمواقف قطيعة بناءً على تقديرات وحسابات دول أخرى أو من ايحائها، قد يُخرج الدبلوماسية التونسية عن مبدأ الحياد، ويقحم البلاد في تجاذبات إقليمية لا تخدم مصالحها المباشرة.
– إعلاء المصلحة الوطنية الفردية على المدى البعيد: إن فقه الدولة وثوابتها الدستورية يفرضان إعلاء المصلحة الوطنية الفردية والعليا لتونس في كل مناسبة وقرار، باعتبارها المعيار الحقيقي والأوحد لتقييم الشراكات والتموضعات الخارجية. فلا يمكن لقرار دبلوماسي رصين أن يُبنى على مجاملات ظرفية أو إذعان لضغوط الجوار، بل يجب أن يخضع دائماً لحسابات الجدوى الاستراتيجية الحامية لقوت الشعب التونسي، وأمنه، ومستقبل أجياله على المدى البعيد.
– الالتزامات التعاقدية الدولية: ترتبط تونس باتفاقيات ومعاهدات دولية ثنائية ومتعددة الأطراف مع دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، تشمل حماية الاستثمارات، التبادل التجاري، والتعاون الفني. فقانونياً، أي مسعى لقطع العلاقات أو تخفيضها دون مسوغ قانوني مباشر يمثل إخلالاً بهذه الالتزامات، ويفتح الباب أمام تبعات قانونية واقتصادية دولية تضر بالثقة الائتمانية والسيادية للبلاد.
مجال و حدود التضامن : لتفادي الخلط المنهجي والانجرار وراء مواقف قطيعة في أوقات الأزمات الإقليمية الحادة، يستوجب تقدير الموقف إجراء فصل دقيق وتمييز صارم بين مفهومين مغايرين في العمق والأثر الاستراتيجي:
-إطار التعاون الميداني (تنسيب وتأطير مجال التدخل) : ترتبط تونس والجزائر بأطر تنسيق ميدانية متوارثة، إلا أن حصافة القرار تقتضي تنسيب أهمية هذه الأطر وحصر مجال تدخلها بدقة لبقة؛ بحيث يقتصر مداها كلياً على مواجهة التهديدات الأمنية ومكافحة الإرهاب والتهريب العابر للحدود بناءً على تقييم ثنائي مشترك ومستقل بين البلدين. ويجب عزل هذا المسار الفني عن مجالات العلاقات الدبلوماسية، والسياسات الخارجية، والتعاون الدولي. إن إطار التعاون المشترك ليس تحالفاً سياسياً مفتوحاً، بل هو صيغة تشاور مبنية على الندية والمصلحة الذاتية البحتة للأطراف المتعاقدة، بما لا يمس السيادة الوطنية أو يقيد حركة تونس الدولية.
– مخاطر التبعية السياسية : الانزلاق نحو محاكاة الخيارات الدبلوماسية للغير وتأييد خصوماتهم الثنائية مع أطراف خارجية بناءً على قراءات لا تخدم المصالح التونسية، فالأخوة والجوار لا يعنيان تفصيل مواقف تونس الخارجية على مقاس الأجندات الإقليمية للآخرين، والتمايز هنا يحمي تونس من تصنيفها في المحافل الدولية كـ”تابع سياسي” معزول يفقد أهليته في حماية علاقاته التنموية والمالية المرنة مع بقية دول العالم.
صدمة واشنطن عام 1990 وتدشين مسار استنزاف النظام :
وتتجلى خطورة الخلط بين واجب الجوار والتبعية الدبلوماسية بالعودة إلى أزمة الخليج عام 1990؛ ففي ذلك الوقت، قادت الحسابات المتسرعة والمواقف السياسية التي غلب عليها الشحن العاطفي والانفعالي إلى إحداث شرخ استراتيجي مع القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية:
– صدمة واشنطن وانقلاب الموقف الأمريكي: في ماي 1990، استُقبل الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي بحفاوة بالغة في واشنطن خلال زيارة دولة رسمية من طرف الرئيس جورج بوش الأب. وخلال تلك اللقاءات المغلقة، أفرغ الرئيس الأمريكي لبن علي معطيات استخباراتية بالغة الحساسية تفيد بأن صدام حسين قد تخطى “الخطوط الحمراء” في المنطقة، لا سيما بعد تهديداته الشهيرة بحرق نصف إسرائيل، وما يحمله ذلك من مؤشرات حول حيازة بغداد لأسلحة دمار شامل. ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى جاء الاجتياح العراقي للكويت (أوت 1990)، ليتفاجأ صُناع القرار في البيت الأبيض بموقف نظام بن علي المتحفظ والرافض لإدانة الغزو، وهو ما خلّف صدمة عميقة في واشنطن واعتُبر نقضاً للثقة واصطفافاً وراء الاجتياح العراقي للكويت وما ينطوي علية من تهديدات اقليمية.
– الارتباط السببي لإنهاء حقبة تونس العربية: إن هذا الانحياز العاطفي كلف تونس عزلتاً إقليمية ودولية فورية؛ حيث منح الأغلبية العربية المتضامنة مع الكويت المسوغ السياسي والقانوني الكامل لتسريع قرار إنهاء استضافة تونس لمقر جامعة الدول العربية وترحيلها الفوري إلى القاهرة في نوفمبر 1990، مع ما رافق ذلك من تقويض للرمزية السيادية واستقالة الأمين العام الشاذلي القليبي.
– الشرخ المستدام وحرب الاستنزاف السياسية: تبلور لدى دوائر القرار في واشنطن، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، قناعة راسخة بأن نظام بن علي لم يعد حليفاً موثوقاً على المدى البعيد. ولم تشفع للنظام زيارته الثانية والأخيرة إلى واشنطن في فيفري 2004 للقاء الرئيس جورج بوش الابن؛ حيث اتضح الشرخ وتعمق النقد الأمريكي لملفات حقوق الإنسان وغياب التعددية السياسية. ومنذ تلك الحقبة، تبلورت لدى صانعي القرار الأمريكيين الحاجة الاستراتيجية إلى تغيير أو إزاحة هذا النظام، مما أدخل البلاد في فترة طويلة من حرب الاستنزاف السياسية، والاقتصادية، والإعلامية والدبلوماسية، قوضت شرعيته الخارجية تدريجياً، وعززت الاختناق الداخلي الذي أدى في النهاية إلى اندلاع الاحتجاجات وسقوط النظام ومغادرة بن علي لتونس في 14 جانفي 2011.
تلافي تكرار أخطاء عام 1990 التي أدخلت تونس في شرخ قاتل مع القوى الكبرى
أن صفة تونس الراهنة كرئيسة لمجلس جامعة الدول العربية تفتح أمامها باب قيادة مبادرة وساطة ودية بالحسنى، وفي حال تعثرها، فإن الانكفاء نحو مربع الحياد البنّاء يغدو الخيار الوحيد لحماية استقلال قرارها السيادي.
إن أطر التنسيق الميداني لمجابهة التهديدات الأمنية على الحدود مع الجزائر يجب ألا تمتد لتتحول إلى تبعية دبلوماسية تنساق وراء مواقف أو قطيعة ثنائية ناتجة، حسب عديد المؤشرات والمحللين، عن حسابات داخلية لإدارة الأزمات، تلافياً لتكرار أخطاء عام 1990 التي أدخلت الدولة في شرخ قاتل مع القوى الكبرى كلفها حرب استنزاف استمرت عقوداً.
إن السيادة الوطنية وحصافة القرار تقتضيان رسم المواقف بناءً على مرجعية الندية المشتركة وإعلاء المصلحة الوطنية الفردية وعلى المدى البعيد كمقياس وحيد للقرارات السيادية؛ مما يضمن حصر التعاون الميداني مع الجار الغربي في أبعاده الفنية والأمنية الخالصة, مع الإبقاء على نوافذ البلاد الدبلوماسية والاقتصادية والتمويلية مفتوحة وبشكل طبيعي مع دولة الإمارات وبقية دول الخليج والعالم , لتظل الشراكات المتنوعة والمستقلة هي الضمانة الحقيقية لحماية استقرار تونس ومنع سقوطها مجدداً في فخ العزلة الدولية والتبعية المقيدة.
* سفير سابق.
ظهرت المقالة الأزمة الجزائرية الإماراتية : الأبعاد القانونية والسيادية للموقف التونسي أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة الأزمة الجزائرية الإماراتية الأبعاد القانونية والسيادية للموقف التونسي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأزمة الجزائرية الإماراتية الأبعاد القانونية والسيادية للموقف التونسي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأزمة الجزائرية الإماراتية : الأبعاد القانونية والسيادية للموقف التونسي.
في الموقع ايضا :
- Sana’a Counts the Saudi Raids During the Past 24 Hours and Vows: They Will Not Pass Without Punishment
- وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت: الولايات المتّحدة تعمل على إنهاء التهديد الإيراني ولا تكتفي باحتوائه
- A Military Source in Sana’a: There Is No Danger from Yemen to the Holy Sites, and Saudi Arabia Is Soliciting Sympathy with Misleading Discourse