الفُضُولي، إذَنْ، صاحبُ مِهنة واسعة الاختصاصات: رأسُ ماله أذُن يقظة، وهاتفٌ مشحُون، ووقتٌ طويل لا يعرف أين يضعه. يفتتح كلامه دائمًا بالجملة التي تمنحه رخصةَ اقتحامِكَ: “أنا ما بغيتش ندخل فشؤون الناس”. ما إن ينطقها حتى يدخلَ في شؤونكَ كُلّها، مِن راتبِكَ إلى سَبب غِيابكَ، ومِن لوْنِ سَتائر بيْتكَ إلى النّية التي أخفَيْتَها عن نفْسك.
وحين يرفض أحدُهم الإجابة، لا يحترم الأقاربُ صمْته؛ يفسِّرُونه بمَنْهجِهم الخَاصّ. يصبحُ الصَّمْت خِصَامًا، والغياب تكبُّرًا، والخُصوصية دليلًا على وجودِ فضيحَة لذيذةٍ لم تَنضجْ بَعْدُ.
داخل بعض الأحزاب، يراقبُ الرّفيق رفيقه أكثر مما يراقب الحُكومة. يحصي طُول التّصفيق، ويرصد ترتيب المقاعد، ويفسِّر الغياب كما يفسر المنجِّمُ حركة الكواكب. هكذا يتحول التنظيم الذي جاء كي يجمع الناس حول فكرة إلى شبكة تجمع الأفكار عن الناس. يتحدّث الجميع عن الديمقراطية في القاعة، ثم يبدأ التحقيق في الممَرّ: شكون قال؟ شكون كان حاضر؟ وشكون ما عَجْبوشْ الحال؟
وإذا اقترب موعد التّرقية، تحوّلت الاستراحة إلى غُرفة عمليات، وتحوَّلت المجاملة إلى استثمار، وتحوَّل كل خطأ صغير إلى مِلفٍّ ينتظرُ صاحبه اللّحظة المناسبة كي يفتحه. وقد يشجع المدير هذا السلوك حين يكافئ ناقلَ الأخبار ويُهمل صاحبَ الرّأي الصّريح. عندها يتعلَّم الموظفون أن الطّريق إلى المكتب الأعْلى لا يمرُّ عبر جَوْدَة العَمل؛ يمرُّ عبر جودة التَّقرير عن العامِلين.
ومع المنصات الرقمية حصلَ الفُضولِي على ترقية تِقْنية. لم يعُد يحتاج إلى كرسي قرب النافذة، يحتاج اليومَ إلى هاتف وباقة إنترنت وإصبع لا يتعَب. يُراقب آخر ظهور، وعدد الإعجابات، ومَن تابع مَن، ومَن حذف صورة، ومَن أعاد نشر جملة غامِضة. يكبر الخبر من قلب أحمر، وتبدأ أزمة عائلية من متابعة جديدة، ويستخرجُ المحقِّق الرَّقمي من خلفيةِ صُورةٍ ما عجزت الشّرطة العلمية عن استخراجه من مسْرح جَريمة نَكراء.
ثقافة «شْكُون قال؟»
هكذا يملأ الفضولُ الفراغَ الذي تركه الحوار، ويجد الجُبنُ في شؤون الآخرين اسمًا أكثر أناقة: المعرفة. فلا يواجهكَ بالحقيقة، بل يبني من حوْلك جمهورًا، ثم يتركُك آخرَ من يسْمعها. لهذا يمثل الفضولُ في العمق بوصلة أصابَها العَطب: عينٌ حادّة أمام البَاب المجاور، وعينٌ ناعَسةٌ أمام الشأن العام. ي
لا تكفي مَوعظة عن حُسن النّية لإيقاف هذه الصِّناعة. نحتاجُ إلى مُؤسسات تُقدّم المعلومة في وقتها، وصحافة تُفرّقُ بين الحَقّ العامّ وشهيّة الجُمهُور، ومدرسة تُعلّمُ الطّفل الأمانة من غير أن تحوّله إلى ناقِل أخبار، وأسْرة تحترمُ الحُدود، ومكانُ عملٍ يكافئ الصّراحة لا الوِشَاية. نحتاجُ أيضًا إلى شجاعة يومية بسيطة: قُلْ للإنسان ما تريد قوله عنه، واسأل صاحب القرار أمام الناس، ولا تجعل أذن شخصٍ ثالثٍ جِسْرًا بينكَ وبين مَن تختلفُ معه.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديثٍ آخر.
الفُضُولُ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة الف ض ول
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الف ض ول قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الفُضُولُ.
في الموقع ايضا :