وهكذا وجد الإسبان أنفسهم أمام مفارقة لافتة: أزمة بدأت من سؤال بسيط في ظاهره، هو “أين يمكن أن يسكن المواطن وبأي كلفة؟”، تحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك القدرة على إدارة الدولة، ومن يستطيع تقديم إجابة مقنعة عن أحد أكثر الملفات التي تمس الحياة اليومية للإسبانيين مباشرة.
المفارقة الأساسية في المشهد الإسباني أن البلاد لا تواجه نسخة جديدة من أزمة العقار التي قادت إلى الانهيار المالي سنة 2008، بل تعاني مشكلة مختلفة في طبيعتها وأكثر تعقيداً في علاجها:
وتزداد دلالة هذا الرقم حين يوضع إلى جانب وتيرة تكوين الأسر الجديدة، حيث أشار بنك إسبانيا إلى أن إسبانيا شهدت خلال 2025 تكويناً صافياً لنحو 225 ألف أسرة، في حين لم تتجاوز المساكن الجديدة المنجزة نحو 92 ألف وحدة، بينما بلغ عدد المساكن التي بدأ تشييدها أو حصلت على تراخيص بناء جديدة مستويات أعلى، لكنها لا تزال غير كافية لتعويض الفجوة المتراكمة. وبعبارة أخرى، فإن المشكلة لا تتمثل فقط في أن السكن أصبح غالياً، وإنما في أن عدد الوحدات التي تدخل السوق لا يواكب عدد الأسر التي تحتاج إلى مسكن.
الإيجار.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة
إذا كان ارتفاع سعر شراء العقار يمثل مشكلة كبيرة، فإن الإيجار أصبح الوجه الأكثر مباشرة للأزمة بالنسبة إلى ملايين الإسبان، خصوصاً الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام سوق لا تتناسب أسعاره مع مداخيلهم.
وتكشف هذه النسبة أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بحدود القدرة على الاستمرار في دفعها. فحين يذهب أكثر من 40 في المائة من دخل الأسرة إلى الإيجار، يصبح السكن منافساً مباشراً للغذاء والنقل والصحة والتعليم والادخار، ويتحول الانتقال من منزل إلى آخر أو الاستقلال عن الأسرة إلى قرار اقتصادي بالغ الصعوبة.
ولا يمكن اختزال الأزمة في مسؤولية عامل واحد، لأن سوق السكن الإسباني أصبح نقطة تقاطع بين مجموعة من التحولات. فهناك الطلب الداخلي الناتج عن زيادة عدد الأسر، وهناك الطلب الخارجي من غير المقيمين، إذ أشار بنك إسبانيا إلى أن غير المقيمين اشتروا نحو 55 ألف مسكن خلال 2025، فضلاً عن الاستخدامات البديلة للعقار، بما في ذلك الإيجار السياحي والإيجار الموسمي. كما يؤدي تأخر استقلال الشباب عن أسرهم إلى توليد طلب كامن لا يظهر دائماً في أرقام المعاملات العقارية لكنه يضغط على السوق في المدن التي تعاني أصلاً من نقص العرض.
أما الهجرة، فقد دخلت بدورها إلى النقاش السياسي حول السكن، بعدما أصبحت الزيادة السكانية وتكوين الأسر الجديدة جزءاً من تفسير نمو الطلب، فيما تحذر أطراف سياسية من أن استمرار تدفقات الهجرة من دون توسع موازٍ في بناء المساكن والخدمات العامة يزيد الضغط على المدن. وفي المقابل، تشير الحكومة ومؤسسات اقتصادية إلى أن المهاجرين يمثلون جزءاً من القوة العاملة والطلب الاقتصادي، بما يجعل تحويل أزمة السكن إلى قضية هجرة فقط تبسيطاً لمشكلة تتداخل فيها عوامل البناء والديمغرافيا والاستثمار والسياحة والتوزيع الجغرافي للوظائف.
حكومة أنفقت أكثر.. لكن السوق لم يتغير بالسرعة المطلوبة
كما أعلنت الحكومة أنها حركت أكثر من 120 ألف مسكن للإيجار الميسور، وأن الربع الأول من 2026 شهد إطلاق مناقصات لبناء 2800 مسكن جديد، وهو ما قدمه سانشيز باعتباره أعلى مستوى من المناقصات العمومية في قطاع السكن منذ 18 عاماً. لكن المشكلة السياسية تكمن في أن الأرقام الحكومية، مهما كانت كبيرة، لا تتطابق بعد مع حجم الفجوة التي حددها بنك إسبانيا، والتي تصل إلى مئات الآلاف من الوحدات.
بلغت الأزمة نقطة سياسية حاسمة في الثاني من أكتوبر، عندما رفض مجلس النواب مرسومين حكوميين يتعلقان بالسكن، بعدما صوت حزب الشعب وفوكس وجونتس ضد التدابير. وكان أحد النصين يتضمن إجراءات لحماية المستأجرين والفئات الهشة، وتنظيم وضعية كبار ملاك العقارات، وتدابير مرتبطة بالإخلاءات، إلى جانب حوافز وضوابط ضريبية، بينما استهدف المرسوم الثاني تعزيز استقرار عقود الإيجار.
وقبل التصويت، حاول سانشيز تحويل المعركة إلى اختبار سياسي للأحزاب، داعياً النواب إلى تحديد موقفهم من الإجراءات التي اعتبرها استجابة لمطلب اجتماعي واضح، بينما اتهمت الحكومة خصومها بتعطيل إجراءات تستهدف حماية المستأجرين؛ لكن المعارضة قدمت بدورها الأزمة من زاوية مختلفة، مركزة على أن معالجة السكن تتطلب زيادة كبيرة في البناء وتحرير مزيد من العرض، وليس فقط تنظيم الإيجارات وحماية المستأجرين.
من أزمة اجتماعية إلى ورقة انتخابية
وهنا يتحول السكن إلى قضية سياسية ذات طبيعة مختلفة عن الملفات التقليدية، لأنه لا يحتاج إلى شرح أيديولوجي طويل حتى يشعر المواطن بتأثيره. الناخب الذي يدفع نصف دخله تقريباً للإيجار، أو شاب لا يستطيع مغادرة منزل أسرته، أو أسرة مهددة بفقدان مسكنها، لا يتعامل مع السكن باعتباره برنامجاً حكومياً مجرداً، وإنما باعتباره اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على توفير شروط حياة طبيعية.
أما فوكس، فمن المرجح أن يربط القضية، كما فعل في ملفات اجتماعية أخرى، بالهجرة والسياحة والضغط على الخدمات العامة، بينما سيجد اليسار الراديكالي والنقابات وجمعيات المستأجرين في الأزمة مناسبة لتأكيد أن السوق وحده لا يستطيع ضمان الحق في السكن. وبين هذه المواقف المتباينة، سيصبح سؤال من يتحمل مسؤولية الأزمة أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصاً أن المشكلة الحالية هي نتيجة تراكم طويل يتجاوز ولاية حكومة واحدة.
وهذا ما يجعل أزمة السكن أكثر خطورة سياسياً من احتجاجات مرتبطة بقرار حكومي منفرد؛ فهي تمتلك القدرة على تجميع فئات اجتماعية مختلفة حول تجربة واحدة. وقد شهدت مدريد خلال الأيام الأخيرة اعتصامات واحتجاجات، فيما جاء الحراك الشعبي في أعقاب إخلاء امرأة تبلغ 87 عاماً من مسكن عاشت فيه لعقود، وهي الواقعة التي تحولت إلى رمز سياسي للحركة الاحتجاجية الحالية.
الخطر على اليسار ليس السكن وحده
بالنسبة إلى سانشيز وحزبه، لا تأتي أزمة السكن في فراغ سياسي. فالحكومة تواجه أصلاً صعوبات في البرلمان، كما تحيط بها ملفات سياسية وقضايا فساد واستقطاب داخلي، الأمر الذي يجعل السكن فرصة لإعادة تعريف المعركة السياسية حول قضية اجتماعية ملموسة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطرة إذا فشل الناخب في رؤية نتائج ملموسة للسياسات الحكومية. وقد اعتبرت تحليلات رويترز أن السكن يوفر لسانشيز فرصة لإعادة تعبئة القاعدة التقدمية وصرف جزء من النقاش عن ملفات أخرى أكثر إضراراً سياسياً بحكومته.
وبذلك يصبح السكن اختباراً لسياسات اليسار واليمين معاً، وليس ورقة سهلة لأي طرف. فالحكومة مطالبة بإثبات أن التنظيم والدعم العمومي يمكن أن يغيرا واقع السوق، والمعارضة مطالبة بإثبات أن زيادة العرض والحوافز الاقتصادية قادرة فعلاً على جعل السكن أكثر قابلية للتحمل بالنسبة إلى الطبقة الوسطى والشباب.
ولهذا فإن المعركة السياسية التي بدأت حول الإيجارات يمكن أن تتحول إلى نقاش أوسع حول النموذج الاقتصادي الإسباني نفسه؛ حول مدى الاعتماد على السياحة والعقار، وحول قدرة المدن على استيعاب النمو السكاني، وحول العلاقة بين الاستثمار الأجنبي والسكن المحلي، وحول حدود السوق عندما يتعلق الأمر بسلعة لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
المعركة المقبلة ستكون حول سؤال واحد
مع الدعوة إلى انتخابات 29 نونبر، دخلت إسبانيا مرحلة جديدة لن يكون فيها السكن مجرد بند في البرامج الانتخابية، بل سيكون أحد المحاور التي ستدور حولها معركة تعريف الدولة ودورها الاجتماعي. فاليسار يريد أن يجعل من الحق في السكن جزءاً من مشروع حماية اجتماعية أوسع، بينما يدفع اليمين باتجاه زيادة البناء وتحرير العرض وتخفيف الأعباء الضريبية، في حين تضيف القوى اليمينية المتشددة ملفات الهجرة والسياحة إلى تفسيرها لأزمة السكن.
فحتى لو اتفقت القوى السياسية على أن أزمة السكن حقيقية، فإن حلها يتطلب سنوات من البناء والاستثمار وتوفير الأراضي وتسريع التراخيص وتوسيع السكن العمومي وإعادة تنظيم العلاقة بين الإيجار السياحي والسكن الدائم. وفي المقابل، فإن ملايين المستأجرين لا يستطيعون الانتظار سنوات حتى تظهر نتائج الإصلاحات الهيكلية.
وفي النهاية، قد تكون أهم دلالة في الأزمة أن السكن لم يعد قضية تخص الفئات الأكثر هشاشة وحدها؛ لقد أصبح قضية الطبقة الوسطى، والشباب، والأسر العاملة، والطلاب، والمهاجرين، والبلديات، والمستثمرين، وحتى الحكومة نفسها. وعندما تصبح قدرة المواطن على الاستقرار في المدينة التي يعمل فيها مرتبطة بمواجهة يومية مع سوق العقار، فإن الأزمة لا تعود أزمة عقارات، بل تتحول إلى أزمة في الوعد الاجتماعي للدولة.
أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أزمة السكن تستعر في إسبانيا حين يتحول البيت إلى معركة سياسية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أزمة السكن تستعر في إسبانيا حين يتحول البيت إلى معركة سياسية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية.
في الموقع ايضا :
- عاحل / الطيران يدمير منصة إطلاق ومخزن للصواريخ الباليستية في صنعاء وصعدة عقب إطلاق صاروخ باليستي حوثي باتجاه لحج
- عاجل: العميد سريع: نحذر شركات الطيران العالمية من استمرار رحلاتها في أجواء السعودية لأنها أصبحت مسرحا لعملياتنا إلا أجواء مكة والمدينة
- قانون البنك المركزى يواجه غش الائتمان بعقوبات تصل لمليون جنيه