ويكتسب هذا الخطاب أهمية إضافية من ظرفيته الدستورية، إذ يتزامن مع افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، وفق الموعد المعلن رسميا بموجب الفصل الخامس والستين من الدستور؛ لكن القيمة السياسية للنص تكمن في طبيعة الأسئلة التي يطرحها، بصورة مباشرة أو ضمنية، بشأن قدرة النموذج التنموي والمؤسساتي على الانتقال من مرحلة إطلاق الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى مرحلة إنتاج نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
إننا أمام تصور جديد يسعى إلى الانتقال من دولة الإنجاز التي تُقاس فعاليتها بالمشاريع والاستثمارات والبنيات التحتية إلى دولة الأثر التي تُقاس فعاليتها بقدرتها على تحسين شروط العيش وتقليص الفوارق وتوفير الفرص وحماية استقلالية القرار الوطني؛ وهو أكبر تحدٍّ للمرحلة المقبلة.
الوطنية كمسؤولية تاريخية
من أكثر المقاطع دلالة في الخطاب استحضار الملك لعبارته التي قالها سنة 2014 عن اعتزازه بمغربيته، ثم الانتقال من الحديث عن عراقة الدولة وخصوصية الهوية إلى تعريف جديد للانتماء الوطني بوصفه مسؤولية وواجبا.
إن الوطنية الشعورية تتجلى في الاعتزاز بالتاريخ والرموز والانتماء؛ بينما تتجلى الوطنية العملية في الالتزام بالصالح العام وتحمّل المسؤولية والمساهمة في التنمية واحترام المؤسسات وربط الاعتزاز بالوطن بما يقدم له الفرد والمؤسسة من عمل. يمكن النظر إلى هذا التحول باعتباره محاولة لتجاوز الاستخدام الاحتفالي للهوية الوطنية نحو توظيفها بوصفها طاقة للتعبئة الجماعية.
يشكل المحور الاقتصادي أحد أكثر أجزاء الخطاب انفتاحا على التحولات الجيوسياسية والجيو- اقتصادية التي يعرفها العالم. يضع الملك، إلى جانب تسريع مشاريع البنيات التحتية، جيلا جديدا من الاستراتيجيات الكبرى؛ يشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاحتياطات الاستراتيجية.
إن الانتقال من التركيز على النمو إلى الاهتمام بالمرونة الاستراتيجية يعني أن الاقتصاد لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره مصدرا للثروة، وإنما باعتباره أيضا إحدى ركائز الأمن الوطني.
الأمن المائي والغذائي والطاقي.. المثلث الجديد للسيادة
فقد تؤدي بعض الخيارات الزراعية إلى زيادة الضغط على الموارد المائية، وقد تتطلب بعض المشاريع الصناعية استثمارات طاقية ومائية كبيرة. ولذلك، فإن تحقيق الأمن الاستراتيجي يتم عبر تجميع السياسات القطاعية؛ وهو ما يستلزم تنسيقا يوازن بين كلفة الإنتاج وحماية الموارد، والإنصاف الاجتماعي والاستدامة البيئية.
إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجيات الكبرى يعكس وعيا ملكيا بأن التنافس الاقتصادي المقبل لن يتحدد بالبنيات المادية وحدها؛ بل كذلك بالبيانات والمعرفة والقدرات الحاسوبية والكفاءات البشرية.
إن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى صلب الرؤية التنموية يقتضي منظومة متكاملة تشمل الجامعة، والبحث العلمي، والتمويل، والتكوين، والبنية الرقمية، وحوكمة البيانات. والاختبار لن يكون في عدد المبادرات المعلنة؛ بل في قدرتها على خلق قيمة مضافة وطنية وتوفير وظائف تتطلب مهارات مرتفعة. بهذا المعنى، يمكن قراءة المحور الاقتصادي باعتباره دعوة إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، لا مجرد اقتصاد أسرع نموا.
القطاع الخاص ومنطق تحمل المسؤولية التنموية
لقد اضطلعت الدولة المغربية بدور محوري في إطلاق المشاريع الكبرى، وإرساء التجهيزات الأساسية، وتهيئة شروط الاستثمار.. غير أن الخطاب يثير، بصورة ضمنية، إشكالية مدى قدرة القطاع الخاص على تحويل هذه الشروط إلى دينامية اقتصادية مستقلة ومنتجة. ويصبح الاستثمار الخاص شريكا في تحمل المخاطر وتطوير التكنولوجيا وتوسيع الصادرات وإحداث فرص العمل والمساهمة في تقليص التفاوتات.
يمثل إدراج قضايا الشباب ضمن أولويات السياسات العمومية أحد المحاور ذات الدلالة السياسية والاجتماعية القوية؛ فالخطاب الملكي لا يتحدث عن الشباب من زاوية التشغيل فقط، بل يربط قضاياهم بالتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص والثقة في المؤسسات وإمكانات الارتقاء الاجتماعي. وهذا الربط بالغ الأهمية؛ فالأزمة التي تواجهها فئات واسعة من الشباب تتسع لتشمل الشعور بانسداد الأفق وضعف الثقة في تكافؤ الفرص وتراجع القدرة على تحويل التحصيل الدراسي والجهد الفردي إلى تقدم اجتماعي. وبذلك، يمكن فهم الاهتمام بالشباب باعتباره اهتماما بمستقبل العلاقة بين المواطن والمؤسسة. فحين يشعر الشاب بأن التعليم لا يفتح أمامه فرصا متكافئة، وأن الكفاءة لا تكفي للارتقاء، وأن المجال الاجتماعي أو الجغرافي الذي ينتمي إليه يحدد مسبقا حدود طموحه، فإن الأمر يصبح مشكلة ثقة.
الجهوية واللاتمركز الإداري.. من نقد التأخر إلى مساءلة بنية القرار
إذا كان المحور الاقتصادي يرسم أفق المغرب الذي يُراد بناؤه، فإن محور الجهوية واللاتمركز الإداري يطرح سؤالا أكثر حساسية. ويمكن اعتبار هذا المحور أحد أكثر مقاطع الخطاب الملكي وضوحا في تشخيص العوائق التي تحول دون تحويل الاختيارات الاستراتيجية إلى نتائج ميدانية.
وهنا، تكتسب اللغة المستخدمة دلالة سياسية؛ فالحديث عن عدم قبول مزيد من التأخير لا يتعلق بضرورة الإسراع الإداري فحسب، بل يفيد بأن المشكلة لم تعد محصورة في وضع التصورات أو إصدار النصوص، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى تطبيقها.
والتمييز بين المفهومين ضروري، لأن نقل بعض مهام الدولة إلى مصالحها الترابية لا يعادل بالضرورة منح الجهات المنتخبة سلطة تقريرية أوسع؛ فالبعد الأساسي الذي يطرحه الخطاب هو تطوير قدرة المؤسسات الجهوية المنتخبة على صناعة القرار التنموي داخل حدود اختصاصاتها.
إعادة صياغة معنى التنمية
من المفاتيح الأساسية لقراءة الخطاب الملكي اقتران النمو الاقتصادي بتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. يكشف هذا الاقتران توترا جوهريا في السياسات التنموية: كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي متسارع دون أن تتسع معه الفجوات الاجتماعية أو الترابية؟
وبالمثل، فإن الاستثمار في المناطق الأقل تجهيزا ليس مجرد تعويض عن الحرمان؛ بل يمكن أن يشكل وسيلة لإطلاق طاقات اقتصادية معطلة. غير أن هذا الطموح يظل مرتبطا بسؤال توزيع الثروة الناتجة عن النمو.
ومن هنا، فإن الانتقال إلى دولة الأثر -حسب البعد الاستراتيجي للخطاب الملكي- يقتضي أن تصبح المؤشرات الاجتماعية والمجالية جزءا أساسيا من تقييم النجاح الاقتصادي، لا مجرد نتائج جانبية له.
رفض اختزال الشراكة في التزامات غير متوازنة أو في علاقة تتعرض للضغط السياسي المتبادل. ويمكن فهم هذا الموقف باعتباره مطالبة بإعادة النظر في قواعد التعاون، وليس بالضرورة إعلانا عن التخلي عنه.
الشراكة كعلاقة تفاوض لا علاقة تبعية
يكتسب الإعلان عن إعداد وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية للتعاون دلالة مهمة. فإذا أخذناه في سياق بنية الخطاب الملكي، فإنه يعكس توجها إلى الانتقال من معالجة الأزمات المنفردة إلى بلورة إطار تفاوضي أشمل ينظم المصالح والأولويات والالتزامات. ومن المهم هنا عدم الخلط بين التأكيد على الاستقلالية السيادية في القرار وبين الاستغناء عن الشراكات الدولية.
يختتم الخطاب الملكي بالتوجه المباشر إلى البرلمانيين، وتذكيرهم بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين. إن الانتخاب يمنح الممثل البرلماني شرعية دستورية وسياسية؛ لكنه لا يعفيه من واجب تقديم الحصيلة والخضوع للمساءلة.
إن استحضار المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ يضفي على الوظيفة البرلمانية بعدا أخلاقيا واضحا. فالبرلمان لا يؤدي وظائفه اعتمادا على الضمير الفردي وحده؛ بل من خلال آليات التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، وتتبع تنفيذ الميزانيات، وإتاحة المعلومة والنقاش العمومي.
يمكن أن يتحقق ذلك من خلال تعزيز جودة العمل التشريعي، وتطوير لجان التقييم والمراقبة، وربط الأسئلة البرلمانية بالنتائج الفعلية، وتوسيع النقاش العمومي حول السياسات الكبرى. كما أن الالتزام الأخلاقي بالتمثيل يقتضي ألا يختزل دور البرلماني في نقل المطالب المحلية أو الدفاع عن مصالح فئوية ضيقة، وإنما أن يشمل المساهمة في صياغة اختيارات وطنية تحقق الصالح العام. وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين الأغلبية والمعارضة جزءا من فعالية المؤسسة؛ لأن الاختلاف السياسي والرقابة والنقاش النقدي وظائف دستورية ضرورية لتجويد القرار العمومي.
ما الذي تقوله بنية الخطاب ولغته السياسية؟
يمكن للقراءة التحليلية أن تتجاوز الموضوعات المعلنة إلى دراسة طريقة بناء الخطاب الملكي نفسه. فترتيب محاوره ليس بلا دلالة، وإن كان تفسير هذا الترتيب يظل اجتهادا تحليليا لا تصريحا مباشرا من النص.
الاقتصاد: تحديد مصادر القوة المستقبلية وشروط السيادة والمرونة.
المجال: نقل النقاش إلى شروط التنفيذ وتوزيع الاختصاصات والموارد.
البرلمان: إسناد مسؤولية سياسية وأخلاقية إلى ممثلي المواطنين.
كما يمكن التوقف عند ثلاثة مستويات في لغته:
لغة الاستشراف: وتتجلى في الدعوة إلى استراتيجيات جديدة، وفي استحضار الذكاء الاصطناعي والاحتياطات الاستراتيجية والأمن الاقتصادي، بما يجعل المستقبل والقدرة على توقع مخاطره جزءا من النقاش التنموي.
والجمع بين هذه المستويات يمنح النص طابعا مركبا؛ فهو يجمع بين تثبيت الاستمرارية، وتحديد آفاق جديدة، وتوجيه انتباه المؤسسات إلى الاختلالات العملية.
1ـ فجوة التنفيذ
يحدد الخطاب الملكي اتجاهات استراتيجية واضحة؛ لكنه يضع مسؤولية ترجمتها على مؤسسات متعددة. وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد الأولويات التنفيذية والآجال والموارد والمسؤوليات.
تحتاج مشاريع الأمن المائي والطاقي والغذائي والتصنيع والرقمنة وتطوير الخدمات العمومية إلى استثمارات كبيرة. ويطرح ذلك مسألة التوازن بين تعبئة الموارد والقدرة على الحفاظ على استدامة المالية العمومية، خصوصا عندما تتزاحم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
3ـ إعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات
من الصعب مساءلة الفاعلين الترابيين عن نتائج لا يملكون الوسائل اللازمة لتحقيقها. ولذلك، فإن وضوح المسؤوليات يظل شرطا مركزيا لإنجاح الجهوية. ويقتضي هذا الوضوح تحديد من يقرر، ومن يمول، ومن ينفذ، ومن يراقب، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق.
والانتقال إلى دولة الأثر يقتضي إتاحة المعلومات والبيانات، وتمكين المواطنين من مناقشة النتائج، لا الاكتفاء بتلقي حصيلة المشاريع.
5ـ التوفيق بين الاستراتيجيات القطاعية
إن التوسع الصناعي يحتاج إلى موارد ومهارات، والتحول الطاقي يتطلب استثمارات، والأمن المائي يفرض قيودا على بعض الأنشطة؛ بينما تستدعي العدالة الاجتماعية توسيع الإنفاق على الخدمات. ومن ثم، فإن جودة القرار العمومي ستتحدد أيضا بقدرته على إدارة المفاضلات بين الأهداف المختلفة.
فالدولة مطالبة بتوفير الرؤية الاستراتيجية وشروط السيادة الاقتصادية والمؤسساتية. والحكومة والإدارة مطالبتان بتحويل هذه الرؤية إلى برامج قابلة للتنفيذ، والجهات مطالبة بالقيام بدور أكبر في التنمية الترابية. والقطاع الخاص مدعو إلى الاستثمار المنتج والابتكار والتشغيل. والبرلمان مطالب بالتشريع والمراقبة والتقييم. أما المواطنون، وخاصة الشباب، فينبغي أن يجدوا في هذه المنظومة فرصا فعلية للمشاركة والاستفادة.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه القراءة أن الخطاب الملكي لا يطرح فقط سؤال ما ينبغي فعله؛ بل يثير أيضا سؤال من سيفعله، وبأية صلاحيات، وبأية موارد، وتحت أية رقابة.
كيف نقيس التحول الذي يدعو إليه الخطاب الملكي؟
إن القراءة المتأنية للخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان في افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة تكشف عن مجموعة من التحولات في تصور أولويات المرحلة المقبلة؛ فالقوة الاقتصادية لم تعد منفصلة عن الأمن الاستراتيجي، والانتماء الوطني أصبح مقترنا بمسؤولية العمل، والنمو لا ينفصل عن العدالة، والشباب يُنظر إليهم بوصفهم جزءا من مستقبل الثقة في المؤسسات، والجهوية شرطا لتحويل السياسات إلى نتائج ملموسة.
إن الخيط الذي يصل بين هذه المحاور جميعا هو مسألة الفعالية المؤسسية؛ فالمغرب الذي يتطلع إلى تعزيز مكانته الاقتصادية والاستراتيجية يحتاج، وفق المنطق الذي يمكن استخلاصه من الخطاب الملكي، إلى مؤسسات قادرة على مواكبة هذا الطموح، وإلى إدارة تستطيع تحويل القرارات إلى خدمات، وإلى اقتصاد ينتج الفرص، وإلى جهات تمتلك القدرة على تدبير تنميتها، وإلى برلمان يمارس وظائفه في التشريع والمراقبة والتقييم.
يمكن تلخيص الرهان الكبير الذي يثيره الخطاب الملكي في الانتقال من سؤال: ماذا أنجز المغرب؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف ينعكس ما أنجزه المغرب على حياة المغاربة، وعلى قدرتهم على المشاركة في صناعة مستقبل بلدهم؟ ذلك هو الاختبار الذي تلتقي عنده السيادة بالتنمية، والعدالة بالنمو، والجهوية بالحكامة، والتمثيل السياسي بالمسؤولية. وتلك أيضا هي المسافة التي ينبغي أن تقطعها المؤسسات بين قوة الطموح وواقع الإنجاز.
التحولات السياسية للخطاب الملكي .. من دولة الإنجاز إلى دولة الأثر Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة التحولات السياسية للخطاب الملكي من دولة الإنجاز إلى دولة الأثر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ التحولات السياسية للخطاب الملكي من دولة الإنجاز إلى دولة الأثر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، التحولات السياسية للخطاب الملكي .. من دولة الإنجاز إلى دولة الأثر.
في الموقع ايضا :