لقد تغير موقع المغرب في معادلة الهجرة الدولية. فبعدما ظل لعقود بلدا مصدرا للهجرة نحو أوروبا، أصبح اليوم بلدا للاستقبال والإقامة والعبور، خصوصا بالنسبة إلى المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وقد عكس اعتماد الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء إرادة واضحة في التعامل مع هذه الظاهرة من منظور يتجاوز المقاربة الأمنية، من خلال تسوية الأوضاع الإدارية للمهاجرين، وتيسير اندماجهم، واحترام حقوقهم الأساسية. وبذلك، لم يعد المغرب يتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد تدفقات يتعين منعها، بل باعتبارها ظاهرة إنسانية واجتماعية واقتصادية تتطلب سياسات عمومية متكاملة.
لقد كشفت الأزمات المتكررة عن حدود هذا النموذج. فأحداث سبتة في ماي 2021، التي شهدت عبور آلاف الأشخاص، بينهم أطفال وقاصرون، أبرزت مدى ارتباط الهجرة بالسياقات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية. كما أعادت مأساة مليلية في يونيو 2022، وما خلفته من ضحايا، طرح أسئلة صعبة حول حدود المقاربة الأمنية وضرورة حماية الأرواح والحقوق. وتؤكد هذه الوقائع أن تدبير الحدود، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة شاملة تعالج أسباب الهجرة وتوفر مسارات قانونية للتنقل، وتوزع المسؤوليات بين الدول بصورة أكثر عدلا.
والحقيقة أن أوروبا نفسها تحتاج إلى الهجرة. فشيخوخة السكان ونقص اليد العاملة في عدد من القطاعات الحيوية، من الصحة والرعاية إلى الصناعة والهندسة والتكنولوجيا، يدفعان دولا أوروبية إلى البحث عن الكفاءات والعمالة المؤهلة. وقد أصبح استقطاب الأطباء والمهندسين والتقنيين وغيرهم جزءا من السياسات الرامية إلى الحفاظ على تنافسية الاقتصادات الأوروبية. وهنا يبرز تناقض ينبغي تجاوزه: كيف يمكن لدول أن تسعى إلى استقطاب الكفاءات من خارج حدودها، بينما تظل مقاربتها للهجرة محكومة أساسا بمنطق الحد من التدفقات، من دون تصور متكامل يضمن التنقل القانوني ويحفظ مصالح بلدان المنشأ؟
من هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الصيغ التقليدية للهجرة «الآمنة والمنظمة والمنتظمة» إلى ميثاق جديد أكثر إنصافا وتوازنا. فهذه المبادئ تظل ضرورية، لكنها لا تحقق أهدافها إذا اختُزل الأمن في مراقبة الحدود، والانتظام في ضبط المغادرة والعودة، والتنظيم في تقييد المسارات القانونية. إن الهجرة الآمنة تبدأ أيضا بتوفير بدائل قانونية، واحترام حقوق المهاجرين، ومحاربة استغلالهم، وتيسير التنقل المهني، وإقرار آليات واضحة لتقاسم المسؤولية. ولا يمكن أن تكون هذه الالتزامات فعالة إذا ظلت مسؤولية تنفيذها موزعة بصورة غير متكافئة بين الشركاء.
إن المغرب مؤهل لاقتراح هذا التحول، بالنظر إلى تجربته في تدبير الهجرة، وإلى موقعه الجغرافي وصلاته الاقتصادية والإنسانية بأوروبا، فضلا عن رصيد التعاون الذي راكمه مع شركائه. وتتيح الرؤية الاستراتيجية التي دعا الخطاب الملكي إلى بلورتها فرصة لتقديم مبادرة مغربية واضحة، تحدد المبادئ التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة، وتضع تصورا عمليا لشراكة أكثر توازنا. ولا ينبغي أن تظل هذه المبادرة في حدود المطالبة بتحسين شروط التعاون القائم، بل يتعين أن تستهدف إعادة تعريف أهدافه وآلياته، بما يجعل المصالح المغربية جزءا أصيلا من صياغة السياسات المشتركة، لا مجرد اعتبار يأتي بعد تحديد الأولويات الأوروبية.
لقد آن الأوان للانتقال من تدبير الحدود إلى تدبير المصالح المشتركة، ومن التعاون الذي تهيمن عليه الاعتبارات الأمنية إلى شراكة استراتيجية متوازنة. وهذا هو جوهر مبدأ الرابح-الرابح: أن تجد أوروبا في المغرب شريكا موثوقا، وأن يجد المغرب في علاقته بأوروبا إطارا يحترم سيادته ويستجيب لأولوياته التنموية والاقتصادية والإنسانية. أما استمرار النموذج الحالي، بما ينطوي عليه من اختلالات وأزمات متكررة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها. ومن ثم، فإن المبادرة المغربية نحو ميثاق جديد للهجرة ليست دعوة إلى الانكفاء أو إلى التخلي عن التعاون، بل خطوة نحو شراكة أكثر نضجا وإنصافا واستدامة، تليق بطبيعة العلاقات بين المغرب والاتحاد الأوروبي وبالتحديات التي تواجههما معا.
المغرب والاتحاد الأوروبي.. شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة المغرب والاتحاد الأوروبي شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المغرب والاتحاد الأوروبي شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المغرب والاتحاد الأوروبي.. شراكة الهجرة بين الاختلالات وآفاق الإنصاف.
في الموقع ايضا :
- مصر للطيران: تعليق جميع الرحلات المتجهة من مطاري القاهرة والإسكندرية إلى الرياض بسبب توقف العمليات التشغيلية بمطار خالد الدولي عاجل
- قوات الاحتلال تشن حملة مداهمات واعتقالات غالبيتهم أسرى محررين خلال اقتحام ضاحية شويكة شمال طولكرم عاجل
- الخارجية الأمريكية تدين الهجمات اليمنية الأخيرة على السعودية خاصة استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض وتدعو الى “وقف الهجمات فورا”