يمثل المجلس الوزاري المضيق المنعقد يوم 10 أكتوبر 2026 حول الشركات الأهلية مناسبة لطرح السؤال الأهم بشأن مستقبل هذا النموذج الاقتصادي في تونس: كيف يمكن الانتقال من تسريع إحداث الشركات وتبسيط إجراءاتها إلى بناء مؤسسات منتجة، قادرة على الاستمرار وخلق الثروة ومواطن الشغل؟
عبد الوهاب بن موسى *
لقد أعادت رئاسة الحكومة التأكيد على الدور الاقتصادي والاجتماعي المنتظر من الشركات الأهلية، باعتبارها آلية لتثمين الموارد المحلية والجهوية، ودعم التشغيل، وتوسيع مشاركة المواطنين في النشاط الاقتصادي. كما تناول المجلس سبل تطوير الحوكمة، وتعزيز المرافقة والتكوين، وتوجيه هذه الشركات نحو قطاعات وأسواق جديدة تتماشى مع توجهات مخطط التنمية 2026-2030.
غير أن أهمية هذه التوجهات لا تكمن في الأهداف المعلنة وحدها، بل في القدرة على تحويلها إلى نتائج اقتصادية ملموسة وقابلة للقياس.
من منطق الإحداث إلى منطق الإنتاج
يمثل تبسيط الإجراءات الإدارية ورقمنة التسجيل وتيسير النفاذ إلى التمويل خطوات ضرورية لتشجيع المبادرة الاقتصادية الجماعية. لكنها لا تكفي، بمفردها، لضمان نجاح المؤسسات الناشئة أو استمراريتها.
فإنشاء شركة يمثل بداية المسار، وليس نهايته. إذ يتطلب نجاحها وجود نشاط اقتصادي واضح، وسوق فعلية لتصريف المنتجات والخدمات، وموارد مالية ملائمة، وكفاءات قادرة على الإدارة والتصرف في المخاطر والتكاليف.
ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يقتصر تقييم تجربة الشركات الأهلية على عدد الشركات المحدثة أو عدد المشاركين فيها، بل يجب أن يشمل عدد الشركات التي دخلت فعليا مرحلة الإنتاج، ونسبة استمراريتها، ومواطن الشغل المستحدثة والمستقرة، وحجم القيمة الاقتصادية التي أضافتها إلى مناطق نشاطها.
إن الفارق بين شركة موجودة من الناحية القانونية ومؤسسة منتجة ومستدامة هو الفارق بين تحقيق هدف إداري وتحقيق هدف اقتصادي واجتماعي فعلي.
الحوكمة شرط للاستدامة
إن تطوير حوكمة الشركات الأهلية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تحسين للإجراءات أو توضيح للصلاحيات، بل باعتباره شرطا أساسيا لحماية الموارد وضمان حسن التصرف فيها. وتقتضي الحوكمة الفعالة تحديد المسؤوليات بوضوح، واعتماد قواعد شفافة في اتخاذ القرارات، وإرساء آليات للمراقبة والتقييم، وضمان تقديم المعلومات الضرورية للمشاركين، بما يساعد على الحد من تضارب المصالح وسوء التصرف.
كما تبرز أهمية الفصل بين المشاركة الجماعية في تحديد التوجهات الاستراتيجية وبين المسؤولية التنفيذية اليومية. فالعمل الجماعي لا يتعارض مع الكفاءة الإدارية، بل يحتاج إليها حتى تتحول القرارات المشتركة إلى برامج عمل واضحة ونتائج قابلة للمتابعة.
ولا يمكن بناء الثقة في هذا النموذج الاقتصادي إلا بقدرته على إثبات أن الموارد المتاحة تُدار بكفاءة، وأن القرارات تستند إلى معطيات موضوعية، وأن النتائج تخضع للتقييم والمساءلة.
التمويل وحده لا يصنع النجاح
يمثل النفاذ إلى التمويل أحد التحديات المهمة أمام الشركات الأهلية، لكنه لا ينفصل عن جودة المشاريع وقدرتها على تحقيق مداخيل تغطي تكاليفها وتضمن استمراريتها. فالمؤسسة التي لا تمتلك تصورا واضحا لسوقها أو تقديرا واقعيا لمصاريفها ومداخيلها قد تجد نفسها أمام صعوبات مالية حتى وإن تمكنت من الحصول على التمويل في مرحلة الانطلاق. لذلك، من الضروري أن تسبق المرافقة المالية أو ترافقها دراسات جدوى جدية، وتقديرات واقعية للطلب، وخطط واضحة للتسويق والتصرف، مع متابعة دورية للأداء الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل تطوير بنك للمشاريع المندمجة في سلاسل القيمة الاقتصادية خطوة عملية مهمة، شريطة ألا يتحول إلى مجرد قائمة من الأفكار العامة، بل أن يوفر مشاريع مدروسة تتضمن فرص السوق، والحاجيات التقنية، وكلفة الاستثمار، ومصادر التمويل الممكنة، وآفاق التشغيل.
كما يكتسي ربط الشركات الأهلية بالمؤسسات الاقتصادية القائمة، وبمسالك التوزيع والتسويق، أهمية خاصة لتمكينها من تجاوز محدودية الأسواق المحلية والانخراط في دورات إنتاج أكثر استقرارا.
من الدعم الإداري إلى بناء الكفاءات
إن تطوير برامج التكوين والمرافقة، من مرحلة إعداد المشروع إلى استغلاله، يمثل توجها ضروريا. لكن أثر هذه البرامج يظل مرتبطا بمدى استجابتها للاحتياجات الفعلية لكل نشاط اقتصادي. فإدارة مشروع فلاحي ليست مماثلة لإدارة مؤسسة سياحية أو صناعية أو خدماتية. كما أن المهارات المطلوبة في مرحلة التأسيس تختلف عن تلك اللازمة عند التوسع أو مواجهة صعوبات مالية أو تجارية. ومن ثم، ينبغي أن تتجاوز المرافقة تقديم المعلومات العامة حول الإجراءات، لتشمل التصرف المالي والمحاسبي، والتسويق، والتفاوض التجاري، والتحول الرقمي، وإدارة المخاطر، ومتابعة الأداء.
ويمكن كذلك الاستفادة من خبرات الجامعات ومراكز التكوين وهياكل الإحاطة بالمؤسسات، إلى جانب الخبرات المهنية المحلية، لبناء منظومة مرافقة متكاملة ترافق أصحاب المشاريع في مختلف مراحل تطورها. والغاية ليست تكوين أصحاب المبادرات فحسب، بل تمكينهم من الأدوات العملية التي تساعدهم على اتخاذ قرارات سليمة وتحويل أفكارهم إلى أنشطة اقتصادية قادرة على الاستمرار.
التنمية الجهوية تحتاج إلى مشاريع قابلة للحياة
تستمد الشركات الأهلية جزءا من أهميتها من قدرتها المفترضة على تثمين الموارد المتاحة في الجهات وتحويلها إلى فرص اقتصادية محلية. غير أن تحقيق هذا الهدف يستوجب تحديد المجالات التي تمتلك فيها كل منطقة مزايا فعلية، سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو الصناعات الغذائية أو السياحة البديلة أو الصناعات التقليدية أو الخدمات أو غيرها من الأنشطة. ولا يكفي أن تتوفر الموارد الطبيعية أو البشرية حتى يتحقق الاستثمار المنتج؛ إذ يتطلب الأمر بنية أساسية ملائمة، ونفاذا إلى الأسواق، وخدمات لوجستية، ومهارات تقنية، وقدرة على استيعاب متطلبات المنافسة.
ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين الشركات الأهلية والبرامج التنموية الجهوية، حتى لا تعمل المشاريع بصورة معزولة، بل تندمج ضمن منظومات إنتاج وتوزيع قادرة على خلق قيمة مضافة محلية.
كما ينبغي إيلاء عناية خاصة للشباب، ليس فقط من خلال تشجيعهم على تأسيس الشركات، بل أيضا عبر توفير فرص حقيقية لاكتساب الخبرة وتحمل المسؤولية والمشاركة في إدارة مشاريع منتجة.
مخطط 2026-2030: معيار النجاح هو النتائج
إن إدراج تطوير الشركات الأهلية ضمن توجهات مخطط التنمية 2026-2030 يطرح ضرورة اعتماد مؤشرات واضحة تسمح بمتابعة تقدم هذا النموذج وتقييم أثره الاقتصادي والاجتماعي.
ومن بين المؤشرات التي تستحق المتابعة: نسبة الشركات التي دخلت مرحلة النشاط الفعلي، ونسبة استمرارها، ومواطن الشغل المستحدثة، وحجم الاستثمارات المنجزة، ومعدل تطور المداخيل، وقدرة المشاريع على النفاذ إلى الأسواق، ومدى مساهمتها في تثمين الموارد المحلية.
كما أن نشر حصائل دورية واضحة من شأنه أن يعزز الثقة في التجربة، ويساعد على تحديد الصعوبات وتعديل السياسات العمومية على أساس النتائج الفعلية، لا على أساس عدد الإجراءات المتخذة وحده.
إن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في الاختيار بين تسريع إحداث الشركات الأهلية وتحسين حوكمتها؛ فالمساران متكاملان. وإنما يتمثل في ضمان أن يقود التوسع في الإحداث إلى توسع موازٍ في الإنتاج والاستثمار والتشغيل.
فنجاح الشركات الأهلية لن يُحسم بعدد الملفات التي تتم معالجتها أو الشركات التي يقع تسجيلها، بل بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية مستدامة، وتوفير مواطن شغل حقيقية، والمساهمة في تنمية الجهات.
فالمعيار الحقيقي لنجاح هذا النموذج ليس عدد الشركات التي تُبعث، بل عدد المؤسسات التي تنجح في الإنتاج والاستمرار وصناعة الثروة.
* إطار بنكي.
ظهرت المقالة تونس : المهم ليس عدد الشركات الأهلية التي تُبعث، بل تلك التي تنجح أولاً على أنباء تونس.
مشاهدة تونس المهم ليس عدد الشركات الأهلية التي ت بعث بل تلك التي تنجح
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تونس المهم ليس عدد الشركات الأهلية التي ت بعث بل تلك التي تنجح قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تونس : المهم ليس عدد الشركات الأهلية التي تُبعث، بل تلك التي تنجح.
في الموقع ايضا :
- Yemen’s attacks confuse the Riyadh economic forum… Phone alert reveals the security reality of Saudi Arabia
- Sounds of Explosions in Riyadh in Conjunction with Attacks Targeting Dammam Airport and Khamis Mushait
- الممثل الخاص لبوتين: هناك مشكلة يتجاهلها الجميع تكمن برغبة حكومة بريطانيا في حرب لا تنتهي في أوكرانيا