الملك وإعادة هندسة موازين القوة .. نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

«فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد». بهذه العبارة الحاسمة، التي وردت في الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض، في 20 أبريل 2016، جدّد جلالته التأكيد على مبدأ أصيل في السياسة الخارجية للمملكة، يتمثل في استقلال القرار الوطني ورفض إخضاع الخيارات السيادية لإرادة أي قوة خارجية. ولم يكن هذا الموقف تعبيرًا عن إرادة الابتعاد عن الحلفاء أو التنصل من الالتزامات، بل تأكيدًا لقاعدة استراتيجية مفادها أن متانة الشراكات لا تُقاس بدرجة التبعية السياسية، وإنما بقدرتها على استيعاب استقلال الاختيارات الوطنية واحترام المصالح السيادية المتبادلة.

إن الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز قراءة الأزمات بوصفها أحداثًا منفصلة، لتفتح المجال أمام فهم أعمق لما يمكن تسميته **إعادة هندسة موازين القوة**، لا بمعنى تغيير التراتبية الدولية للقوى، وإنما باعتبارها قدرة الدولة على تعديل الحسابات الاستراتيجية لشركائها، والتأثير في شروط العلاقة معهم، بما يجعل احترام مصالحها السيادية عنصرًا مؤثرًا في تقديرهم لكلفة الخلاف ومنافع التعاون. وفي هذا الأفق تبرز ملامح **عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية**، تتأسس على إدراك دقيق للفارق بين امتلاك الحق السيادي وامتلاك الموارد التي تحمي استقلال ممارسته.

وتسمح هذه التجارب باستقراء ملامح ما يمكن تسميته **عقيدة السيادة التفاوضية** في الدبلوماسية الملكية. والمقصود بها قدرة الدولة المغربية على تحديد المجال الذي تقبل داخله المساومة السياسية، والمجال الذي تعتبره مرتبطًا بمصالحها الأساسية، مع امتلاك المرونة اللازمة لتغيير الوسائل دون تغيير الغايات. وهي لا تعني رفض التفاوض أو استبعاد التسويات، وإنما تعني ألا يتحول تفاوت القوة إلى حق للطرف الأقوى في تحديد أولويات الطرف الآخر.

غير أن الموقع الجغرافي لا ينتج قوة تفاوضية تلقائيًا. فالقيمة الاستراتيجية للجغرافيا تتوقف على قدرة الدولة على تنظيمها وتحويلها إلى وظائف اقتصادية وأمنية ودبلوماسية يحتاج إليها الشركاء. وهنا تبرز أهمية السيادة الوظيفية الفعالة، باعتبارها قدرة الدولة على تحويل موقعها ومؤسساتها وبنيتها التحتية وشبكات علاقاتها إلى موارد فعلية للاستقلال السياسي.

وتبرز خصوصية الدبلوماسية الملكية في تقديرها الدقيق لما يحكم مواقف القوى الكبرى من مصالح وحسابات تتجاوز أحيانًا حدود الخلاف المعلن. فقد أبان تدبير جلالة الملك محمد السادس لعدد من الأزمات الدبلوماسية عن أهمية التحكم في إيقاع التوتر، وتحديد ما يمكن أن تتحمله العلاقة من ضغوط، دون إغلاق المنافذ السياسية التي تسمح بتجاوز الخلاف. وفي هذا التدبير، لا تنحصر أهمية التسوية في استئناف التواصل، وإنما تتصل بما قد تفضي إليه من مراجعة لدى الشريك لتقديراته بشأن المصالح المغربية. فالتأثير الدبلوماسي لا يتوقف على القدرة على انتزاع موقف فوري، بل قد يتحقق حين يدرك الطرف الأكثر نفوذًا أن استمرار الضغط ستكون له تبعات على مصالح يحرص هو نفسه على حمايتها.

وتقتضي دراسة هذه الأزمات مراعاة اختلاف السياقات التي نشأت فيها، وطبيعة المصالح التي كانت على المحك، وموقع كل شريك في الحسابات الاستراتيجية للمملكة. فالتوتر مع واشنطن لا يخضع بالضرورة للمنطق نفسه الذي حكم الخلاف مع مدريد أو باريس أو برلين أو ستوكهولم، وإن تقاطعت هذه الحالات حول قضايا تمس المصالح السيادية المغربية. كما أن تغير الحكومات، وتحول الأولويات الدولية، وتداخل الاعتبارات الداخلية مع الالتزامات الخارجية، عوامل تؤثر في نشوء الأزمات وفي فرص احتوائها. ومن هنا تأتي أهمية الوقوف عند كل تجربة في سياقها السياسي والاستراتيجي، وتتبع كيفية تدبيرها في ظل التوجيه الملكي، وما ترتب عليها من تحولات في مواقف الشركاء وشروط التعاون معهم، تمهيدًا لاستجلاء ما إذا كانت هذه الحالات، على اختلافها، تعكس نهجًا دبلوماسيًا تتجاوز دلالاته حدود كل أزمة على حدة.

وقد نشأت هذه الأزمة داخل شراكة مغربية أمريكية ذات امتدادات أمنية وعسكرية واستخباراتية واقتصادية عميقة. فمنذ سنة 2004 مُنح المغرب صفة حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي (Major Non-NATO Ally)، وتوقيع اتفاقية التبادل الحر في السنة نفسها، التي دخلت حيز التنفيذ سنة 2006 وجعلت المملكة أول بلد أفريقي يرتبط بالولايات المتحدة باتفاق من هذا النوع، اكتسبت العلاقة الثنائية مرتكزات مؤسساتية ومصالح استراتيجية متداخلة. وكانت واشنطن تنظر إلى المغرب بوصفه شريكًا مهمًا في مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي والاستقرار في شمال أفريقيا والساحل، فيما شكل التعاون مع الولايات المتحدة أحد المكونات الأساسية للسياسة الدفاعية والأمنية المغربية.

وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بالنظر إلى طبيعة القرار الأمريكي نفسه، الذي يتشكل عند تقاطع اعتبارات الإدارة والكونغرس والمؤسسات الأمنية والدبلوماسية وحسابات السياسة الدولية. ومن ثم، فإن التعامل مع واشنطن كان يقتضي تقدير موازين التأثير داخل منظومة القرار الأمريكي، والتحكم في مستوى الاعتراض بما يحول دون انتقال الخلاف من قضية محددة إلى أزمة شاملة في العلاقات الثنائية.

وتكشف هذه التجربة عن إحدى آليات التدبير الملكي للعلاقات غير المتكافئة، يمكن تأطيرها بمفهوم **الردع الدبلوماسي غير التصادمي**، القائم على إظهار حساسية المصالح السيادية للمملكة، مع المحافظة على المقومات التي تجعل استمرار الشراكة ذا قيمة استراتيجية للطرفين. فقد أتاح التمييز بين الاعتراض على قرار محدد والمحافظة على التحالف القائم توسيع هامش المناورة المغربية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وهنا تبرز **المرونة المرجعية** باعتبارها القدرة على تنويع أدوات التعامل مع الشريك، مع ثبات الموقف من القضية السيادية التي نشأ حولها الخلاف. ولم يكن المقصود من إدارة الأزمة تغيير ميزان القوة بين الرباط وواشنطن، وإنما التأثير في تقدير الطرف الأمريكي لتداعيات المقترح على علاقته بالمغرب.

غير أن الدلالة الاستراتيجية للتدبير الملكي للعلاقات المغربية الأمريكية لا تستقيم قراءتها في حدود أزمة المينورسو سنة 2013 وحدها، وإنما ضمن مسار دبلوماسي طويل النفس، استند إلى رؤية ملكية تستوعب طبيعة منظومة القرار الأمريكي، وتدرك التحولات التي تعيد تشكيل أولويات واشنطن وتحالفاتها الإقليمية. فقد حافظ جلالة الملك محمد السادس على المرتكزات الأساسية للشراكة مع الولايات المتحدة، مع العمل على تعزيز موقع المغرب داخل حساباتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما أتاح توسيع مجالات التقارب وتراكم عناصر الثقة والتأثير.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذا التطور باعتباره أحد أبرز تجليات **الاستشراف الاستراتيجي في الدبلوماسية الملكية**، حيث تلتقي استمرارية الثوابت السيادية مع القدرة على استيعاب تحولات النظام الإقليمي، واستثمار اللحظة الدبلوماسية الملائمة لنقل موقف قوة عظمى من دعم مقترح الحكم الذاتي إلى الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الصحراء.

وكان ميزان القوة العسكرية يميل بوضوح إلى إسبانيا، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. ولذلك، فإن استمرار التصعيد كان سيضع المغرب أمام تكلفة استراتيجية لا تتناسب مع القيمة الميدانية المباشرة للجزيرة. انتهت الأزمة بوساطة أمريكية قادها وزير الخارجية آنذاك كولن باول، وأعادت الوضع إلى ما كان عليه قبل يوليو 2002، دون تسوية الخلاف القانوني بشأن السيادة.

وتوضح المقارنة بين واشنطن ومدريد أن إدارة الأزمات لا تستند إلى أداة واحدة. ففي الحالة الأمريكية، كان المطلوب منع انتقال الخلاف السياسي إلى بنية التحالف، بينما تمثل التحدي الإسباني في منع توسع مواجهة عسكرية محدودة. وفي الحالتين، كان تقدير سقف التصعيد عنصرًا أساسيًا في القرار الدبلوماسي الملكي.

**فرنسا في عهد ماكرون — السيادة الزمنية ونهاية الشراكة القائمة على الامتياز التاريخي**

فخلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، تراكمت التوترات على خلفية تقليص التأشيرات، والاتهامات المرتبطة ببرنامج بيغاسوس التي نفاها المغرب، والتباينات حول موقف باريس من مغربية الصحراء، فضلاً عن التحولات التي شهدتها منطقة الساحل الأفريقي وجنوب الصحراء.

في هذه الظروف، لم يعد الإرث التاريخي لفرنسا كافيًا لضمان استمرار العلاقة وفق مرجعياتها السابقة. وأصبحت الشراكة مطالبة بالتكيف مع تطور المصالح المتبادلة ومع التحولات التي عرفها موقع كل طرف. وقد أظهر تدبير الأزمة أهمية **السيادة الزمنية** بوصفها قدرة على تحمل فترة من الجمود السياسي دون استعجال تسوية لا تعالج أسباب الخلاف الذي أصبح يتخذ آنذاك أشكالاً بنيوية. فالزمن، في العلاقات الدولية، ليس مجرد إطار تتحرك داخله الأحداث؛ إنه مورد تفاوضي تتفاوت قدرة الدول على استخدامه تبعًا لدرجة اعتمادها على شركائها وحجم البدائل المتاحة لها.

وفي يوليو 2024، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، وأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الإطار الذي تنظر من خلاله فرنسا إلى معالجة النزاع المفتعل. ثم أكد هذا الموقف خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.

ويمكن تأطير هذه الحالة بمفهوم **دبلوماسية تحويل الأزمات**، حيث لا تقتصر التسوية على استعادة الاتصالات، بل تتضمن تعديلاً في بعض القواعد السياسية التي تحكم العلاقة في حد ذاتها.

وتكشف التجربة الفرنسية عن تطور آخر يمكن وصفه **بإعادة تراتبية الشراكات**. فلم تعد العلاقات التاريخية تتمتع، بحكم قدمها وحده، بحصانة من المراجعة السياسية. وأصبح استمرار مكانة الشريك مرتبطًا بقدرته على التكيف مع المصالح الاستراتيجية المغربية.

تقدم الأزمة المغربية الإسبانية سنة 2021 نموذجًا مختلفًا في تدبير العلاقات الدولية، لأنها نشأت بين دولتين تتداخل مصالحهما إلى درجة تجعل الخلاف السياسي قابلاً للانتقال بسرعة إلى مجالات الأمن والاقتصاد والهجرة. فقد أدى استقبال السلطات الإسبانية زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، في ظروف اعتبرتها الرباط مخالفة لمقتضيات الثقة بين البلدين، إلى أزمة دبلوماسية حادة. ثم جاءت أحداث الهجرة غير النظامية في سبتة لتكشف عن هشاشة التوازن بين التعاون الأمني والخلاف السياسي، وعن التكلفة الإنسانية التي قد تترتب على اضطراب العلاقات الحدودية.

هذه الحقيقة تجسدت وظهرت في مسار استعادة العلاقات المغربية الإسبانية. في هذا الإطار، وفي مارس 2022، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لمعالجة النزاع حول الصحراء المغربية. ثم جاءت زيارته إلى الرباط في أبريل، ولقاؤه جلالة الملك محمد السادس، لتفتح مرحلة جديدة في العلاقات الثنائية.

هذا التحول الذي طرأ على الموقف الإسباني، وإن لم يرقَ إلى مستوى الاعتراف القانوني الصريح بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية، فقد شكّل انعطافة دبلوماسية واستراتيجية مهمة في مسار العلاقات المغربية الإسبانية، إذ نقل مدريد من موقع التحفظ التقليدي إلى الانخراط الفعلي في الدينامية الدولية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. غير أن هذا التقارب، على أهميته، لم يؤدِّ إلى تصفية مجمل الملفات الخلافية بين البلدين، ولا سيما القضايا المرتبطة بسبتة ومليلية وترسيم الحدود البحرية، التي ما تزال محكومة بحسابات تاريخية وقانونية وجيوسياسية مستقلة. وبذلك، فإن التحول الإسباني يعكس إعادة تموضع استراتيجية في ملف الصحراء، وليس تسوية شاملة لجميع القضايا السيادية العالقة بين الرباط ومدريد.

لقد كشفت الأزمة أن الجغرافيا قد تكون مصدرًا للقوة التفاوضية، لكنها تفرض في الوقت نفسه مسؤوليات متبادلة. فاستخدام الترابط الاقتصادي والأمني بصورة تؤدي إلى تعطيله قد يحفز الشريك على البحث عن بدائل تقلص أهمية العلاقة مستقبلاً.

وتكتسب هذه المقاربة عمقًا استراتيجيًا إضافيًا في ضوء التحولات البنيوية التي يشهدها المغرب، من تطوير البنيات التحتية المينائية واللوجستية، إلى توسيع شبكات الربط الأطلسي والطاقي، وترسيخ الحضور الاقتصادي للمملكة في العمق الأفريقي. وقد سبق أن تناولتُ هذه التحولات ضمن **عقيدة حزام الممرات (StraitBelt Doctrine)** التي عملتُ على صياغة مرتكزاتها النظرية وتطوير إطارها الجيوستراتيجي في دراسات منشورة، انطلاقًا من تصور يعتبر أن القوة المغربية في النظام الدولي المعاصر لم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على المجال الجغرافي، بل أيضًا بالقدرة على تنظيم التدفقات والتحكم في هندسة الترابط الاستراتيجي. ومن هذا المنظور، لا تقتصر أهمية المشاريع المغربية على وظائفها الاقتصادية واللوجستية، بل تمتد إلى قدرتها على تحويل الموقع الجغرافي إلى **سيادة وظيفية منتجة للنفوذ**، تجعل من المغرب فاعلاً مؤثرًا في إعادة تشكيل شبكات الاعتماد المتبادل بين أفريقيا وأوروبا والفضاء الأطلسي. وكلما تعززت قدرة المملكة على تأمين الممرات التجارية والطاقية واللوجستية، انتقل موقعها في الحسابات الأوروبية من مجرد شريك بحكم الجوار إلى **شريك تفرض أهميته الوظيفة الاستراتيجية التي يضطلع بها داخل هندسة التدفقات الدولية**. وعندئذ لا تعود الجغرافيا مجرد معطى ثابت، بل تصبح قدرة سياسية واقتصادية تتوقف قيمتها على كيفية استثمارها.

**ألمانيا والسويد — دبلوماسية إعادة التأسيس ومنع السوابق السياسية**

وكانت ألمانيا شريكًا مهمًا للمغرب في مجالات الصناعة والاستثمار والطاقات المتجددة والتعاون التنموي. هذه الأزمة لم تكن مجرد خلاف بين وزارتين للخارجية، لكنها مست علاقة ذات امتدادات اقتصادية ومؤسساتية واسعة. ويظهر في هذه التجربة مفهوم **الردع الدبلوماسي غير التصادمي** بصورة مختلفة عن الحالة الأمريكية. فقد اتخذ الاعتراض المغربي شكل إجراءات دبلوماسية واضحة، دون الانتقال إلى تفكيك المصالح الاقتصادية أو إغلاق إمكانية العودة إلى الحوار.

وقد تضمن هذا الإعلان بين البلدين إحداث حوار استراتيجي متعدد الأبعاد، وتأكيد الموقف الألماني الذي يعتبر المبادرة المغربية جهدًا جديًا وذا مصداقية وأساسًا جيدًا للتوصل إلى حل متوافق عليه في إطار الأمم المتحدة. وتبرز هنا دبلوماسية إعادة التأسيس، التي تختلف عن مجرد المصالحة الدبلوماسية. فاستعادة العلاقات تعيد تشغيل قنوات التعاون السابقة، أما إعادة التأسيس فتسعى إلى توفير إطار سياسي ومؤسساتي يساعد على معالجة أسباب التوتر والحد من احتمالات تكراره.

أما الأزمة مع السويد، فقد طرحت إشكالية مختلفة تتعلق بالتأثير في القرار قبل تحوله إلى التزام حكومي رسمي. ففي ديسمبر 2012، برز داخل البرلمان السويدي توجه يدعو إلى الاعتراف بالكيان الانفصالي في الصحراء المغربية. ومع وصول ائتلاف الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر إلى الحكم سنة 2014، اكتسب هذا التوجه زخمًا سياسيًا جديدًا، وارتفعت احتمالات انتقاله من المبادرة البرلمانية إلى مستوى القرار الحكومي، في سياق اتسم بميل الدبلوماسية السويدية إلى تبني مواقف أكثر استقلالية في بعض القضايا الدولية. وقد وضع هذا التطور العلاقات المغربية السويدية أمام اختبار دبلوماسي حساس، بالنظر إلى ما كان يمكن أن يترتب عن اعتراف محتمل من تداعيات على العلاقات الثنائية وعلى التوازنات السياسية داخل الفضاء الأوروبي.

وقد شملت التحركات المغربية اتصالات دبلوماسية وسياسية وبرلمانية، في سياق توتر امتد إلى بعض المصالح الاقتصادية. وفي يناير 2016، أعلنت الحكومة السويدية أنها لا تعتزم الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، مستندة إلى اعتبارات قانونية وسياسية وإلى دعم العملية الأممية.

وتبرز التجربة المغربية في تدبير الأزمة مع السويد الأهمية الحاسمة للاستباق في العمل الدبلوماسي، ذلك أن المواقف الدولية لا تتشكل حصرًا داخل دوائر القرار الحكومي. ففي كثير من الأحيان تتبلور في بيئات سياسية ومؤسساتية تتداخل فيها تأثيرات البرلمانات والأحزاب ومراكز التفكير واتجاهات الرأي العام وشبكات المصالح. وفي هذا السياق، تكتسب التوجيهات الملكية الواردة في خطاب 11 أكتوبر 2013 دلالة استراتيجية خاصة، حين أكد جلالة الملك محمد السادس ضرورة «الأخذ بزمام الأمور، واستباق الأحداث والتفاعل الإيجابي معها».

ومن ثم، فإن معرفة البنية الداخلية للدولة الشريكة تصبح جزءًا من القدرة الدبلوماسية، لأنها تسمح بتحديد مراكز التأثير والتمييز بين المواقف السياسية غير الملزمة والقرارات الحكومية ذات الآثار الدولية. وقد شهد الموقف السويدي تطورًا آخر في يناير 2026، حين أعلنت ستوكهولم دعمها الصريح للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسًا ذا مصداقية للمفاوضات في إطار قرار مجلس الأمن 2797، مع تأكيدها ضرورة التوصل إلى حل سياسي متوافق عليه يحترم مقتضيات القانون الدولي.

والقاسم المشترك بينهما هو محاولة التأثير في شروط العلاقة السياسية، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائج القرارات بعد صدورها.

**العقيدة الملكية لإدارة الأزمات — من الاستقلال الاستراتيجي الشبكي إلى السيادة الدبلوماسية المنتجة**

**أولى** هذه السمات هي السيادة التفاوضية، التي تجعل المصالح الأساسية للدولة مرجعية لتحديد حدود التفاوض، دون إلغاء الحاجة إلى التسويات الممكنة. وقد برزت بصورة خاصة في العلاقات مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا، حيث ارتبطت إعادة بناء الشراكات بتطور المواقف السياسية بشأن قضية الصحراء المغربية.

وتتصل **السمة الثالثة** بمفهوم **المرونة المرجعية**، الذي يفسر اختلاف أدوات التدبير بين واشنطن ومدريد وباريس وبرلين وستوكهولم. فثبات الأولويات لا يفرض تماثل الوسائل، بل يستوجب اختيار الأداة المناسبة لطبيعة الخلاف وموازين القوة وحدود الاعتماد المتبادل.

ويختلف هذا الاستقلال الاستراتيجي عن مفهوم الحياد التقليدي، إذ لا يستند إلى الوقوف على مسافة واحدة من مختلف القوى الدولية، بقدر ما يقوم على صون استقلالية القرار السيادي، وتنويع الشراكات، وتفادي الارتهان إلى قطب واحد في تدبير المصالح العليا للدولة. وقد تجلّت معالم هذا التوجه في الانفتاح الدبلوماسي الذي قاده جلالة الملك محمد السادس نحو قوى دولية وازنة، ولا سيما من خلال زيارتيه التاريخيتين إلى روسيا والصين سنة 2016، فضلاً عن تطوير العلاقات مع الهند باعتبارها قوة آسيوية صاعدة وفاعلاً متزايد التأثير في التوازنات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية الدولية.

ويجد **الاستقلال الاستراتيجي الشبكي** امتداده في بناء القدرات الوطنية التي تسند حرية القرار الخارجي، وهو توجه تكتسب أبعاده الاقتصادية والتنموية أهمية خاصة في ضوء التوجيهات الملكية الأخيرة. ذلك أن تنويع الشراكات الدولية لا يكفي وحده لتحصين استقلال القرار ما دامت سلاسل التوريد الحيوية والتجهيزات الاستراتيجية والتكنولوجيات الحساسة خاضعة لاعتماد مفرط على الخارج. ومن هنا تتحدد العلاقة بين **السيادة الدبلوماسية والسيادة الإنتاجية والتكنولوجية**، حيث تتحول القدرة الوطنية على الإنتاج والتمويل والابتكار إلى عنصر مؤثر في موازين التفاوض وفي قدرة الدولة على تحمل كلفة خياراتها السيادية.

وتظهر **السمة الخامسة** في هندسة **الاعتماد المتبادل**، التي تسمح بتحويل الموقع الجغرافي والشراكات الاقتصادية والأمنية إلى موارد تفاوضية. وقد كشفت العلاقات مع إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة أن أهمية المغرب بالنسبة لشركائه لا تتحدد بحجم اقتصاده وحده، وإنما أيضًا بالوظائف السيادية التي يؤديها في الأمن الإقليمي والربط التجاري والتعاون الاستخباراتي. ويمكن بلورة هذا التصور من خلال مفهوم **التموضع الوظيفي للدولة**، حيث تتحدد القيمة الجيوسياسية بقدرة الدولة على أداء وظائف يصعب تعويضها داخل منظومة إقليمية أو دولية معينة.

أما **السمة السادسة** فتتمثل في دبلوماسية تحويل الأزمات، التي تسعى إلى تجاوز منطق استعادة العلاقات نحو إعادة تنظيم بعض قواعدها السياسية والمؤسساتية. وقد ظهر ذلك في التحولات التي عرفتها العلاقات مع فرنسا وألمانيا وإسبانيا حتى السويد، بدرجات مختلفة.

وفي هذا السياق، تكتسب استمرارية التوجيه الملكي للسياسة الخارجية أهمية مؤسساتية. فهي توفر إطارًا زمنيًا يتجاوز تعاقب الحكومات والدورات الانتخابية، وتسمح بالمحافظة على أولويات استراتيجية مستقرة نسبيًا، مع تعديل وسائل التدبير بحسب تطور البيئة الدولية. غير أن استمرارية القرار تحتاج إلى قدرة مؤسساتية على استيعاب المعلومات وتقدير المخاطر وقياس النتائج. فالدبلوماسية المعاصرة لم تعد تقتصر على المفاوضات السياسية، بل أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والتكنولوجيا والأمن السيبراني والاتصالات الاستراتيجية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.

وتتحدد أهمية هذه الوقاية في قدرتها على تقليص الحاجة إلى استخدام أدوات الضغط، لا في تحويل العلاقات الدولية إلى فضاء خالٍ من الخلافات. فالتنافس بين الدول سيظل قائمًا ما دامت مصالحها غير متطابقة، لكن جودة التدبير الدبلوماسي تظهر في الحد من احتمالات تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

ولا تسمح هذه النتائج باعتبار جميع الأزمات متشابهة، أو رد مآلاتها إلى إرادة طرف واحد. لكنها تقدم مادة كافية لفهم كيفية سعي المغرب إلى توسيع هامش قراره داخل علاقات غير متكافئة، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وشراكاته الأمنية والاقتصادية واستمرارية توجهه الاستراتيجي.

إن استقراء مسار الدبلوماسية الملكية في عهد جلالة الملك محمد السادس يتيح فهم التحول الذي عرفته إدارة المغرب لعلاقاته مع القوى الكبرى؛ من احتواء الأزمات إلى إعادة التفاوض بشأن المرجعيات السياسية والاستراتيجية التي تحكم تلك العلاقات. وقد أظهرت التجارب المدروسة أن تفاوت الإمكانات لا يفرض بالضرورة الخضوع لإرادة الطرف الأقوى، متى امتلكت الدولة القدرة على تقدير موازين المصالح، وضبط كلفة الاختلاف، والمحافظة على بدائلها الاستراتيجية.

وتفضي هذه التجربة إلى قاعدة دبلوماسية مفادها أن السيادة تمنح الدولة حق القرار، بينما تمنحها القوة الاستراتيجية القدرة على حماية استقلاله؛ وأن فعالية الدبلوماسية تتحدد بمدى نجاحها في جعل احترام المصالح السيادية للدولة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية لشركائها.

فالدولة لا تعيد هندسة موازين القوة حين تغيّر حجم القوى المتقابلة، بل حين تنجح في تغيير حساباتها تجاه مصالحها. وتلك هي المسافة بين امتلاك السيادة وامتلاك القدرة على صون استقلال القرار السيادي.

الملك وإعادة هندسة موازين القوة .. نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة الملك وإعادة هندسة موازين القوة نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الملك وإعادة هندسة موازين القوة نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الملك وإعادة هندسة موازين القوة .. نحو عقيدة مغربية للسيادة الاستراتيجية.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار