استيقظ الملك الإسباني فيليبي السادس صباح أمس الأربعاء 14 أكتوبر 2026 في سبتة، بعدما كان ليلتها أول ملك إسباني في التاريخ المعاصر يبيت فوق أرض المدينة المحتلة، ثم غادرها متجها إلى مليلية، ليكمل في أقل من ثمان وأربعين ساعة أكثر الجولات الملكية الإسبانية حمولة بالرموز في الثغرين منذ عقود.
وإذا كان المبيت في سبتة هو التفصيل الذي استوقفني في مقال الأمس، فإن ما جرى في مليلية جعل الصورة أشد استفزازا، إذ لم يكن الأمر مجرّد زيارتين بروتوكوليتين متتاليتين، بقدر ما كان بناء مشهد سياسي متكامل، أرادت الدولة الإسبانية من خلاله أن تقول، بكل الأدوات المتاحة لها، إن وجودها في المدينتين ليس استثنائيا ولا مؤقتا ولا قابلا للنقاش.
في مليلية، استقبلت المدينة الملك والملكة بأعلام إسبانية وصور ضخمة لهما، واحتشد المئات وهم يرددون شعار “لن نرحل من سبتة ومليلية”. ثم دخل فيليبي السادس مقر المؤسسات المحلية، واجتمع بالسلطات المدنية والعسكرية، قبل أن يسلمه رئيس المدينة خوان خوسي إمبرودا المفتاح الذهبي لمدينة مليلية، باعتباره رمزا للترحيب والوفاء والالتزام المتبادل بين المدينة والتاج الإسباني.
بعد ذلك وقّع الملك وزوجته في السجل الشرفي للمدينة، وانتقلا إلى زيارة مدرسة عمومية، قبل أن تختتم الزيارة بلقاء موسع مع نحو أربعمائة شخص من ممثلي المؤسسات والقوات المسلحة والشرطة والجامعة والقطاعات الاقتصادية والنقابية والدينية والمدنية.
لم تتردّد وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” في القول إن الرحلة تهدف، إلى جانب دعم سكان المدينتين، إلى “تطبيع” حضور الملك فيهما. فالزيارة السابقة للملك خوان كارلوس عام 2007 بقيت حدثا استثنائيا أحدث أزمة مع المغرب وانتهى. أما رحلة فيليبي السادس فتبدو، في جزء من فلسفتها، محاولة لكسر هذه الاستثنائية نفسها، أي الانتقال من زيارة تحتاج إلى قرار سياسي ثقيل كل عشرين سنة، إلى تصور يعتبر حضور رأس الدولة في سبتة ومليلية أمرا طبيعيا لا يحتاج إلى تبرير خاص.
وفي خطابه الختامي بمليلية المحتلة، قال الملك إن “إسبانيا تبدأ هنا”، وأضاف أن الاتحاد الأوروبي نفسه يبدأ من مليلية، وهو بذلك لا يقدم درسا في الجغرافيا المؤسساتية للاتحاد، بل يرفع مستوى الضمان السياسي الذي يريد إحاطة المدينتين به. والأكثر إثارة أن فيليبي السادس وضع هذه اللغة الصلبة جنبا إلى جنب مع خطاب موجه مباشرة إلى المغرب.
ففي الجملة نفسها تقريبا التي جعل فيها مليلية بداية لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، تحدث عن المكان الذي “تتلامس فيه إفريقيا وأوروبا”، وعن مملكتين مطلوب منهما الحفاظ على علاقة جوار بناءة تقوم على السلام والأمن والاستقرار والتعاون، ثم أضاف أن ذلك يتطلب “الثقة والمسؤولية القائمتين على حسن النية”.
إسبانيا تريد من المغرب إثبات “حسن النية” والتعاون في الهجرة والأمن والاستقرار، لكنها تريد منه في الوقت نفسه أن يتعامل مع وجود ملكها في سبتة ومليلية وكأنه شأن داخلي لا يعنيه. تريد حدودا هادئة يحرسها الجيش المغربي من الجنوب، ثم تريد أن تقدم هذه الحدود نفسها إلى أوروبا باعتبارها خطا سياديا نهائيا لا مجال حتى لفتح النقاش حوله.
كان بالإمكان ربط زيارة الملك الإسباني لمدينة سبتة بأحداث 30 و31 يوليوز، وبالحاجة الإسبانية إلى ترميم شعور السكان بالأمن بعد دخول عشرات الآلاف من المهاجرين في ظرف قصير. لكن مليلية لم تعرف أزمة بذلك الحجم نفسه. ومع ذلك، أصر القصر الإسباني على أن تكون جزءا من الجولة، وببرنامج لا يقل رمزية عن برنامج سبتة.
يعني ذلك أن أحداث يوليوز كانت ذريعة سرّعت الزيارة ومنحتها زخما إضافيا، لكنها ليست التفسير الوحيد لها. بل إن طريقة استقبال الملك في مليلية تكشف أن السلطات المحلية فهمت بدورها الزيارة في هذا الاتجاه. رئيس حكومة المدينة إمبرودا ظل قبل الزيارة يطالب بمزيد من حضور الدولة، ويؤكد أن المدينة ليست جزءا إسبانيا، “بل هي إسبانيا”.
في المقابل، حافظ المغرب الرسمي على الصمت نفسه الذي بدأ به الرحلة. لا استدعاء للسفير، ولا بيان لوزارة الخارجية، ولا اجتماع استثنائي للبرلمان، ولا حتى حركة احتجاجية ذات وزن في المناطق الحدودية. وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي” تابعت الوضع في الفنيدق وعلى الحدود مع مليلية، وسجّلت انتشارا أمنيا اعتياديا، ولاحظت عدم حدوث الاحتجاجات التي جرى الحديث عنها في مواقع التواصل، بينما اكتفت بعض التنظيمات والهيئات المدنية والسياسية ببيانات رافضة للزيارة.
يعيدنا كل هذا إلى السؤال الذي انتهينا إليه في مقال الأمس، لكنه يسمح اليوم بتدقيقه أكثر. فالصمت المغربي لم يعد يتعلق بزيارة سبتة وحدها، حتى يمكن تفسيره بالتريث أو انتظار نهاية البرنامج. الجولة انتهت، والملك الإسباني بات في المدينة الأولى، وتسلم مفتاح الثانية، وأعلن من هناك أن إسبانيا والاتحاد الأوروبي يبدآن من الحدود المغربية، ثم غادر. ومع ذلك، استمرت الرباط في سياسة “الملف المنخفض” كما سمتها الصحافة الإسبانية.
يمكن لمن يريد المزايدة أن يختصر الجواب في كلمة عنوان “تراجع الموقف الرسمي”. لكن السياسة الخارجية لا تقاس دائما بدرجة ارتفاع الصوت. كما يمكن لمن يريد تبرير كل شيء أن يحول الصمت إلى عبقرية استراتيجية مكتملة الأركان، وهذا بدوره استنتاج لا نملك ما يثبته.
الأرجح أننا أمام اختيار واعٍ لعدم فتح أزمة كبرى مع مدريد في هذه اللحظة، رغم أن ما قامت به هذه الأخيرة شديد الحساسية بالنسبة إلى الموقف الوطني المغربي. وهذا الاختيار لا يلغي السؤال عن كلفته، لأن تكرار الأفعال الرمزية بلا رد قد يحولها مع الوقت إلى سوابق عادية، وهذا ما تقول الصحافة الإسبانية إن الرحلة تسعى إليه حين تتحدث عن “تطبيع” حضور التاج في المدينتين.
يستطيع المغرب أن يعتبر الصحراء أولويته الدبلوماسية المطلقة، وأن يرى في الحفاظ على شراكته مع إسبانيا مصلحة أكبر من الدخول في أزمة حول ملف لا توجد فيه اليوم أية نافذة تفاوضية. ويمكنه أيضا أن يراهن على تغير البيئة الاقتصادية حول المدينتين، وعلى طنجة المتوسط غربا والناظور غرب المتوسط شرقا، وعلى إعادة صياغة علاقة الثغرين بعمقهما المغربي.
كل ذلك مفهوم وله منطقه. لكن هذا لا يعفي من الانتباه إلى أن إسبانيا تستعمل زمن الهدوء لكي تراكم بدورها وقائع ورموزا وصورا وعبارات لم تكن موجودة من قبل.
وخلال يومين، حصلت مدريد على صورة ملك يقضي الليل لأول مرة فوق أرض سبتة، وعلى مفتاح مليلية في يده، وعلى حشود تردد أنها لن ترحل، وعلى خطاب يجعل المدينتين بداية لإسبانيا وللاتحاد الأوروبي. هذه ليست تفاصيل محايدة، ولا ينبغي أن تصبح كذلك فقط لأن الحكمة تقتضي ألا ندخل كل مرة في أزمة دبلوماسية. والهدوء الذي قد يكون مفهوما في حسابات الدولة، لا يفرض على المجتمع ولا على الصحافة أن تتعامل مع هذا كله باعتباره خبرا عاديا.
بالأمس، حين تعلّق الأمر بسبتة، قلت إن معنى الصمت المغربي قد يكون هو الحرص على اختيار توقيت المعركة. أما بعد مليلية، فينبغي أن نضيف أن اختيار توقيتنا لا يعني أن نسمح للآخر بأن يستعمل “الصمت التكتيكي” لكتابة الواقع الجديد وحده.
مفتاح مليلية! صوت المغرب.
مشاهدة مفتاح مليلية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مفتاح مليلية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، مفتاح مليلية!.
في الموقع ايضا :
- قاآني: قضية المسجد الأقصى ومواجهة تهديدات الأعداء لطالما كانت في أعلى مستويات حسابات إيران وأولوياتها عاجل
- العميد إسماعيل قاآني: دعم الشعب الفلسطيني المظلوم ومقاومته واجبٌ التزمنا به منذ عام 1979 وما زلنا ملتزمين به حتى اليوم عاجل
- الخارجية الروسية: الاتحاد الأوروبي يقوم باستعباد مولدوفا من خلال القروض