وها أنا أمام صورة اجتمع فيها الوقار الرسمي والخشوع الديني وصمت الموتى؛ انحنت الرؤوس، وتشابكت الأيدي، وانتظمت الصفوف، وتزاحمت الشواهد المرقّمة في مقدمة المشهد، كأنها تذكّر الجميع بأن أصحابها كانوا يومًا بشرًا بأسماء وأحلام وأوطان.
يا لها من صورة تستحق التأمل! إسبانيا التي لم تجد دائمًا طريقًا آمنًا يمرّ منه المهاجرون نحو الحياة، وجدت طريقها بكل سهولة إلى قبورهم! لم تتسع الحدود لأحلام الأحياء، فاتسعت المقبرة لاستقبال كبار المسؤولين، وعدسات المصورين، وحراس البروتوكول. في مقدمة المشهد، يقف ملك إسبانيا فيليبي السادس منحني الرأس، يضع يده على صدره، وإلى جانبه زوجته الملكة ليتيثيا، تطأطئ رأسها وتضم يديها في خشوع.
اجتمعت الأديان والمناصب والسلطات أمام الموت، في صورة تتقن لغة الاحترام وتترك أسئلة الحياة معلّقة بلا جواب. تأملوا تلك الشواهد الحجرية! أرقام باردة تحتل المكان الذي كان ينبغي أن تحمل فيه القبور أسماء أصحابها. 5397، 5377، 5376، 5392… أرقام لا تخبرنا عن أمّ انتظرت، ولا عن طفل حلم، ولا عن شاب حمل في جيبه عنوانًا أوروبيًا وظن أن البحر مجرد طريق. على كل شاهد رقم، وخلف كل رقم حياة كاملة اختزلها الموت في مساحة صغيرة من الحجر.
في الحياة غرباء… وفي الموت ضيوف شرف
يعرف الجميع كيف يمنح الموتى دقيقة صمت مهيبة، بينما تظل الأسئلة الأكثر إزعاجًا خارج إطار الصورة: من ضيّق مَسالك العُبور الآمن؟ منْ حوّل الحُدود إلى اختبار للبقاء؟ ومن يتحمَّل مسؤولية السياسات التي تدفع البشر إلى طرق أشد خطرًا؟
ولعل أكثر ما يثير المرارة أن هؤلاء المهاجرين احتاجوا في حياتهم إلى اعتراف بإنسانيتهم، وحين ماتوا حصلوا على مشهد رسمي تتقدمه أعلى المقامات. يا للمفارقة! صار الوصول إلى الموت أيسر من الوصول إلى الضفة الأخرى، وصار تكريم المهاجر الميت أقل تعقيدًا من إنقاذ المهاجر الحي.
ما لم تقله الرؤوس المنحنية
أغادر الآن هذه الصورة كما دخلتها، مثقلًا بالأسئلة، مترددًا بين هيبة المشهد ومرارة المفارقة. لا أشكك في صدق الخشوع، ولا أستخف بحرمة الوقوف أمام القبور، لكنني أتساءل: ماذا لو حظي هؤلاء الراحلون، وهم أحياء، ببعض هذا الاهتمام، وبشيء من هذا الوقار، وبقدر من تلك الإنسانية التي جمعت حول رفاتهم كل هذه الوجوه؟ لعل بعضهم كان سيعود اليوم إلى أهله حاملًا حكاية نجاة بدل أن يترك لهم رقمًا على شاهد قبر.
أما أنا، الكاتب لأحاديث عابرة وغابرة، فسأترك للصورة صمتها، وللضمائر أسئلتها، وللتاريخ ذاكرته. وسأكتفي بمفارقة تختصر الحكاية كلها: كم يحتاج الإنسان من الموت حتى يستحق من الأحياء كل هذا الاحترام؟
للقُبُورِ خُشُوع .. ولِلْفَاجِعَة جفَاء! Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة للق ب ور خ ش وع ول ل ف اج ع ة جف اء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ للق ب ور خ ش وع ول ل ف اج ع ة جف اء قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، للقُبُورِ خُشُوع .. ولِلْفَاجِعَة جفَاء!.
في الموقع ايضا :
- "موديز" ترفع تصنيف مصر الائتماني درجة وتبدي نظرة مستقبلية إيجابية
- La coopération éducative tuniso-espagnole se renforce : vers des programmes concrets et une formation modernisée des enseignants d’espagnol
- L’ambassadeur d’Espagne en Tunisie en visite chez Agromillora : l’innovation agricole au cœur du partenariat tuniso-espagnol