سلسلة «شو هالحكي» | ل محمد قاسم سألت جدّي مرّة وأنا صغير، كنت سامع جملة بيقولوا إنها للإمام علي: «جدّي شو يعني احذروا صولة الحليم إذا غضب؟» شال العوينات، حطّهن عالطاولة، صفن فيّي صفنة واحد دافع فواتير كهربا وموتور لـ 70 سنة لقدّام، وقال لي: «أول شي يا حبيبي، هيدا مثل دارج، مش للإمام علي. الإمام علي قال: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع… بس نحن بلبنان، ما شاء الله، الكريم عم يجوع واللئيم عم يطلع عالتلفزيون! تاني شي، ما تحفظ جُمل وتعلّقها عالحيط متل جماعة الصالونات. الحليم يا جدّي مش واحد مضروب عراسه أو آخد حبّة مهدّئ. الحليم واحد بيعرف إنّو غضبه بيكسر عظم، فبيوفّره. مش كل ما مرق واحد بلطجي بالحارة بدنا نعملّوا استعراض قوّة. بس المصيبة بهالبلد إنّو إذا سكتت، بيقولوا خايف. وإذا صبرت، بيقولوا مفلّس. وإذا طوّلت بالك، بيفكّروك ماضي معن عقد إيجار قديم فيهن يبهدلوك فيه كل آخر شهر!» كبرنا يا سيدي، وكبرت معنا هالـ «شو اسمو»… وصرت شوف بلد عجيبة غريبة: بس يوقف قصف الطيران، بيبلّش قصف الحكي. يعني هدنة عالأرض، حرب عالمية تالتة بالاستوديو! لو جدّي بعده عايش اليوم، وقاعد عكرسي القش عم يلفّ سيجارة، كنت قلتلوا: «يا جدّي، هالحليم اللي حكيتلي عنه؟ طلع هو هالناس اللي أكلت الضرب، وتهجّرت، ونامت عالطرقات، وخسرت بيوتها… وبعدها لهلّق مضطرة تسمع مواعظ بالوطنية من واحد أكبر مصيبة مرقت بحياته إنّو انقطعت عنده الـ Wi-Fi خمس دقايق بالصيفي!» كان جدّي رح ينفخ الدخّان ويقلّي: «إيه يا جدّي عادي… بهالبلد، دايماً اللي قاعد تحت السقف وعم يطلب سوشي، هو اللي بدّو يعلّم اللي نزل السقف عراسه كيف لازم يرتّب الردم برواق وحضارة!» جماعة التوقيت السويسري… فرع عوكر! في ناس يا عمّي بالبلد معها ساعات ما بتخرّب. مش مضبوطة لا عتوقيت بيروت، ولا عتوقيت غرينتش. مضبوطة عتوقيت «البيان رقم واحد» تبع الخارج. بيطلع الواحد منن عالشاشة، كوي القميص، حاطط جيل، شارب الـ Espresso، حاطط إجر ع إجر، وبيبلّش يوزّع شهادات حُسن سلوك وطني. بتسأله المذيعة: «أستاذ، شو رأيك بالخروقات والاعتداءات الإسرائيلية؟» فجأة بيصير فيلسوف زمانه! بيصير يحكيك عن «توازنات القوى الدولية»، و«حساسية الظرف الإقليمي»، و«ضرورة عدم إعطاء الذرائع»، وبيوطّي صوته هيك بنعومة كأنّو عم يحكي بمكتبة عامة. بس قلو «سلاح المقاومة»؟ بيقلب غريندايزر! قبل ما تخلّص المذيعة حرف النون، بيكون خبط عالطاولة، وطلع بـ 14 قرار اتهامي، و7 بيانات إدانة، وطالب بالفصل السابع! يا عمّي شو هالسرعة؟ هيدا مش تحليل سياسي، هيدا دليفري… وطلبات مسبقة الدفع كمان! والمضحك المبكي، إنّو بتركّز شوي بالحكي، بتحسّ حالك سامعه قبل بنص ساعة عالقناة 12 الإسرائيلية، بس مدبلج عاللبناني! طبعاً، هلّق بيطلعلك واحد بيقلّك: «يعني عم تخوّنونا؟» لا يا حبيبي، روّق. مش كل واحد عارض المقاومة عميل، والاختلاف بالسياسة حق طبيعي ومقدّس، ومن حق أي لبناني يسأل وين رايحين، وشو الكلفة، وشو مصير السلاح. هيدا نقاش صحّي وضروري. بس كمان يا أخي، من حقّي إسألك: ليش السيادة عندك بتشتغل بنظام الدوام الجزئي (Part-time)؟ يعني سيادة شغّالة من الـ 8 الصبح للـ 2 بعد الضهر بوجه ابن بلدك، وبس تيجي سيرة إسرائيل بتاخد إجازة مرضية بدون راتب؟! السفارة مع حرية التعبير… بس عالـ Teleprompter! بخيالي رجعت سألت جدّي: «طيب يا جدّي، هول اللي عاملين محكمة ميدانية عالتلفزيون، وكل واحد بيقول كلمة مع المقاومة بيلبسوه تهمة جاهزة، شو وضعن؟» ضحك وقال: «هول يا جدّي قضاة بلا ملفات. بيكتبوا الحكم عالـ WhatsApp قبل ما يصير الحادث أصلاً! المشكلة يا ابني مش بالمعارضة، البلد بلا معارضة بيخرب. المشكلة باللي بيلبس عوينات شمس بالليل! الوجع اللي بيجيبله لايكات وتمويل بيشوفه بالـ HD، والدم اللي ما بيناسب جدول أعماله، بيصير عنده عمى ألوان فجأة!». والله يا جدّي ما عم يفهموا… من كربلاء لـ «روح الروح»! وهون، بطّلت إقدر إضحك مع جدّي، ولا عاد في مجال للمزح. رجعت قعدت قباله، بس هالمرّة كان الصوت مخنوق، والقلب مليان، والوجع واصل لحفّة الصبر. قلت له: «والله يا جدّي ما عم يفهموا… بعدن ما لمّوا الناس عن الطرقات، وبعدها بيوتنا تحت الرماد، وبعدها أرضنا محتلة والطيران فوق راسنا، وبلّشوا يطالبوا ويجرّبوا يسحبوا السلاح من إيدنا! ناسين إنّو “روح الروح” – الله يرحم روحه ويقدّس سرّه – كان قايلها بالصوت العالي: اللي بيمد إيده على سلاحنا منقطعها. وناسين يا جدّي القصّة اللي ربّيتنا عليها من قبل 1400 سنة وأكتر… قصّة كربلاء، وقصّة هداك اللي وقف لحاله بوجه تلاتين ألف سيف ورُمح، كرمال كلمة وحدة طلبوا منه يقولها وما قبل، وقال: ‹ومثلي لا يبايع مثله›». سكت جدّي شوي. هالمرّة ما ضحك. شدّ عإيدي، وطالع فيّي هذيك النظرة اللي بتجمع بين وجع الفقد وعزّة الموقف، وقال لي بصوت هادي بس بيهزّ جبال: «يا جدّي… هون بالضبط مربط الفرس. أكبر غلطة بيعملوها هول اللي قاعدين بالغرف المكيّفة وعم يرسموا خرائط ويكتبوا شروط، إنّهن بيحسبوا كل شي عالآلة الحاسبة. بيحسبوا عدد الصواريخ، وعدد البيوت المهدّمة، وعدد النازحين، وبيفكّروا إنّو إذا كتر الوجع وكبر الجرح، بتتغيّر المعادلة وبتنكسر الإرادة! ما بيعرفوا يا جدّي إنّو هالناس مش حسبة أرقام. هالناس عندها ذاكرة عمرها 1400 سنة، وعندها وديعة دم غالية تركها “روح الروح” أمانة برقبتها. اللي مفكّر إنّو غياب السند الكبير بيعني إنّو البيت صار بلا سياج، أو إنّو الكلمة اللي انقالت بزمان القوّة بتتغيّر بزمان الشدّة، بيكون ما بيعرف طينة هالأرض ولا بيعرف مين أصحابها». رجع جدّي أسند ضهره عالكرسي، وقال لي: «تذكّر يا جدّي شو سرّ هذيك الجملة بكربلاء: “ومثلي لا يبايع مثله”. الإمام الحسين ما قالها لأنّو كان معه جيش أكبر، ولا لأنّو كان ضامن النصر العسكري عالأرض. قالها لأنّو الموضوع مش موضوع موازين قوى… الموضوع موضوع كرامة، ومبدأ، وحقّ ما بيتساوم عليه لو اجتمعت الدني كلّها. واللي تربّى بمدرسة “هيهات منّا الذلة”، ما بيسلّم رقبته ولا سلاحه ولا أرضه لأنّو الظرف صعب، أو لأنّو في حدا عم يضغط بالسياسة والإعلام. السلاح اللي انعجن بدم الشهداء ليحمي الأرض والعِرض، مش تفصيل عالطاولة لينحطّ ببند مفاوضات بينما المحتلّ بعده واقف عالتلّة وناسنا مشرّدة عن ترابها!». وبالآخر… الكلمة لجدّي، مش للملحق الثقافي! قلت له: «طيب يا جدّي، وهول اللي مستعجلين يقطفوا ثمار الحرب عحساب دمنا؟ نعلّق معن؟» ابتسم جدّي ابتسامة خفيفة فيها كتير من الحكمة والمرارة، وقال: «يا ابني، بالتاريخ دايماً في ناس بتقاتل لتصنع الكرامة، وفي ناس بتنطر عالرصيف لتقبض عمولة التسوية! بس إوعى يا جدّي تنجرّ لملعبهن! الغضب اللي بقلبك هلّق حقّ، والتمسّك بوصية “روح الروح” وفاء، والثبات عخطّ كربلاء عقيدة. بس اللي وقف بوجه تلاتين ألف بكربلاء، كان غضبه بوجه الظالم والمحتلّ، مش تضييع للبوصلة بالزواريب الضيّقة. هنّي بدّهن ياك تفقد أعصابك لتخسر حقّك، وإذا بتصير متلن بتكون عطيتهن عقلك ببلاش، وهنّي أصلاً دايرين عالعقول الفاضية. خليك متل ما علّمك السيّد، ومتل ما علّمتك كربلاء: إيد عالزناد بوجه المحتلّ لترجع الأرض ويرجعوا الناس مرفوعين الراس، وعقل واعي بالداخل بيفرُض هيبته بثباته ووحدته مش بالصراخ. لأنّو اللي معه حق بيحكي بالمنطق، واللي ما معه شي بيعمل ضجّة… والطنجرة الفاضية هي اللي بتقرقِع أكتر شي بالبيت! ولمّا يشوفوا إنّو الجرح ما كسرنا، وإنّو الفقد زادنا تماسك، وإنّو وصية الشهداء بعدها حيّة بعيون كل ولد وشاب وشيخ… ساعتها لحالهن رح يفهموا إنّو هالأمانة ما بتنسَحب، وإنّو الإيد اللي ربّت عالعزّ… ما بتنلوي!». هزّيت راسي وقلت له: «رحم الله من قرأ الفاتحة… والوصية بالقلب يا جدّي». فيا جماعة الـ «سيادة عالقطعة»، ويا هواة قطف الرؤوس بوقت الأزمات: لمّا يصير صوتكم بوجه الطيران الإسرائيلي بنفس علوّ صوتكم بوجه النازح اللبناني… ساعتها تفضلوا عالصالون لنحكي بالوطنية. أمّا قبل هيك؟ عنجد… شو هالحكي!
مشاهدة سألت جد ي عن laquo صولة الحليم raquo hellip قل ي laquo يا عم ي هول
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سألت جد ي عن صولة الحليم قل ي يا عم ي هول مفك رين صبر الناس اشتراك إنترنت مفتوح بلا حدود وبلا أخلاق قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىبتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سألت جدّي عن «صولة الحليم»… قلّي: «يا عمّي هول مفكّرين صبر الناس اشتراك إنترنت مفتوح… بلا حدود وبلا أخلاق!».