خطأ في الزمن السياسي ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (صوت المغرب) -

واحدة من أولى الخلاصات التي ينبغي أن نخرج بها من تجربة الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، هي ضرورة تغيير الفترة التي يجرى فيها هذا الاستحقاق، من فترة الدخول السياسي إلى تاريخ آخر يمكن أن يكون نهاية فصل الربيع أو بداية الصيف، حتى نتجنّب هذا التداخل بين ضرورة تشكيل حكومة جديدة وافتتاح البرلمان ومناقشة مشروع ميزانية السنة الموالية…

فقد تعهّدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بمناسبة تقديم برنامج حكومتها أمام البرلمان، بأن تقاس مسؤوليتها بالنتائج التي سيشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية، وبأن تتحول الوعود إلى برامج قابلة للتنفيذ، وحددت سبع أولويات تشمل دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد والريع، والقدرة الشرائية والدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، والسيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموحات الاجتماعية.

هذا كلام واضح في طابعه السياسي، بل ويحمل قدرا من الطموح الذي تحتاجه حكومة جاءت بعد انتخابات شهدت تغييرا في موازين القوى، وإن تمّ ذلك داخل مربّع الأحزاب المقرّبة. لكن المشكلة أن الاختيارات التدبيرية لا تصبح سياسة عامة بمجرد وضعها في خطاب، بل حين تجد ترجمتها في الأرقام، والموارد، والاختيارات الضريبية، وأولويات الإنفاق.

ويعلم الجميع أن إعداد الميزانية يبدأ أشهرا عديدة قبل إيداعها، وتسبق ذلك مذكرات التأطير والبرمجة والتفاوض بين القطاعات والوزارة المكلفة بالمالية… وبالتالي، فإن مشروع ميزانية 2027 هو، بالضرورة، نتاج مسار بدأ في عهد الحكومة السابقة، قبل انتخابات 23 شتنبر وقبل أن يعرف أحد التركيبة النهائية لحكومة المنصوري.

هذا ليس عيبا في حد ذاته، لأن الدولة لا تتوقف في انتظار نتائج الانتخابات، ولأن استمرارية الإدارة تفرض أن يستمر تحضير الميزانية مهما كانت نتيجة صناديق الاقتراع. لكن هذا الواقع يصبح سياسيا حين تقدم حكومة جديدة نفسها باعتبارها حاملة لاختيارات جديدة، ثم نجد أن أول أداة لتنفيذ هذه الاختيارات سبقتها في الوجود.

إذا كانت الانتخابات قد أنتجت أغلبية جديدة، وإذا كانت الحكومة قد صاغت برنامجا جديدا، وإذا كانت فاطمة الزهراء المنصوري تقول إن السنوات الخمس المقبلة ستكون فرصة لتصحيح الاختلالات وتركيز موارد الدولة على ما يلمسه المواطن في شغله وتعليمه وعلاجه ومعيشته، فلا بد أن يكون لهذا التحول أثر يمكن رؤيته في أول ميزانية تحمل توقيع هذه الحكومة. وإلا سنكون أمام تغيير سياسي وقع فوق بنية مالية حافظت على وضعها السابق.

حين تتحدث الحكومة عن القدرة الشرائية مثلا، يجب أن نعرف أين يتجلّى ذلك في الضرائب والدعم والدخل. وحين تتحدث عن التشغيل، ينبغي أن نبحث في حجم الموارد المرصودة والاستثمارات والإجراءات القادرة على إنتاج فرص عمل فعلية. وحين تضع محاربة الريع والفساد وتضارب المصالح ضمن أولوياتها، ينبغي أن يظهر ذلك في قواعد الصفقات والجبايات والمراقبة والحكامة. وحين تعد بتحسين المدرسة والمستشفى العموميين، يجب أن نبحث عما إذا كانت الموارد البشرية والاستثمارات والاعتمادات المخصصة لهذين القطاعين تنسجم فعلا مع حجم الطموح المعلن.

المشكلة في المغرب ليست نقص البرامج الحكومية. فكل الحكومات السابقة قدمت برامج متماسكة على الورق، وكلها تقريبا تحدثت عن التشغيل والتعليم والصحة والاستثمار والعدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق. لكن الفرق بين حكومة وأخرى لا يصنعه عدد العناوين الجديدة، بل مقدار ما تستطيع أن تنقله من الخطب إلى قوانين المالية ومن الشعارات إلى القرارات التي لها كلفة سياسية ومالية.

هنا يصبح وضع حكومة المنصوري أكثر تعقيدا. فهي لا تبدأ ولايتها بميزانية حضّر الجزء الأساسي منها قبل مجيئها فقط، بل تبدأ أيضا وهي مطالبة بإقناع المغاربة بأنها ليست مجرد امتداد للسياسات السابقة مع تغيير أسماء الوزراء والتحالفات. رئيسة الحكومة نفسها تحدثت عن الانتقال من حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدّد البرامج إلى تكاملها وأثرها، وهي تعابير تحمل في داخلها نقدا ضمنيا للمرحلة السابقة، حين أنفقت الدولة واستثمرت وأطلقت برامج كثيرة، لكن النتائج لم تصل إلى الحياة اليومية للناس.

الطريف هنا أن الحكومة تحدّثت في برنامجها عن حسن تدبير الزمن السياسي والتشريعي، بينما بدا أن أول ما خانها هو الزمن نفسه. حين تأخر تشكيلها، وجدت نفسها مطالبة في أيام قليلة بتسلم القطاعات، وعقد المجلس الحكومي، وتقديم البرنامج، والمصادقة على قانون المالية، ثم الذهاب إلى البرلمان للحصول على الثقة.

اليوم الخميس 22 أكتوبر 2026، سيناقش مجلس النواب البرنامج الحكومي، وسيصوت عليه وفق الفصل 88 من الدستور، والذي ينظّم “تنصيب” الحكومة برلمانيا. ومن الطبيعي أن تتركز المداخلات على الوعود، وعلى مدى واقعيتها، وعلى ما غاب عنها وما حضر فيها. لكن النقاش الأكثر فائدة، في رأيي، هو أن يضع النواب البرنامج الحكومي إلى جانب مشروع قانون المالية ويسألوا الحكومة سؤالا بسيطا ودقيقا: أين توجد وعودكم الجميلة في الأرقام والاعتمادات والحسابات؟

إذا وجدنا بينها وبين الميزانية انسجاما واضحا، سنكون أمام حكومة استطاعت، رغم ضيق الوقت، أن تضع بصمتها الأولى على السياسة العمومية. أما إذا بدا مشروع المالية يسير في الاتجاه نفسه الذي كان سيسلكه لو لم تقع انتخابات ولم تتغير الحكومة، فسنصبح أمام برنامج جديد، وحكومة جديدة، وأغلبية جديدة، لكن سنة مالية قديمة.

لا يكفي في السياسة أن يتغير من يتولى السلطة حتى نقول إن الأوضاع تغيرت. ما يثبت التغيير هو أوجه صرف أموال الدولة، ومن يدفع الضرائب، وحجم تلك الضرائب، ومن يحصل على الدعم، وما الذي يحتل صدارة الإنفاق، وما الذي يتراجع إلى الخلف.

لذلك، لا أعتقد أن هناك من يترقّب اليوم ما إن كان مجلس النواب سيمنح ثقته لحكومة المنصوري أم لا، فقد حدث ذلك ضمنيا عندما تشكّل تحالف الأغلبية وعندما عيّن الملك الحكومة بعد التأكد من حيازتها للأغلبية، وعندما عرضت هذه الأخيرة مرشحها لرئاسة مجلس النواب ونجحت في تنصيبه؛ السؤال الحقيقي المطروح علينا اليوم هو هل ستجعل الحكومة ميزانية 2027 تخدم برنامجها، أم سيضطر برنامجها إلى خدمة الميزانية التي وجدتها جاهزة في رفوف نادية فتاح العلوي؟

خطأ في الزمن السياسي صوت المغرب.

مشاهدة خطأ في الزمن السياسي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ خطأ في الزمن السياسي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، خطأ في الزمن السياسي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار