وأضاف الروداني، في مقال تحليلي بعنوان “الصحراء المغربية بعد المينورسو: تحول مرجعية التسوية وإعادة تشكيل موازين التفاوض”، أن الفيتو الروسي ضد المشروع الأمريكي، وفشل المقترح الروسي البديل في مجلس الأمن، كشفا حدود التوافق الدولي حول استمرار البعثة، مشيرًا إلى أن القرار الأممي 2797 لسنة 2025 أحدث تحولًا في مسار النزاع بجعل الحكم الذاتي مرجعية للمفاوضات.
واعتبر الروداني أن مستقبل التسوية بات يرتبط ببلورة الترتيبات المؤسساتية للحكم الذاتي، بالتوازي مع المشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب في أقاليمه الجنوبية، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي والمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، بما يعزز موقع الصحراء المغربية في شبكات التجارة والطاقة والربط الإفريقي.
وقد وضع بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر هذا التطور في سياقه السياسي، معلنًا الانتقال من «مجرد منطق التدبير» إلى «مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات». ويكتسب هذا الإعلان دلالته من كونه يأتي بعد سنوات من تعثر المسار التفاوضي وتراجع قدرة الآليات المعتمدة على مواكبة التحولات السياسية والميدانية. وهي إشكالية سبق أن أثارها مسؤولون أمميون من داخل تجربتهم في الملف؛ فقد تناول بيتر فان فالسوم، سنة 2008، واقعية الخيارات السياسية المطروحة، فيما عاد جوليان هارستون، الرئيس السابق للمينورسو، في فاتح نونبر 2026، إلى مساءلة جدوى استمرار البعثة بصيغتها الأصلية.
ومع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين المهمة الأصلية للبعثة والواقع السياسي والأمني الذي يفترض أن تتعامل معه. وجاءت أزمة الكركرات في نونبر 2020 لتكشف هشاشة الترتيبات الميدانية التي قامت عليها مهمتها، بعدما أقدمت عناصر مسلحة تابعة لجبهة البوليساريو على إغلاق المعبر وعرقلة حركة المرور المدنية والتجارية. وفي 14 نونبر، أعلنت الجبهة إنهاء التزامها بوقف إطلاق النار واستئناف ما وصفته بـ«الكفاح المسلح». وقد وثقت تقارير الأمين العام هذا الإعلان، كما سجلت التقارير اللاحقة استمرار الأعمال العدائية والتقارير المتبادلة بشأن إطلاق النار.
عاد هذا الإشكال إلى واجهة مجلس الأمن خلال تصويت 30 أكتوبر. فالمشروع الأمريكي اقترح مراجعة إطار عمل البعثة وتغيير تسميتها، مع جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعًا للمفاوضات، فيما دعا المشروع الروسي إلى تمديد الولاية سنة إضافية دون إدخال تغييرات جوهرية على طبيعة البعثة ومهمتها. ولا ينبغي قراءة الفيتو الروسي باعتباره رفضًا لمبادرة الحكم الذاتي في حد ذاتها؛ فقد انصب الخلاف على صياغة المشروع الأمريكي، وعلى طبيعة التغييرات التي اقترحها في ولاية البعثة والإطار الناظم للعملية السياسية. أما إخفاق المشروع الروسي في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة، فيكشف بدوره تعذر بناء توافق داخل المجلس حول تمديد الولاية وفق الصيغة التي اقترحتها موسكو.
كان لوجود المينورسو، منذ سنة 1991، دور في ضبط الوضع الميداني شرق الجدار الأمني، من خلال مراقبة التحركات وتسجيل الحوادث والإبقاء على قنوات الاتصال العسكري مفتوحة. ومع انتهاء ولايتها، تفقد المنطقة آلية كانت توفر، رغم محدودية صلاحياتها، قدرًا من الرصد وتساعد على احتواء التوتر. وسيكون لهذا التحول أثر على التحقق من الوقائع الميدانية وتقدير طبيعتها، خصوصًا في المناطق التي يصعب فيها التمييز بين تحرك استفزازي وحادث قد يتطور إلى مواجهة.
بالنسبة إلى المغرب، تقتضي المرحلة تعزيز مراقبة المجال وتطوير قدرات الاستطلاع والرصد والاستخبارات والإنذار المبكر، مع المحافظة على جاهزية القوات المسلحة الملكية وقدرتها على حماية الحدود والمراكز الحيوية. وتقوم العقيدة الأمنية المغربية على ردع أي تهديد يمس السيادة الوطنية، والاحتفاظ بحرية المبادرة والقدرة على التدخل عند الضرورة، مع مراعاة مقتضيات حسن الجوار وتجنب توسيع دائرة التوتر الإقليمي.
وتظل الجزائر طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي قراءة لهذه المعادلة، بالنظر إلى موقعها في النزاع وصلتها السياسية والعسكرية بالبوليساريو. فأي ترتيبات أمنية مستقبلية لا يمكن أن تتعامل مع الوضع باعتباره شأنًا يخص المغرب والجبهة وحدهما. وتضع مرحلة ما بعد المينورسو المنطقة أمام واقع جديد، تتراجع فيه آليات المراقبة الأممية، فيما تظل احتمالات الاحتكاك قائمة، داخل محيط إقليمي قابل لانتقال التوترات عبر الحدود.
**الحكم الذاتي وإعادة تشكيل بنية التفاوض**
وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى طبيعة المسار الذي تعثر منذ سنة 1991. فقد ظل النقاش مرتبطًا باستفتاء يتضمن خيارات نهائية متعارضة، من بينها الاستقلال والاندماج، دون أن يتمكن الأطراف من الاتفاق على الشروط السياسية والإجرائية لتنفيذه. أما اعتماد الحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات، فيوجه النقاش نحو مضمون صيغة سياسية قابلة للتطبيق، وما تستلزمه من مؤسسات واختصاصات وضمانات.
كما يتغير معيار تقييم الحلول المطروحة. إذ يصبح مدى قابليتها للتنفيذ وقدرتها على توفير الاستقرار وانسجامها مع الوقائع السياسية والمؤسساتية عناصر أساسية في تقدير جدواها. ولا تنفصل هذه الاعتبارات عن الإطار القانوني، لكنها تضعه في صلته بإمكانات الإنجاز، بعدما أظهرت التجربة أن استمرار الخلاف حول المبادئ لا يكفي وحده لإنتاج تسوية. ويظل ملف الضمانات محورًا أساسيًا في هذا النقاش، بما يشمله من توزيع للاختصاصات بين المؤسسات المحلية والدولة، وتمثيلية سياسية، وموارد مالية، وآليات للمساءلة، وضمانات دستورية تحدد مجال ممارسة الصلاحيات وحدودها.
أثار هذا الموقف اعتراضًا حادًّا لدى قيادة البوليساريو والجزائر. واعتبرت الجزائر أن فان فالسوم تجاوز حدود مهمته، فيما عبّر مسؤولون جزائريون عن فقدان الثقة في قدرته على مواصلة الوساطة. وفي غشت 2008، لم يُجدّد الأمين العام بان كي مون مهمته، قبل تعيين مبعوث جديد مطلع سنة 2009. وقد كشف هذا التطور عن إحدى المعضلات التي رافقت العملية السياسية: استمرار المفاوضات لا يضمن الوصول إلى حل ما دامت الخيارات المطروحة منفصلة عن شروط تحقيقها وموازين القوى المحيطة بها.
وتكمن أهمية استحضار الموقفين في اختلاف زاوية المعالجة: فان فالسوم تناول حدود الخيارات السياسية التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات، بينما ركز هارستون على جدوى الآلية الأممية التي واكبت ذلك المسار. ويلتقي الموقفان عند مساءلة الفجوة بين الأهداف المعلنة والواقع الذي أفرزته سنوات من التعثر.
**الجزائر والصحراء: من تسوية النزاع إلى بناء المجال الإقليمي**
ويحمل ميناء الداخلة الأطلسي دلالة خاصة ضمن هذه الرؤية. فهو مشروع وطني من حيث موقعه وأهدافه، لكنه يتجاوز وظيفته المحلية من خلال الرهان على ربط غرب إفريقيا بالأسواق الأطلسية والدولية. كما أن ارتباطه بالمناطق الصناعية واللوجستية وشبكات النقل يفتح المجال أمام الأقاليم الجنوبية لتطوير دورها كمركز للنشاط الاقتصادي والخدماتي. ويمنح هذا التحول مضمونًا عمليًا للعلاقة بين الحكم الذاتي والتنمية، من خلال الجمع بين تدبير محلي للشؤون الاقتصادية والاجتماعية وبنية إنتاجية ولوجستية قادرة على استيعاب مشاريع واستثمارات جديدة.
وتكتسب هذه المشاريع أهمية إضافية بالنظر إلى ما تنشئه من مصالح اقتصادية وإقليمية متشابكة. فالأقاليم الجنوبية أصبحت حاضرة في حسابات شركاء المغرب الأفارقة والأطلسيين، بفعل ما توفره من إمكانات للربط التجاري والطاقي واللوجستي. ومن شأن هذا الامتداد أن يجعل استقرار المنطقة مرتبطًا بمصالح تتجاوز نطاق النزاع، وتمتد إلى دول الساحل وغرب إفريقيا وشركاء المملكة في الفضاء الأطلسي.
إن الموقف المغربي محدد: السيادة الوطنية على الصحراء غير قابلة للتفاوض، ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هي الأساس الذي يطرحه المغرب لإنهاء النزاع. وتتركز المرحلة المقبلة على بلورة الترتيبات السياسية والمؤسساتية الكفيلة بتنزيل هذا الحل وضمان استمراريته، في ظل واقع إقليمي تغيرت فيه موازين المصالح والرهانات الأمنية والاقتصادية. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة خلاف طال أمده إلى تسوية سياسية تستوعب التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية ومحيطها الإفريقي والأطلسي.
نهاية "المينورسو" تنقل ملف الصحراء إلى مفاوضات تنزيل الحكم الذاتي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة نهاية المينورسو تنقل ملف الصحراء إلى مفاوضات تنزيل الحكم الذاتي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ نهاية المينورسو تنقل ملف الصحراء إلى مفاوضات تنزيل الحكم الذاتي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، نهاية "المينورسو" تنقل ملف الصحراء إلى مفاوضات تنزيل الحكم الذاتي.
في الموقع ايضا :